حبر من نسيم أبي الحواري
أبو الحواري محمد بن الحواري المعروف بالأعمى، من أقطاب النصف الثاني من القرن الثالث الهجري، وأدرك القرن الرابع، من قرية تنوف بنزوى. أخذ العلم عن محمد بن محبوب، ومحمد بن جعفر، ونبهان بن عثمان، وأبي المؤثر الصلت بن خميس، وهو أخص شيوخه وأكثرهم ملازمة له.
ولا نعلم أكان عماه منذ صغره أم أمرًا حدث له بعد ذلك في حياته. روى أبو سعيد: "أن أبا الحواري رُفعت إليه امرأة إلى أبي جابر محمد بن جعفر، وكان -على ما قيل- قاضيًا، فألزم أبو جابر أبا الحواري اليمين وأراد أن يحلّفه، فوصل أبو الحواري إلى نبهان فقال له: إن جابرًا يريد أن يحلّفني. فقال له نبهان: لا يحلّفك، أره عينيك. فلما حضره أبو الحواري أراد أبو جابر أن يحلّفه، فقال له: يا أبا جابر تحلّفني وأنا أعمى؟ انظر إلى عيني. فنظر أبو جابر إلى عينيه فقال: نعم، هذه ذاهبة وهذه غائبة، فلم يحلّفه". ويشك العلامة البطاشي في هذه الرواية، إذ كيف يجهل ابن جعفر أن أبا الحواري أعمى وقد كان أحد تلامذته.
لم يلبث أبو الحواري أن أصبح مدار الفتيا في عُمان، يقول أبو سعيد الكدمي: "ثم كان من بعد هؤلاء الثلاثة (نبهان بن عثمان، ومحمد بن جعفر، وأبي المؤثر) مدار أمر نحلة من أهل عُمان على أبي المنذر، وأبي محمد بشير، وعبد الله بن محمد بن محبوب، وأبي علي الأزهر بن محمد بن جعفر، وأبي الحواري المعروف بالأعمى، ولعله كان أحملهم فقهًا وعلمًا على ما يظهر من أموره، وخاصة في أحكام الحلال والحرام، وإن كان أبو المنذر يعلوهم في النظر والأديان، وكان هؤلاء في ذلك العصر مفزع أهل عُمان".
وصفه ابن مداد في سيرته بأنه أحد أقطاب العلم في عُمان في عهده، فقال عنه: "أجمعهم فقهًا وعلمًا على ما يظهر من أمره، وخاصة في الأحكام والحلال والحرام". وسئل عنه أبو الحسن فقال: "إذا لم أتولَّ أبا الحواري فمن أتولّى؟ صحبته ستين سنة ولم نعلم منه هفوة".
كان أبو الحواري زاهدًا في متاع الدنيا، مقبلًا على الآخرة، فعاش فقيرًا زاهدًا. يقول السالمي في تحفته: "يُحكى عن أبي الحواري أنه كان فقيرًا يأكل ثمر الأثب زهدًا وتعففًا (والأثب شجر ينبت على الأودية وعلى جوانب الجبال، وهو غير مملوك)، وربما قبل صدقة من بعض إخوانه فيبيعها ويشتري بها حُلًا للسراج ونحوه".
(2)
عاصر أبو الحواري أحداثًا جسامًا، منها عزل الإمام الصلت بن مالك، وأحداث موسى بن موسى، وراشد بن النضر، وعزان بن تميم، وما نتج عن ذلك من تدخل العباسيين في حكم عُمان، بقيادة محمد بن نور، وافتراق علماء عُمان إلى فرقتين؛ إحداهما عرفت بالنزوانية، والثانية عرفت بالرستاقية. وأفرزت تلك الأحداث أزمة سياسية واجتماعية واقتصادية وحراكًا فكريًا، حيث انقسم العلماء إلى تيارات، يحاول علماء كل تيار تأكيد صحة موقفه تجاه قضية الإمامة وشروطها وموجبات العزل.
