No Image
ثقافة

وليد الخالدي الذي سيصعب نسيانه

12 مارس 2026
تحسين يقين
12 مارس 2026

عاش طويلا بقياس زمن البشر، فقد أكمل -رحمه الله- القرن بزيادة عام، ولكنه سيعيش أكثر من عمره، حيث انضمّ إلى الخالدين الذين استحقّوا البقاء لما بذلوه من جهد نوعيّ مميّز بل واستثنائيّ.

وليد الخالدي، الذي يكفي مجرد ذكره، لنذكر ما أرادنا أن نحتفظ به، ولا ننساه يوما؛ فمن اسمه تطل فلسطين السليبة، ومن اسمه تطل مؤسسة الدراسات الفلسطينية، كواحدة من أهم مراكز البحث العربيّ والعالميّ، بما امتلكت من مهنيّة أكاديميّة بحثيّة شهد لها العدوّ قبل الشقيق والصديق؛ فلم يستطع المحتلّ بكل ما أوتي من إعلام تم تطويعه أن يواجه الخالديّ، الذي انتصر على مؤسسات بحثية صهيونية، واستمرّ عبر أدبياته، وعبر أدبيات التلاميذ الذين تتلمذوا على يديه، الذين يواصلون الرحلة.

انتصر الحقيقيّ النبيل على معظم المزيّفين، وبذلك فبعد 78 عاما على نكبة فلسطين، ها هي السرديّة الفلسطينيّة تنتصر على سرديّة الاحتلال وحلفائه.

كل واحد وما يمثّل وليد الخالدي له من ثقافة وفكر ووطن معا؛ فقد كانت البداية الفعلية في التعامل الأدبيات التاريخيّة للبروفيسور الخالدي مع كتابه "خمسون عام على تقسيم فلسطين (1947-1997)، الذي صدر عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية. كان كتابا متوسط الحجم إلا أنني دوما كنت أضعه في مكان قريب مني، بالرغم أن مكتبتي الخاصة تضمّ الكثير من الكتب التاريخيّة، ورغم دراستي الأدب، فلم أكن لأضعه بينها حتى لا يضيع وسطها، خصوصا أنّ هذا الكتاب أصبح لديّ وآخرين مرجعا مهما. ومن أهميّة الكتاب هو السرد الوثائقيّ للتشكيلات المقترحة لتقسيم فلسطين، من بدايات المشروع وانتهاء بمشروع التقسيم الأخير. ثم ما كان من نكبة لم تترك من فلسطين عام 1948 سوى ما أصبح يعرف بالضفة الغربية لنهر الأردن ومنطقة ساحلية صغيرة صارت تعرف بقطاع غزة، علما أن يافا الفلسطينية العربية مثلا بقيت موجودة في كل خرائط التقسيم. لقد حسم الاحتلال أمر الخارطة، فاستولى بالقوة على معظم فلسطين التاريخية، أي 78% منها، ليحتل ما بقي منها في حرب عام 1967.

ومن يشاهد خرائط التقسيم، وما آلت إليه عام 1948، ثم ما صارت تؤول إليه، سيتعمّق لديه معنى النكبة والاستلاب إلى آخر مدى. وهذا ما قصده المؤرّخ الراحل وليد الخالدي.

أما الأمر الآخر الذي رواه الخالدي من خلال التأريخ الدقيق في كتابه العظيم، فهو تقديم سردية سقوط فلسطين عام 1948، فحين نقرأ مثلا سقوط صفد وطبريا ويافا وحيفا وعكا وغيرها، فإنه يضعنا في سرديّة تاريخيّة تجلّت بلغة واضحة دون انفعالات لغوية، ولكن بما اتسمت به من وصف، كانت كافية لتؤثر فينا، لنعود إلى ما كان ونعيشه كأنه الآن يحدث.

في كتابي التجواليّ "برتقالة واحدة لفلسطين"، الذي يصنّف كأدب رحلات، كنت أدخل فلسطين المحتلة عام 1948 متسللا من الضفة الغربية، في معظم الزيارات، فقد كنا نجد صعوبة في الحصول على تصريح من الاحتلال، وعليه، فقد تتبعت ما أمكنني رواية الخالدي في كتاباتي عن مدن فلسطين، وعليه فقد اجتهدت للحديث عن الماضي والحاضر الذي أراه.

أما صدور الكتاب باللغة الإنجليزية الذي تلته النسخة العربية، فقد كان هدفا تاريخيا وعلميا في إيصال الرواية الفلسطينية الحقيقية والموضوعية لما كان، ليدحض أهم مزاعم الغزاة بأنهم لم يهجروا اللاجئين، وإنما خرجوا طوعا بسبب نداءات الدول العربية لهم بالخروج.

