الخليج العربي في وصية القيصر الروسي
جاء في وصية القيصر الروسي بطرس الأكبر أو بيتر العظيم (1682- 1725م): "توغلوا حتى تبلغوا سواحل الخليج العربي". وقد ضمَّن المستشار كورغلوف ذلك الاقتباس في أحد تقاريره أثناء عمله في قنصلية روسيا القيصرية في بغداد في مايو 1899م. وعلى ضوء ما جاء في وصية القيصر الروسي تحركت الدبلوماسية الروسية بأذرعها المختلفة للوصول إلى الخليج العربي.
وضمن ذلك السياق، حرصت روسيا القيصرية على تعزيز الاتصالات المبكرة مع عُمان بإرسال سفنها التجارية ومحاولة الإسراع لافتتاح قنصلية لها في مسقط. وحملت مذكرة وزير الخارجية الروسي لامزدروف إلى القنصل الروسي العام في بغداد في عام 1904م بأهمية إنشاء قنصلية روسية في كل من مسقط وبندر عباس، الأمر الذي يخدم بالدرجة الأولى وبصورة مباشرة مصالح روسيا القومية في فارس وكل الجنوب الشرقي لشبه الجزيرة العربية.
لافتًا إلى أن ذلك يضع التجارة الروسية في تواصل مباشر دون وسيط مع المنطقة برمتها. وساق وزير الخارجي الروسي مبررات عدة لفتح قنصلية روسية في مسقط وبندر عباس، اختصرتها المذكرة في ثلاث نقاط رئيسة؛ الأولى: الدور المتقدم الذي تقوم به المدينتان على كل الساحل الجنوبي في النشاط التجاري البحري. والثانية: النشاط المكثف الذي يقوم به الإنجليز في هاتين المدينتين وسعيهم لعزل المنطقة والانفراد بها، وعليه لا بد من وجود روسي لمنع ذلك أو على الأقل تحييد هذا النشاط. أما الثالثة: اعتبار الميناءين أهم حلقة وصل للتجارة البحرية العالمية في المياه الدافئة.
كان الاندفاع الاقتصادي الروسي في اتجاه الخليج العربي في مطلع القرن العشرين قويًّا، وفي سبيل تنظيم هذه التوجه نجحت وزارة البحرية الروسية في وضع خطط محكمة لاستمرار تدفق رحلات السفن الروسية التجارية والعسكرية الاستعراضية في مياه الخليج العربي. ففي عام 1883م رست في ميناء مسقط أول سفينة روسية "نيجني نوفغرد"، وتذكر الوثائق الروسية أن طاقم السفينة والضباط استُقبلوا بالحفاوة من جانب سلطان مسقط السيد تركي بن سعيد (1871- 1888م)، الذي رحب بهم واقترح عليهم إقامة الخط الملاحي الروسي إلى الخليج. وفي ذات السياق تشير أحد تقارير القنصلية الروسية، إلى أنَّ ضباط الباخرة تواصلوا سرًا مع السيد تركي وفاوضوه في عقد اتفاقية سياسية مع الحكومة الروسية تكون أكثر ملاءمة من الاتفاقيات المعقودة بينه وبين الإنجليز.
وتعزيزا لذلك التوجه، وصلت السفينة الروسية "غلياك" في عام 1900م إلى مسقط، وفتحت زيارتها آفاقا جديدة للتواصل الروسي العُماني، فقد جاء في تقرير "سلاتشيف" قائد السفينة غلياك، أنه قام بزيارة للسلطان فيصل بن تركي (1888-1913م) في قصره بمعية ضباط السفينة، ومعهم نائب القنصل الفرنسي (السيد لورانس)، ثم اتجهوا نحو القصر حيث استقبلهم السلطان فيصل بن تركي بنفسه، وأعلن قائد الطاقم من جانبه أن الحكومة الروسية أرسلتهم بهدف القيام بزيارة ودية لأجل بناء وتطوير علاقات ثنائية معكم، وردَّ السلطان بسعادته برؤية سفينة كبيرة كهذه في ضيافة بلاده، وأنه سعيد جدًا لمصادفتهم؛ لأنه وصل بالأمس لتوه من صور.