إلا أننا نجد أبا الحواري يقف موقفًا مختلفًا؛ حيث كان رأيه الوقوف عن تلك الأحداث وأصحابها. رُوي عن أبي سعيد قائلًا: "وأما أبو الحواري محمد بن الحواري المعروف بالأعمى، فالذي بلغنا عنه أنه كان يقف عن موسى بن موسى وراشد في تلك الإمامة، ولا يبرأ منهما". وله في ذلك سيرة عُرفت بـ "سيرة أبي الحواري" أوضح فيها ما يراه من الأحكام في تلك الأحداث، كما أن ما وصلنا من مؤلفاته كان مختلفًا في المنهج والموضوع.
ومن الأحداث السياسية التي عاصرها دخول محمد بن نور إلى عُمان، ودخول القرامطة إليها، كما يتضح ذلك من خلال بعض المسائل الفقهية التي أشار فيها إلى القرامطة في بعض أجوبته. كما تعرض لمضايقات من قبل ولاة الدولة العباسية في عُمان، وخاصة في عهد بيجرة عامل نزوى لأحمد بن هلال بعد دخول حملة محمد بن نور والسيطرة عليها، فقيل إن "بيجرة" أرسل جنديًا لقتل أبي الحواري، فوجده يتلو القرآن في محراب مسجد بن سعيد المعروف بأبي القسام، فأراد الجندي أن يبعده عن المحراب لئلا يطش دمه فيه، فقال له: إن أبا أحمد – بيجرة – يقول لك سر إليه. فقال أبو الحواري: ليس لي به حاجة، وأخذ في القراءة. فبقي الجندي متحيرًا لا يدري كيف يفعل به، حتى جاء رسول "بيجرة" فقال له: لا تحدث في أبي الحواري حدثًا، فرجع عنه ولم يفعل شيئًا.
(3)
ترك أبو الحواري جملة من الآثار، منها: جامع أبي الحواري، وتفسير: "الدراية وكنز الغناية ومنتهى الغاية وبلوغ الكفاية في تفسير خمسمائة آية"، إضافة إلى عدد من السِّيَر أشهرها التي أراد فيها الدفاع عن رأيه في مسألة عزل الإمام الصلت بن مالك. وله سيرة هي رد على أسئلة إلى أصحابه في حضرموت، نشرت ضمن كتاب "السير والجوابات لأئمة وعلماء عُمان". كما أن له زيادات مفيدة على كتاب جامع ابن جعفر.
ولعل أهم آثار أبي الحواري كتاب "الدراية وكنز العناية ومنتهى الغاية وبلوغ الكفاية في تفسير خمسمائة آية"، وهو يتناول تفسير خمسمائة آية من آيات الأحكام في القرآن الكريم، أخذًا بأثر ابن عباس الذي يقول فيه: "خمسمائة آية من كتاب الله في الحلال والحرام، لا يسع المسلمين إلا أن يعلموا تفسيرهن ويعملوا بهن".
ويقع الكتاب المطبوع في جزأين، من نشر وزارة التراث والثقافة. وأصل تفسير العلامة أبي الحواري في معاني الآيات مأخوذ باختصار من تفسير مقاتل بن سليمان الأزدي الخراساني أبي الحسن الذي توفي سنة خمسين ومائة، فقام العلامة أبو الحواري بالتعليق عليه واستخراج المسائل الشرعية وأدلتها وإضافتها إلى التفسير، فحمل تفسيره جانبين: بساطة تفسير الآيات وشرح الأحكام الشرعية، وهذا عمل جليل، فظهر كتابًا بديعًا في فنه وتصنيفه.
وقد بُوِّب تبويب كتب الفقه؛ فأول ما يبدأ به تفسير الإيمان، ثم الطهارة، ثم الصلاة، ثم الزكاة، ثم الصوم، ثم الحج، ثم العقوبات والوصايا والمواريث وأحكام الزواج والطلاق والأيمان والنذور ونحو ذلك من أبواب الفقه المعروفة.
أما عن منهجه فيضع عنوانًا تندرج فيه المسائل التي تتحدث عنها الآية الكريمة، ثم يذكر الآية والسورة التي تقع فيها، ثم يفسر مفرداتها بألفاظ موجزة، ويستشهد على ذلك بالآيات المشابهة للآية المراد تفسيرها، وأيضًا بالأحاديث النبوية التي تختص بالآية، ويرويها أحيانًا بالمعنى، ويسند ذلك بأقوال الصحابة والتابعين، ويعرض آراء العلماء.
