نهاية الحرب الأمريكية الإيرانية تنتظر من" يصرخ أولا من الألم" !
دبي "أ.ف. ب": أصبح مصير الحرب بين كل من الولايات المتحدة وإسرائيل من ناحية وإيران من ناحية أخرى، بكل تعقيداتها وتداعياتها العالمية، يتلخص في سؤال واحد: من يستطيع تحمل المعاناة لأطول فترة أو من سيصرخ من الألم أولا؟ يشير الارتفاع الحاد في أسعار النفط إلى أن إلحاق الضرر بالاقتصاد العالمي يمكن أن يكون سلاح إيران الأكثر فعالية، وأكبر نقطة ضعف للولايات المتحدة في مواصلة هذه الحملة. وقد أدى الارتفاع الحاد في أسعار الوقود إلى زعزعة استقرار المستهلكين والأسواق المالية، وتعطيل حركة السفر والشحن الدوليين بشكل كبير.
يبدو أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يدرك هذا الخطر. فمع ارتفاع سعر النفط إلى134 دولارا للبرميل، مسجلا أعلى مستوى له منذ عام 2022، قال ترامب إن الحرب ستكون "قصيرة الأجل". وقد ساهم ذلك في طمأنة الأسواق، وانخفض السعر إلى حوالي 90 دولارا، حتى مع تعهد ترامب، في الوقت نفسه تقريبا، بمواصلة الحرب ومعاقبة إيران.
في المقابل، يتعين على إيران تحمل سلسلة شبه متصلة من الغارات الجوية الأمريكية والإسرائيلية التي لا تستطيع التصدي لها. في الوقت نفسه لا يزال نظام الجمهورية الإسلامية يسيطر على زمام الأمور في إيران، حيث انتقلت القيادة من على خامينئي المرشد الأعلى للجمهورية الذي قتل في الضربات الأولى للحرب إلى ابنه مجتبي خامينئي. ورغم الخسائر الفادحة التي تكبدها جيشها، تواصل إيران إطلاق الصواريخ والطائرات المسيرة في أنحاء المنطقة.
في الوقت نفسه يواجه حلفاء الولايات المتحدة ضغوطا متزايدة. فدول الخليج العربي، رغم أنها ليست طرفا في الحرب، تواجه قصفا إيرانيا متواصلا ستهدف حقول النفط والمدن وشبكات المياه. أما إسرائيل، فبينما تتباهى بإلحاق أضرار جسيمة ببرنامج الصواريخ الإيراني وأهداف عسكرية أخرى، لا تزال هدفا لصواريخ إيرانية متطورة بشكل متزايد، تطلق وابلا من المتفجرات على مدنها. وقد أدت صفارات الإنذار المتكررة إلى توقف الحياة اليومية، وإغلاق المدارس وأماكن العمل، وخلق جو متوتر في إسرائيل ودول الخليج.
ولا تلوح في الأفق نهاية قريبة للحرب، ولا حتى في الخطاب الصادر عن كل من الولايات المتحدة وإيران، اللتين تمتد عداوتهما لعقود، منذ قيام الثورة الإسلامية في إيران والإطاحة بنظام حكم الشاه عام 1979 وأزمة احتجاز الرهائن في السفارة الأمريكية بطهران.
وقال ترامب في خطاب ألقاه يوم الاثنين في دورال بولاية فلوريدا: "لقد حققنا انتصارات كثيرة، لكنها لم تكن كافية. سنمضي قدما، أكثر تصميما من أي وقت مضى، لتحقيق نصر نهائي ينهي هذا الخطر المستمر إلى الأبد".
في المقابل أدلى كاظم غريب آبادي، المسؤول في وزارة الخارجية الإيرانية، بتصريح معاكس من طهران، متفاخرا بأن الجمهورية الإسلامية رفضت اتصالات بشأن وقف إطلاق النار، قال إنها جاءت من الصين وفرنسا وروسيا وغيرها.
وقال غريب آبادي للتلفزيون الإيراني الرسمي: "نحن في وضع أفضل حاليا. انظروا فقط إلى حالة الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة - لقد كان الأمر مؤلما للغاية بالنسبة لهم"، مؤكدا أن أن إيران هي التي "ستحدد نهاية الحرب".
لسنوات قبل أن تشن إسرائيل والولايات المتحدة الحرب ضد إيران في 28 فبراير، حذرت طهران من أنها سترد على الشرق الأوسط بأكمله في حال تعرضها للهجوم، مستهدفة البنية التحتية النفطية التي جعلت جيرانها العرب في الخليج تراكم ثروات طائلة. في المقابل، تعرض اقتصاد طهران للشلل جراء العقوبات الدولية.