كما أشار تقرير قبطان السفينة إلى أن السلطان فيصل بن تركي بصحبة القنصل الفرنسي قاما في اليوم التالي بزيارة السفينة "غيلياك". تلا ذلك رحلة السفينة الروسية "فارياغ" إلى الخليج العربي في يناير 1900م، وكان ميناء مسقط الوجهة الأخيرة لهذه الرحلة واستمرت "فارياغ" في رحلاتها التجارية إلى مسقط حتى عام 1901م.
وكان على متن السفينة "فارياغ" العالم والأكاديمي الروسي "نيكولاي بوغايافلنسكي" رئيس جمعيـة هـواة العلـوم الطبيعيـة والأنثروبولوجيا والأثنوجرافيا التابعة لجامعة موسكو التي أرسلت هذا العالم في مهمة إلى الخلـيج العربـي من أجل القيام بأبحاث علمية حول المنطقة، وقد زار المحمرة والكويت والبحرين ومسقط، ولعبت أبحاثه التي كتبها عن المنطقة دورًا بارزًا في التخطيط لعلاقات روسيا مع منطقة الخليج العربي.
وفي مايو من عام 1901م افتتحت شركة الملاحة والتجارة الروسية خطًا ملاحيًا منتظمًا بين أوديسا وموانئ الخليج العربي، تم تدشينه بأول رحلة للسفينة "كورنيلوف" وهي محملة بكمية كبيرة من السكر الروسي بالإضافة إلى الكيروسين والإسمنت والأخشاب وبضائع أخرى متنوعة. وتعد "كورنيلوف" أول سفينة رسمية لشركة الملاحة والتجارة الروسية تدخل مياه الخليج العربي عند البصرة، وعلى متنها وكلاء وتجار يمثلون مختلف الشركات الروسية الشهيرة لعرض نماذج من البضائع على شركائهم في الخليج. وأثناء هذه الرحلة قامت الباخرة بتفريغ أكثر من ثلث حمولتها في مسقط. وقد حرص طاقم السفينة الروسية ووفود التجار والعلماء والدبلوماسيين الذين جاءوا على متنها على كتابة مذكرة جماعية للقيصر الروسي، بينوا فيها بالأدلة والبراهين، أهمية مسقط كميناء وعاصمة سياسية وإدارية لعُمان.
واستمرت رحلات الأسطول البحري الروسي،، فزارت السفينة "أسكولد" ميناءي مسقط وصور خلال الفترة 1902-1910م، والسفينة "ترفورد" خلال الفترة 1904-1907م، والسفينة "بويارين" خلال الفترة 1903-1913م. وقد حظيت رحلات الأسطول البحري الروسي المتعددة إلى موانئ الخليج العربي اهتمام الدبلوماسيين والعلماء والتجار الروس، وأشادوا خصوصًا برحلة السفينة " كورنيلوف"، وكتب الأكاديمي الروسي بوغايافلنسكي: "حبذا لو أن الروس أبقـوا "فاريـاغ" و"كورنيلوف" فـي الخليج، حيث لم تدخل الخليج حتى ذلك الزمن سفينة بضخامة "كورنيلوف" التي أثارت انطباعـًا صاعقًا في نفوس أهالي الساحل العربي بحجمها ومداخنها الأربع وإضاءتها الكهربائية التي لم تكن موجـودة لـدى السفن البريطانية المبحرة في الخليج".
وهنالك المزيد من الحقائق التاريخية الواردة في الوثائق الروسية بحسب ما اطلعت عليه في كتاب "العلاقات العُمانية الروسية في القرن التاسع عشر الميلادي: دراسة في الوثائق الروسية" الصادر عن هيئة الوثائق والمحفوظات الوطنية، حيث استند الكتاب في جمع مادته العلمية من الأرشيف الروسي وتحديدًا من مجموعات وثائقية متعلقة بالخليج العربي خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديين؛ كتقارير القنصليات الروسية، وتقارير التجار والرحّالة والعلماء الروس الذين زاروا المنطقة. فكل يوم تطلعنا الوثائق على حقائق جديدة، كاشفة أوجه مختلفة عن حقبة الإمبريالية الغربية. وتتعدى أهمية تلك الوثائق كونها مصدرًا أساسيًّا من مصادر الكتابة التاريخية؛ فهي أيضًا ذاكرة الشعوب ومرآة حضارتهم وبوصلة مستقبلهم.