غير أن من أكثر ما شدّني في هذا الكتاب لغته العذبة مع غزارة المعاني. تأمل – مثلًا – عذوبة هذه النصائح الجامعة وسهولة ألفاظها وتمام معانيها، وقد جاءت تحت عنوان تفسير ما أمر الله من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وذلك في تفسير نصائح سيدنا لقمان لابنه في سورة لقمان:
(وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ).
بعد أن فسّر معاني الآيات قال: **"يا بني: أحب من أحبّ الله، وأبغض من أبغض الله، وحبب نفسك إلى الناس، ولا تبغض نفسك على أحد من الناس، وأعط الحق من نفسك، وإن سمعت ما تكره وأتى إليك بعض ما لا تحب فأصبر نفسك على ذلك، وأكرهها فإنك على الهوان قادر.
يا بني: أطفئ الشر وأفشِ الخير، (وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ)، ولا تحلف بالكذب، ولا تشهد بالزور، [ولا تكن] ذا لسانين وذا وجهين، ولا تجرِ بكل ريح مثل السفينة التي تجري في البحر بكل ريح، إنه من علامات النفاق، ولكن استقم على سبيل واحد...
يا بني: لا تأمر الناس بالبر وتنسى نفسك، فإن مثل ذلك المصباح الذي يضيء للناس ويحرق نفسه"**.
(4)
ومن جملة مؤلفات أبي الحواري كتاب عُرف بـ جامع أبي الحواري، لكن هذا "الجامع" فُقد من جملة الكتب التي فقدت من التراث العُماني الثقافي – وما أكثرها – ولكن حُفظت الكثير من نصوصه في المدونات الفقهية التالية له زمنيًا مثل: "بيان الشرع" لمحمد بن إبراهيم الكندي (ت 508هـ/1115م)، وكتاب "المصنَّف" لأحمد بن عبد الله الكندي (ت 557هـ/1162م).
وهذا يدل على الأهمية العلمية للكتاب وصاحبه، حيث أصبح مصدرًا أساسيًا اتكأ عليه كبار علماء القرنين الرابع والخامس الهجريين ومن جاء بعدهم.
وقام بعض العلماء بجمع فقه وأجوبة أبي الحواري، وقد نشرته وزارة التراث والثقافة في خمسة أجزاء تحت عنوان "جامع أبي الحواري"، ولعله ظفر بقطعة من كتاب جامع أبي الحواري، فيقول في المقدمة: "فإني قد وجدت هذا الكتاب منسوبًا لأبي الحواري، ومكتوب فيه: هذا الكتاب منسوخ من كتاب أوله وآخره منقطع". وقام جامع الكتاب بترتيبه وتبويبه وفق رؤيته، كما أشار إلى ذلك في قوله: "فنظرت فيه فإذا هو منثور غير مرتب، فحينئذٍ منَّ الله عليّ ورتبته على قدر الطاقة والإمكان".
وقد جعله في واحد وستين بابًا، كما أضاف إليه فتاوى وأقوالًا لعلماء آخرين وفق رؤيته. ويظهر أن جامع الكتاب عاش في القرن الثاني عشر الهجري، ومما يؤكد ذلك قوله: "تم الكتاب بمشيئة الله العزيز الوهاب... وذلك في يوم الخميس لثلاثين ليلة من شهر ذي القعدة من شهور سنة 1124هـ من الهجرة النبوية، وكتبه العبد الفقير إلى الله عز وجل مسعود بن صالح بن مسعود بن رمضان بن سعيد بيده".
كما تضمن الكتاب فتاوى وأجوبة للعلماء في تلك الفترة، منهم: مسعود بن رمضان النبهاني، وصالح بن سعيد الزاملي، ودرويش بن جمعة المحروقي وغيرهم، وهم من علماء القرنين الحادي عشر والثاني عشر الهجريين.
واستخدم مُرتِّب الكتاب عبارات للتمييز بين ما نقله من الكتاب المنسوب إلى أبي الحواري – وهو الأصل – والإضافات التي أضافها، سواء كانت من فتاوى أبي الحواري من مصادر أخرى أو عن غيره من العلماء. وعلى الرغم من ذلك فللكتاب أهمية فقهية وحضارية؛ لحفظه الكثير من أجوبة أبي الحواري التي تلامس حياة الناس ومشكلاتهم في تلك الفترة من تاريخ عُمان.
