لبنان.. و"العصْف" الآتي من الحافّة الأماميّة للقرى الجنوبيّة!
بالأمس القريب، وتحديداً في 2 من الجاري، وفيما كانت عاصفة النار تضرب المنطقة برمّتها، في حرب تقاطعت التقديرات على وصفها بـ"الوجوديّة"، وجد لبنان نفسه في قلب المواجهة، ودخل دائرة النار الموسّعة، بعد تذرّع إسرائيل أن "حزب الله" إنضمّ إلى المعركة لمصلحة طهران، عبر إطلاقه قذائف صاروخيّة ومسيّرات تجاهها. يومها، ردّ الجيش الإسرائيلي فوراً على ذلك بقصف واسع، "واعداً" بأن العملية العسكرية ضدّ لبنان ستستمرّ أيام عدّة، وبأن الإغتيالات "ستكون بلا حدود، وستشمل أرفع الرؤوس"، وكذلك الحال بالنسبة لتوسيع نطاق عمليات القصف، والتلويح بعمليّة بريّة في الجنوب، ببلداته المدمّرة مرّة بعد مرّة.
وفي اليوم الـ10 لبدء الحرب في لبنان، أعلن "حزب الله" إطلاق عمليات ضدّ جيش الاحتلال الإسرائيلي، حملت إسم "العصْف المأكول"، وهي عبارة مستقاة من سورة الفيل في القرآن الكريم، حيث وردت في سياق الحديث عن مصير جيش أبرهة الذي هاجم مكّة المكرّمة، عندما جعلهم الله "كعصف مأكول"، أي كأوراق الزرع اليابسة الممزقة بعد أن تؤكل أو تتحطّم، ما منح إسم العملية، بحسب مصادر مقرّبة من "حزب الله"، بُعداً رمزياً، في سياق رسالة سياسية وعسكرية في آن واحد: إعلان الدخول الكامل في الحرب، بكلّ الثقل العسكري المتاح. وفي المقابل، ردّ الجيش الإسرائيلي برسالة تضمّنت عبارة "الصاع صاعيْن"، للدلالة على الردّ بالمثل أو بأكثر، أي أن الضربة ستُقابل بضربتيْن، وربما أكثر. وعليه، فإن المواجهة بين "حزب الله" وإسرائيل لم تعد تقتصر على العمليات العسكرية وصواريخها، بل امتدّت الى ساحة الرموز واللغة، برسائلها السياسية والنفسيّة الموجّهة الى الخصم والرأي العام في آن واحد.
وما بين المشهدين، فإن الكلمة الأولى والفاصلة ما زالت للميدان، في بُعده اللبناني الخاصّ، وتحديداً عند الحافّة الأمامية للقرى الجنوبية المدمّرة، حيث المواجهة مع إسرائيل دخلت، بحسب قول مصادر مراقبة، مرحلة مختلفة كلياً، تتجاوز منطق الإشتباكات المحدودة إلى منطق "الحرب المفتوحة".. ميدانٌ مثقلٌ بالصواريخ والمسيّرات الإنقضاضيّة التي أُطلقت نحو شمال إسرائيل، في 2 من الجاري، مع دخول "حزب الله" وانخراطه في المعركة، في سياق "عملية إستباقيّة" كما سمّاها هو، أو في سياق "مغامرة غير محسوبة" كما سمّاها بعض خصومه الداخليّين. أما مقاومة "حزب الله"، ففاجأت الجميع، داخلياً وإسرائيلياً، إنْ من حيث توقيت وآليّة اتّخاذ القرار، أو من حيث الجهوزيّة العالية وعلى مستويات متعدّدة.
وبعد نحو 15 شهراً، أي منذ اتفاق وقف إطلاق النار في 27 نوفمبر 2024، وبعدما كثر الحديث عن تراجع، بل وفشل، قدرات "حزب الله" وانتهاء مقاومته كليّاً، وربّما حول هزيمتها الى غير رجعة وما الى ذلك، فإنه فاجأ الجميع، ولا يزال. وذلك، إنطلاقاً لا من شمال الليطاني فقط، وإنّما أيضاً إنطلاقاً من القرى الحدوديّة الأماميّة الأولى، وحيث ميدانه لا يزال يضجّ بالمصطلحات الحربيّة، بدءاً بـ"التصدّي" و"الإطلاق" و"الرصد" و"الكمائن"، مروراً بضرب للمواقع المستحدثة وغير المستحدثة، وتهديد للمستعمرات، ووصولاً الى قصف للعمق الإسرائيلي، بقاذفات "آر بي جي" و"كورنيت" ومُسيّرات وصواريخ من عيارات مختلفة، لعلّ أبرزها الصواريخ الدقيقة التي استُخدمت ربّما للمرة الأولى وبلغت العمق الإسرائيلي. وهذا الواقع طرح أسئلة خطيرة ومحوريّة في هذا التوقيت بالذات، ومفاده: من أين بُعث مقاومو "حزب الله" مجدداً، بعديدهم وبعتادهم، جنوب الليطاني وشماله وتحتهما وفوقهما؟
قدرات.. ولا قوّة ردْع
وفي معرض الإجابة عن هذا السؤال، يشير الخبير في الشؤون العسكرية والإستراتيجية، العميد الركن المتقاعد الدكتور هشام جابر، الى أن "حزب الله" تلقّى ضربات قاصمة، خلال السنتين الماضيتين، إلا أنه "لا يزال يتمتع بقدرات عسكرية، يقول الأمريكيون والإسرائيليون والخبراء عنها إنها لا تزال موجودة بنسبة تتراوح بين الـ40 والـ45%، وتحديداً في ما يتعلّق منها بالأسلحة الإستراتيجية، أي الطائرات المسيّرة والصواريخ على مختلف أنواعها"، و"هذه هي بيت القصيد، والمطلوب تسليمها للدولة اللبنانية"، لافتاً الى أن "البعض منها قد دُمّر وسُلّم للجيش اللبناني"، لكنّ "هذه الأسلحة المتبقية موجودة في أماكن (بواطن الجبال مثلاً)، ربّما تعلم بها إسرائيل، لكنها لا تستطيع أن تصل اليها".