وقد عززت إيران تهديدها الآن بإطلاق وابل من الصواريخ والطائرات المسيرة على إسرائيل والقواعد الأمريكية والمنشآت النفطية في دول الخليج. واضطرت قطر لوقف إنتاجها من الغاز الطبيعي، وأعلنت البحرين أن عملياتها النفطية لا تستطيع الوفاء بالتزاماتها التعاقدية. وتأثر منتجون آخرون مثل شركة أرامكو السعودية العملاقة للنفط، مما أدى إلى تعطيل مصدر رئيسي لإمدادات الطاقة لآسيا، ولا سيما الصين التي أرسلت مبعوثا رفيع المستوى إلى المنطقة بهدف احتواء الصراع.
توقفت حركة الملاحة بشكل عام في مضيق هرمز الاستراتيجي، وهو المدخل الضيق للخليج العربي الذي يمر عبره نحو 20% من إجمالي تجارة النفط والغاز الطبيعي في العالم، وما يصل إلى 30% من صادرات الأسمدة العالمية. ولم تكن إيران بحاجة إلى زرع الألغام في هذا الممر المائي، لآن هجماتها على عدة سفن دفعت الشركات إلى وقف المرور عبر المضيق.
في المقابل اقترح ترامب قيام سفن حربية أمريكية بمرافقة ناقلات النفط في مضيق هرمز، لكن هذا الاقتراح لم يترجم بعد إلى إجراءات تعيد فتح الممر المائي.
وفي فجر الثلاثاء الماضي هدد ترامب بأنه إذا أوقفت إيران تدفق النفط عبر المضيق، "ستوجه إليها الولايات المتحدة ضربة أشد بعشرين مرة مما تلقته حتى الآن".
وكتب على منصته للتواصل الاجتماعي "تروث سوشيال": "سندمر أيضا أهدافا يسهل تدميرها، ما سيجعل من المستحيل عمليا على إيران أن يعاد بناؤها كدولة - سيحل عليها الموت والنار والغضب - لكني آمل وأدعو ألا يحدث ذلك!".
إلا أن إيران ضاعفت من حدة موقفها، حيث هدد الحرس الثوري بأنه لن يسمح بخروج "لتر واحد من النفط" من الخليج العربي.
والسؤال المهم الآن ما هو النصر بالنسبة لكل طرف من أطراف الحرب؟ بالنسبة لحكام إيران الثيوقراطيين، فالبقاء في السلطة هو النصر، بغض النظر عن التكاليف التي ستتكبدها البلاد والمنطقة.
أما ترامب فكان غامضا ومتناقضا بشأن أهدافه في الحرب. ففي بعض الأحيان، يبدو أنه يسعى للإطاحة بنظام حكم الملالي في طهران، وفي أحيان أخرى، يبدو مستعدا للتوقف قبل ذلك، معلنا بشكل عام أنه يريد ضمان ألا تشكل إيران تهديدا لإسرائيل والمنطقة والولايات المتحدة.
قد يمنحه هذا الغموض مرونة في إعلان تحقيق النصر، خاصة إذا بدأ ظهور أضرار حقيقية على الاقتصاد الأمريكي.
لكن إذا توقفت الحرب الآن، فستواجه كل من الولايات المتحدة وإسرائيل تحديات جسيمة.
أحد هذه التحديات هو القيادة الإيرانية نفسها. فبعد أن قتلت غارة جوية إسرائيلية المرشد الأعلى للجمهورية علي خامنئي، البالغ من العمر 86 عاما، في بداية الحرب، اختار رجال الدين الإيرانيون ابنه مجتبى، البالغ من العمر 56 عاما، لشغل المنصب.
يعتبر خامنئي الابن، أكثر تشددا من والده، وله علاقات وثيقة بالحرس الثوري. وقد وصفته إسرائيل بالفعل بأنه هدف لحملتها العسكرية، بينما صرح ترامب بأنه يريد شخصا آخر في هذا المنصب.
كما أن إيران لا تزال تمتلك مخزونا من اليورانيوم عالي التخصيب، وهو أحد أسباب الحرب التي أشارت إليها كل من إسرائيل والولايات المتحدة. كانت إيران تخصب اليورانيوم بنسبة تصل إلى 60%، وهو ما يعني أنها على بعد خطوة تقنية قصيرة من مستويات التخصيب اللازمة لصنع الأسلحة النووية، والتي تبلغ 90%.
وقد قصفت الولايات المتحدة ثلاثة مواقع نووية إيرانية في يونيو الماضي خلال حرب الأيام الاثني عشر بين إسرائيل وإيران، ما أدى على الأرجح إلى دفن جزء كبير من المخزون تحت الأنقاض. ولا تزال هذه المواقع حتى اليوم بعيدة عن متناول المفتشين الدوليين.
قد يصدر مجتبى خامنئي فتوى دينية تبطل فتوى والده السابقة التي حرمت إنتاج السلاح النووي، ليأمر باستخدام اليورانيوم لصنع سلاح نووي. وهذا أمر لا ترغب فيه كل من أمريكا وإسرائيل، التي يعتقد منذ فترة طويلة أنها الدولة الوحيدة في الشرق الأوسط التي تمتلك أسلحة نووية.
