من الشِّعر العُماني في صناعة المِداد
نظم العُمانيون أشعارًا في مختلف الفنون والمعارف، وكان مبتدأ ذلك النظم في التوحيد والفقه، ثم انتقل إلى فنون أخرى كالنحو والصرف من علوم اللغة، والتاريخ، والطب، والفلك، والكيمياء، ولكل منها أمثلة كثيرة تعرض لها الباحث فهد بن علي السعدي في دراسة ضافية له في تاريخ المنظومات العُمانية وموضوعاتها. ولم يقتصر النظم على العلوم والمعارف، بل انتقل إلى تفاصيل من حياة الناس وممارساتهم وما يقع من أحداث ويتغير من أحوال، فهناك مثلًا نظم في صنع الأبواب وتواريخها، ونظم في أسماء أيام الأفلاج، وآخر في آلات الكتابة، وغيره في نزول الجراد وانتشاره، ونظم في حدوث المَحْل أي القحط والجوائح، وغيرها كثير.
وحيث إن صناعة المِداد كانت إحدى اهتمامات مجتمع الأدباء والفقهاء والنَّسّاخين لأن المداد يجري عليه كل مكتوب، فقد كان لتلك الصناعة نصيب من النظم الشعري كذلك. وقد تعرضتُ لموضوع المِداد وطرائق صنعته والمواد المستعملة في ذلك مع أمثلة مما جاء من نصوص منثورة في المخطوطات وذلك في دراستي (المخطوط العُماني - التاريخ والتقاليد)، غير أننا هنا نستعرض أمثلة من المنظوم منها فقط، في سياق بيان تعدد موضوعات النظم عند العُمانيين. ومن الأمثلة الأقدم في صفة المداد ما جاء في ديوان الشاعر سالم بن غسان اللوّاح الخروصي (ق10هـ)، وهو قوله:
ألا إن آلات المداد فتسعةٌ
فخذ من صحيح الماء مائتي درهم
ويُجعل في طاس وفي الشمس ساعة
وخذ من دقيق العفص عشرين درهمًا
من الزاج أوزانًا ثلاث دراهم
وخذ نصف مثقال من الملح أبيضًا
تزيد عليه نصف مثقال سكر
ومن ماء ريحان قليل يُسَط به
إليك فخذه معلمًا ليس مبهما
من الصمغ خذ وزنًا ثلاثين درهما
لينجل ذاك الماء خلطًا مُنجّما
يدق بزاج فيه دقًا منعما
لئلا يصير اللون أغبر أقتما
ومن زعفران نصف مثقال بعدما
نباتًا من المصري ودخان درهما
واسقه ماء الصمغ سقيًا كمثل ما
وقد عدّ اللوّاح في نصه تسع مركبات لتحضير المداد هي: الماء، والصمغ، والعفص، والزاج، والملح الأبيض، والزعفران، والسكر، والدخان، وماء الريحان، ويقصد بالدخان هنا أثره ويسمى الحَلَق، وَفَصَّل في شعره طرائق التحضير. وثمة مثال آخر لنظم طرائق تحضير المداد عن الشاعر محمد بن عبدالله بن سعيد المعولي المنحي (حي:1114هـ)، إذ قال في صفة المداد:
إذا شئتَ المداد يَروق حُسْنًا
فَخُذْ سهمين من جيرٍ دقيقًا
بأيامٍ ثلاثٍ ثم فاطبخ
وخُذْ سهمًا من السّمْد المُصَفّى
وخَلِّطْهُ بماء الجير سُخنًا
وخُذْ صمغًا كمثل الكل وَزنًا
وخُذْ حَلَق السراج كمثل سمْدٍ
وخُذْ في طبخه أيضًا إلى أن
وضعه في وعاءٍ من زجاجٍ
وخُذْ ثوبًا نقيًّا صُلَّ فيهِ
فذا وَصفِي له يا ذا الصفاءِ
ونقّعه بماء في وعاءِ
فينقص منه ربع بالصلاءِ
وضع فيه بُنَيّ قليل ماءِ
ورَوِّحْهُ قليلاً في الإناءِ
ودَعْهُ يَميع في هذا الوعاءِ
وَجَوِّدْ مَرْسَه في ذا الدواءِ
ترى غلظاً به يا ذا الوفاءِ
وخَضْخِضْهُ بجهدك يا منائيِ
مِدادكَ كلّه بعد انقضاءِ
وقد جاءت في نص المعولي أربعة مركّبات فقط على غير ما في نص اللواح، وهي: الجير، والسمد، والصمغ، وحَلَق السراج أي دخان السراج أو المادة الكربونية الناتجة عن الاحتراق، مع اختلاف في طريقة التحضير بنقع الجير في الماء ثلاثة أيام ثم طبخه ثم خلط السمد بقليل من الماء وخلطه بماء الجير، ثم إضافة الصمغ وحلق السراج، مع تحديد دقيق لمقادير المركبات.
أما المتفرق من النظم في صنعة المداد فله شواهد عديدة نجدها في بعض المخطوطات، منها مثلًا صفة للمداد عن الفقيه الوالي عبدالله بن محمد بن غسان الخراسيني النزوي (ق11هـ) متبوعة بأبيات شعر له في صفة المداد، يقول:
فخذ من دخان مثل زاجٍ ومثلما ** يجمع من عفصٍ وكالكلِّ من صمغِ
وداوم عليه السَّحق دومًا واسقِهِ ** بماءٍ سَخينٍ فالمداد كما تبغي
وهذا الفقيه صاحب البيتين كان من القادة في عهد الإمام ناصر بن مرشد اليعربي (1034-1059هـ) وأحد ولاته، وله آثار منها كتابه (خزانة الأخيار في بيوعات الخيار)، وتحتفظ دار المخطوطات العُمانية بنسخة منه بخطِّه.
