صراع الأيديولوجيات: في السياسة والحياة
11 مارس 2026
11 مارس 2026
ربما يستدعي هذا العنوان إلى أذهاننا عنوان الكتاب الشهير لصمويل هنتنجتون «صراع الحضارات»، ولقد سبق في مقالات أخرى أن أوضحت أن الحضارات لا تتصارع إلا في مرحلة نكوصها؛ ولذلك فإني أحاول هنا بيان أن الأيديولوجيا هي مصدر أساسي للصراع الذي ينشأ بين الحضارات وبين الناس في حياتهم الاجتماعية.
وربما يُقال إن الصراع بين الحضارات والدول ينشأ في المقام الأول باعتباره صراعًا على النفوذ والمصالح؛ ومن ثم فإنه صراع تحركه الهيمنة على القوى والذرائع الاقتصادية ممثلةً في الثروات وأدوات الإنتاج الطبيعية وغير الطبيعية. وهذا صحيح، ولكننا لا ينبغي أن نتناسى أن مثل هذه الصراعات لا تتفاقم إلا في الحقب الاستعمارية، وهذا ما يجعلها بارزة في عصرنا الراهن لأنه عصر إمبريالي بامتياز.
والحقيقة أنه عندما نتأمل الأمر بعمق، نجد أن البعد الأيديولوجي يظل كامنًا خلف هذا الصراع باعتباره محركًا له، وإن كان بطريقة مستترة أحيانًا وليست معلنة في كثير من الأحيان. وهذا الصراع نفسه يتجاوز عالم السياسة ليكشف عن نفسه - وإن كان على نحو مختلف- في عالم المجتمع، أعني في حياة الشعوب، وفي حياة الناس أفرادًا وجماعات.
فما الأيديولوجيا أولًا؟ هذا سؤال واسع فضفاض للغاية، أفاضت في الإجابة عنه مئات الكتب، وتباينت هذه الإجابات إلى حد كبير. ولذلك فإني لا أريد التطرق إلى المواقف المختلفة من الأيديولوجيا، وإنما حسبنا أن نكتفي بالوقوف على مفهومها العام. ومن المعروف أن كلمة Ideology بمعنى علم الأفكار قد استخدمها أول مرة في نهاية القرن الثامن عشر الفيلسوف التنويري الليبرالي أنطوان دستو دو تراسي Destutt de Tracy، وشاعت بعد ذلك في كتابات الفيلسوف الشهير كارل ماركس. غير أن الأيديولوجيا ليست علمًا ولا تشكل مذهبًا فلسفيًّا، وإنما هي- بوجه عام- منظومة من الأفكار والمعتقدات والقيم التي يتبناها الأفراد أو المجتمعات أو بعض الدول، باعتبارها تشكل رؤية للعالم تعمل على توجيه السلوك والمواقف السياسية والاجتماعية.
ولقد انتقد ماركس الأيديولوجيا باعتبارها وعيًا زائفًا، أي باعتبارها نظامًا من الأفكار والقيم التي تعبر عن مصالح طبقة معينة، ومن ثم تبرر هيمنتها على السلطة والمجتمع. غير أننا يمكن أن ننظر إلى الماركسية نفسها باعتبارها منبع الأفكار الفلسفية التي توظفها الاشتراكية نفسها كنظام أيديولوجي. وعلى هذا، فإن الاشتراكية هي نوع من الأيديولوجيا شأنها في ذلك شأن غيرها من الأيديولوجيات: كالليبرالية والقومية والأيديولوجيات الدينية.
غير أن أخطر أنواع الأيديولوجيات على الإطلاق هو الأيديولوجيا الدينية؛ لأن هذه الأيديولوجيا الأخيرة تتبني منظومة من المعتقدات والقيم الخاصة بدين ما، وتسعى إلى فرضها على الآخر بأساليب مختلفة تبلغ حد استخدام القوة أحيانًا، وهذا يحدث فيما بين الأفراد والجماعات والدول.
وهذه الأيديولوجيا الدينية قد شاهدناها في أبشع صورها لدى تنظيم القاعدة وتنظيم داعش، وغيرهما من جماعات الإسلام السياسي. غير أنه لا يقل بشاعة عن ذلك الأيديولوجيا الدينية التي تتبناها السياسة الإمبريالية الصهيونية الأمريكية التي كانت تزعم دائمًا أنها تهدف إلى تأسيس شرق أوسط جديد قائم على الديمقراطية والليبرالية، ولكنها الآن كشفت عن وجهها الخفي الذي يكمن في تبني أيديولوجيا دينية كمبرر للهيمنة الإمبريالية على المنطقة: فها هو نتنياهو وقادة إسرائيل يبررون سياستهم التوسعية العدوانية بالاستناد إلى سرديات توراتية؛ وها هو ترامب يزعم أنه مبعوث الرب إلى العالم في هذه المرحلة الحساسة، حتى إن بعض المحيطين به في المكتب البيضاوي راحوا يمسحون كتفيه بأيديهم كي ينالوا البَرَكة!
هذا التوظيف للأيديولوجيا الدينية لا يختلف في جوهره عن توظيف الجماعات الإسلامية المتطرفة لأيديولوجيتها الدينية؛ إذ إنها كغيرها تسعى إلى الهيمنة باسم الدين، مثلما تسعى إلى نفي الآخر المختلف واستبعاده، وربما إبادته. هذا النوع من الصراع هو ما يُطلق عليه أحيانًا تعبير «صراع الأصوليات الدينية».
غير أن صراع الأيديولوجيات يتبدى أيضًا على المستوى الاجتماعي في علاقات الناس بعضهم ببعض حينما يختلفون من حيث توجهاتهم الأيديولوجية، إذ يحتدم النقاش والخلاف بينهم حينما يمس رأي ما أو ينتقد أيديولوجية أي منهم، وكأن الأيديولوجيا الخاصة التي يتبناها المرء تعبر عن حقيقة مطلقة لا تقبل شكًا ولا جدلًا! ونحن دائمًا ما نشاهد هذه الظاهرة في واقع حياتنا اليومية.
ويمكن أن نضرب هنا بعض الأمثلة من أجل الإيضاح: قد يتحمس شخص ما لرأيك ويؤيده بشدة إذا كان مناصرًا أو مدافعًا عن موقف حماس باعتباره موقفًا يعبر عن مشروعية وضرورة المقاومة للاحتلال والعدوان، ولكنه سوف يناصبك العداء إذا تبدى له أنك تنتقد بشدة موقف جماعة الإخوان المسلمين أو أيديولوجيتهم!
يحدث شيء شبيه بهذا حينما يختلف شخص ما مع بعض التوجهات الأيديولوجية لدى القوميين، وبوجه خاص لدى الناصريين.
فالناصريون- على سبيل المثال- قد يتفقون معك في أمور سياسية وثقافية عديدة، ولكن إذا تصادف أن انتقدت في حضرتهم الأيديولوجيا السياسية التي تبناها عبد الناصر، فإنهم سوف يناصبونك العداء باعتبارك خارجًا عن الملة، وربما ظنوا أنك ممن يتبنوا فكر جماعة الإخوان أو من المنتمين لتلك الجماعة.
وتلك ظاهرة سيئة تعكس حالة من التردي في الوعي الثقافي بوجه عام، وهو الوعي القادر على مساءلة أية أيديولوجيا ووضعها موضع النقد.
وربما لهذا السبب نفسه، فإننا نجد أن المبدعين الكبار في العلم والفلسفة والفن هم أولئك الذين يكونون قادرين على التحرر من الأيديولوجيا في إبداعهم.