أما بالنسبة لقدرات "حزب الله" العسكريّة المتعلّقة بالعديد، فيؤكد جابر أن مقاتلي الحزب في "حرب العصابات"، وفق تعبيره، أثبتوا أن قدراته في هذا الشأن لا تزال تتعدّى الـ70%، أي ما يتراوح ما بين الـ30 والـ40 ألف مقاتل، وفق تقديراته، فـ"هم صامدون في الجنوب، ويتصدّون للعدو الإسرائيلي، ويمنعون أيّ توغّل له في الأراضي اللبنانية"، مع إشارته الى أن "الإسرائيلي، وإنْ استطاع أن يتغلغل، فلا يستطيع أن يبقى".
ومن بوّابة هذه المعطيات، المستقاة من واقع الميدان، فإن ما يجري في الجنوب حالياً يتلخص، وفق قول جابر، بأن "الأبطال المقاتلين يتصدّون للعدو الإسرائيلي"، إذْ أن "حزب الله فتح معركة باتجاه الأراضي الفلسطينية المحتلّة، واستراتيجيّته تسير وفق معادلة واضحة، مفادها: كما هُجّر سكان الجنوب، يتمّ العمل على إعادة تهجير المستوطنين الإسرائيليين". وهذا ما يشكّل عبئاً على الحكومة الإسرائيلية، وفق قوله.
ومع إشارته الى أن "حزب الله" خسر قوّة الردع التي كان يتمتع بها، بين عامَي 2006 و2023، بفعل دخوله في حرب "إسناد غزّة"، والتي "اعتبرناها كانت خطأً، لكونها لم تفدْ غزّة وأضرّت بلبنان"، فيما "الحزب كشف أمام الإسرائيلي قوّاته الحقيقية، واستنزف جزءاً منها"، يجزم الخبير الإستراتيجي أن الحزب "لا يستطيع أن يحسم وقائع المعركة"، و"بالتالي، لم يعد يملك فرض الشروط التفاوضيّة". ذلك أن التفاوض مع إسرائيل هذه المرّة "أصعب بكثير"، وفق رأيه، لأنها "تطلب شروطاً لا يمكن لأيّ مفاوض لبناني أن يقبل بها، وهي تسوية الحدود والتنازل عن أراضٍ لبنانية، أي اتفاق ترسيم الحدود بريّاً ومنطقة عازلة تُفقد الدولة اللبنانية السيطرة عليها".
من جهته، يرى الباحث في الشؤون الأمنية والإستراتيجيّة، العميد المتقاعد ناجي ملاعب، أن "حزب الله فقد الكثير من قوّته، إلا أن إرادة القتال التي كانت لديه في السابق "ما زالت موجودة الآن"، مع ما يعنيه الأمر وفق قوله لـ"عُمان"، من أن دخول الإسرائيلي الى أيّ منطقة ضمن الأراضي اللبنانية "لن يكون نزهةً على الإطلاق". ذلك أن "إسرائيل تريد حزاماً أمنياً يحمي مستوطنات الجليل"، و"سوف تتوسّع لتطبّق هذا الحزام، الذي تريده من دون بشر"، فيما "موضوع لبنان بات بيد إسرائيل، بعد أن أطلقت الولايات المتحدة يدها لتفعل ما تشاء في هذه المنطقة". ويخلص ملاعب الى القول: "الوضع في اتجاه التأزيم أكثر، أي خسارة أكبر وتهجير مفتوح على احتمالات التوسّع الإسرائيلي جنوباً".
وعلى وقع المعركة المفتوحة على شتّى الإحتمالات، فإنّ ثمّة من يرى أن القراءة الأمنيّة تُظهر "تآكلاً" واضحاً في القوّة الهجوميّة لـ"حزب الله"، و"فشلاً" في تثبيت معادلات الردع، فيما يشير آخرون الى الجغرافيا الجنوبية التي تلعب دوراً في ترسيخ واقع مغاير. أما على المقلب الآخر من واقع "حزب الله" اليوم، فتشير أوساط مقرّبة منه الى أنه تعافى بشكل كامل، ذلك أن إطلاق 150 صاروخاً في أقلّ من ساعة، كما حصل ليل أمس، يعني "تذخير راجمات، رميها في توقيت متزامن، إنسحاب تكتيكي في توقيت متزامن"، كما يعني أن "العنصر البشري بخير، والمخزون الصاروخي بخير، ومخزون المُسيّرات بخير، والقيادات بخير"، وبالتالي "لن يكون بعد هذه الحرب كما قبلها".
ويبقى أن للحرب روايات عديدة، وأن ما بين 2006 و2026 مسافة لا تقاس بالسنوات، بل بما جاء على ألسنة الإسرائيليين أنفسهم، ومنهم آفي يسسخروف، الذي وصف في "يديعوت أحرونوت" الحرب الحالية بـ"مستنقع لبنان، نسخة 2026"، فـ"حزب الله ليس ضعيفاً ولا مفكّكاً، كما اعتقد الإسرائيليون بعد تصفية قادته"، وقد "تسبّبت مشاركته في الحرب بالكثير من الصداع لإسرائيل"!