ولعلّ دراسة الخالدي التاريخ في أكاديميات غربية، وتدريسه، منحه فرصة فهم الخطاب الغربي، ومعرفة الطرق الأكثر نجاعة في الوصول إليه والتأثير به، فحين نتحدث عن أكاديميّات مثل أكسفورد وهارفارد، فإن هذا يعني الكثير، ومنه سهولة الوصول إلى المصادر التاريخية التي يصعب الوصول إليها.

ويعدّ البروفيسور وليد الخالدي "أبو التاريخ الفلسطينيّ المعاصر"، وهو الذي بنى على ما بدأه الأوائل، ولكن من خلال تطوير الدرس التاريخيّ، بحيث استند الى معايير أكاديميّة في التوثيق والتناول، بعيدا عن الكتابة الإنشائية، التي كانت لا تسلم من الانفعال الشعوريّ، ما جعله يقدّم هو وتلاميذه نصوصا تاريخية علمية مشهود لها عالميا.

كان ابن 23 عاما عام 1948، فقد شهد إذن مأساة وطنه، وكان شاهدا، ما دفعه للاستمرار في البحث التاريخيّ، متعلّما ودارسا ثم مدرسا، ولم يكن الأمر سهلا وهو يشهد استمرار الاستعمار لبلاده العربية.

ولد الخالدي في القدس عام 1925، أي بعد الاحتلال البريطاني لفلسطين الذي كان عام 1917، أي بعد مرور 8 سنوات، حيث أمكنه أن يكون شاهدا على ثورة فلسطين عام 1936، فقد كان ابن 11 عاما، ثم لتستمر شهادته على قضية بلاده، ما ولّد داخله شعورا ووعيا دفعاه معا باستمرار لمقاومة الاستلاب من خلال التوثيق.

وربما نستطيع القول إن حياة الخالدي اندمجت تماما مع وطنه من خلال الكلمة، فقد نذر نفسه للحفاظ على الذاكرة وتعرية الجرائم بحق شعبنا. وهكذا وبعد رحلة في أعرق الأكاديميات تعلما وتعليما، نراه يفد إلى بيروت، والتي تشكّل إحدى حواضر النهضة العربية الحديثة، ليؤسس واحدة من كبريات المؤسسات البحثية الخاصة بفلسطين والصراع العربي الصهيوني.

إنها مؤسسة الدراسات الفلسطينية، التي تأسست بعد 14 عاما على نكبة فلسطين، ما يعني وعيه على أهمية التاريخ في هذا الصراع الطويل. لقد حمل الخالدي عبئا ثقيلا ساعده في الحمل إيمانه بقضية وطنه، ثم ليتأسس فرع لها في الولايات المتحدة حيث أقام، ثم في رام الله، لتصبح المؤسسة مجالا جاذبا لخيرة الباحثين الفلسطينيين والعرب والأجانب، والتي حتى هذه اللحظة تستقطب الباحثين الشباب، خصوصا من يتابعون التحصيل الأكاديمي في برامج الماجستير والدكتوراة.

كان وليد الخالدي ابنا بارّا للنهضة العربية الحديثة، بل ظل في وسطها طالبا وخريجا، ما دفعه نحو التجديد بعيدا عن المنهج التقليدي. ولا شك أنه كان لوالده المثقف والتربويّ الفلسطيني أحمد سامح الخالدي دور في هذا الاتجاه، خصوصا أن الخالدي الأب انطلق من فهم تربويّ لما كان، ثم طوّره، ومن يقرأ كتاباته يجد أنها تنتمي للتربية الحديثة، بل انه متقدم على الدرس التربويّ الذي نعيشه الآن، وتلك واحدة من حاضنات التكوين لدى الخالدي الابن.

انظر الآن إلى المجلدين الكبيرين: "كي لا ننسى" و"فلسطين قبل الشتات"، بشكل خاص، فأجد أنه أدى الرسالة كأنبل ما يكون، فقد وثّق القرى والبلدات الفلسطينية في المجلّد الأول، بمنهجية متقدمة، في حين أبرز الحالة النهضويّة لفلسطين قبل نكبة عام 1948، ليثبت سرديتنا في أن بلادنا لم تكن بلا شعب، بل كانت لشعب راق ومتعّلم ومتصل بأسباب الحضارة، دحضا للمقولة الصهيونية بأن "فلسطين أرض بلا شعب لشعب بلا أرض".

عاش قرنا من الزمان ممتلكا ذاكرة مدهشة، وقد بقي عطاؤه حتى الرمق الأخير، وفاء لفلسطين؛ فكان هذا الوفاء باعثا له للبقاء بتلك الحيوية، فدخل التسعينيات وهو يشارك الباحثين الشباب ممن هم في عمر أحفاده.

تلك بصمة هذا العالم، الذي استطاع بقلمه الصادق والمثابر أن يؤكد على السرديّة الفلسطينية، التي يحاول الغزاة شطبها، وأن يدحض الكذب والتزييف على مستوى العالم، حتى داخل تلك الدول التي دعمت وما تزال تدعم الغزاة.