المخطط الأمريكي الصهيوني والدروس المستفادة
11 مارس 2026
11 مارس 2026
الحروب والصراعات بشكل عام لها أهداف استراتيجية وحسابات دقيقة، والحرب الظالمة الحالية التي تشنها الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الصهيوني ضد إيران دون مسوغ قانوني أو أخلاقي تندرج في هذا الإطار.
كان المخطط الاستراتيجي الأمريكي الصهيوني هو تغيير النظام الإيراني في ظل نموذجه الإسلامي الحالي، والتخلص من العقبة الكبرى لتنفيذ المشروع الصهيوني الذي يتلخص في الهيمنة الاستعمارية الأمريكية والإسرائيلية على المنطقة العربية بحيث يكون الكيان الصهيوني هو رأس الحربة من خلال رسم فكر مختلف على صعيد تغيير الهوية، والسيطرة على مقدرات المنطقة، علاوة على التطبيع الشامل مع الكيان الصهيوني.
إن الأهداف الاستراتيجية للحرب الحالية التي تخوضها إيران ضد العدوان الأمريكي والصهيوني تتعدى كثيرًا مسألة البرنامج النووي الإيراني، وتتعدى مسألة البرنامج الصاروخي، بل وتتعدى مسألة محور المقاومة وعلى ضوء ذلك، تم شن العدوان من خلال خطة الصدمة والرعب وهو الأسلوب الذي تم استخدامه في الغزو الأمريكي للعراق عام ٢٠٠٣.
لقد تعرضت العاصمة الإيرانية وبقية المدن لقصف عنيف من عشرات الطائرات الأمريكية والإسرائيلية في اليوم الأول بقصد التخلص من المرشد والقيادات العسكرية، وقد نجحت في ذلك إلى حد كبير، ولكن المفاجأة حدثت عندما تماسكت إيران البلد والشعب؛ حيث وقف الشعب الإيراني مع وطنه وهو يتعرض لحرب عدوانية عبر فيها الرئيس الأمريكي عن جهله بإيران كشعب وحضارة.
ورغم التحفظات على شن الحرب من قبل القيادات العسكرية في وزارة الدفاع الأمريكية، وكلفتها الاقتصادية والسياسية والأخلاقية، إلا أن الرئيس الأمريكي ترامب ـ كما أشرت في مقال الأسبوع الماضي ـ واقع تحت السيطرة الصهيونية من خلال الداعمين لحملته الانتخابية ومن منظمة الإيباك، وأيضا من خلال صلته بملفات ابستين التي تكرر اسمه فيها حوالي ٣٥ ألف مرة.
الولايات المتحدة الأمريكية تورطت في حرب ليست حربها واستطاع المتطرف نتنياهو أن يجرها إلى حرب غير قانونية، حتى الكونجرس الأمريكي لم يعط الإذن للرئيس الأمريكي بشنها؛ ومن هنا، فإن تداعيات الحرب طالت دول المنطقة، حيث برز جدل كبير حول استهداف إيران للقواعد العسكرية الأمريكية في دول المنطقة بما فيها العراق والأردن.
من الناحية القانونية فإن وجود القواعد العسكرية ينظمها العقد المبرم؛ والسؤال هل تم استخدام هذه القواعد العسكرية الأمريكية ضد إيران أم لا؟ وعلى ضوء الإجابة يمكن إعطاء حكم في ظل القانون الدولي.
من مفارقات الحرب هو أن الولايات المتحدة الأمريكية ركزت على حماية الكيان الصهيوني وتركت الدول الحليفة في المنطقة، وهذا درس استراتيجي كبير؛ إذ لابد من المراجعة الخليجية لوجود القواعد الأجنبية، كما أن الولايات المتحدة الأمريكية وعلى ضوء تصريحات عدد من مسؤولي إدارة ترامب لا يعتبرون دول المنطقة حلفاء أساسيين قياسًا بالكيان الإسرائيلي، بل إن السفير الأمريكي في إسرائيل تحدث عن أحقية الكيان في السيطرة على الجغرافيا العربية، كما أن مسار الحرب كشف عن مفارقة خطيرة وهي أن إدارة ترامب سحبت الكثير من المعدات العسكرية الحيوية من قواعدها العسكرية في المنطقة وأرسلتها إلى حليفها الاستراتيجي إسرائيل.
ومن هنا، برزت دروس كبيرة لدول مجلس التعاون الخليجي بشكل خاص حول ضرورة تقييم العلاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية، والاعتماد على القوة الذاتية وبناء قوة عسكرية دفاعية بشكل جماعي في ظل تعدد سوق السلاح. إن حرب ترامب ونتنياهو أضرت بالاقتصاد العالمي وحولت منطقة الخليج العربي إلى فوهة بركان، وتم إغلاق الممرات البحرية، ومنها مضيق هرمز وباب المندب، ودخلت المنطقة في أتون حرب كارثية، وتعطلت الرحلات الجوية، وتضررت مصالح الناس في المنطقة بفوضى الحرب التي يقودها ترامب ونتنياهو دون منطق سياسي أو أخلاقي أو قانوني.
إن الدروس المستفادة لدول المنطقة تأتي كأولوية؛ فالحرب في تصوري علي وشك النهاية بعد فشل الأهداف الاستراتيجية وصمود الجمهورية الإسلامية الإيرانية؛ حيث ظهرت القدرات الإيرانية في إطلاق الصواريخ البالستية الانشطارية، وكيف وصلت إيران على صعيد الصناعة العسكرية، وهو درس كبير لدول الخليج العربية للاعتماد على الذات وعلى القدرات الوطنية، خاصة وأن إيران محاصرة اقتصاديا منذ قيام الثورة الإسلامية عام ١٩٧٩.
قد نختلف مع إيران وقد نتفق في إطار العلاقات الدولية وتواصل الحوار، ومع ذلك لابد من إدانة الحرب التي شنها الرئيس الأمريكي ترامب ونتنياهو المتطرف، حيث دخلت المنطقة والعالم في أتون مرحلة خطيرة علي الصعيد العسكري والاقتصادي وتوقف الملاحة وسلاسل الإمداد، عدا بلادنا سلطنة عمان، والتي كانت ملاذًا آمنًا لترحيل عشرات الآلاف من الناس العالقين في دول المنطقة. إن شرارات الحرب طالت الجميع، وتحولت إلى حرب إقليمية بشكل مباشر أو غير مباشر، وتضررت حتى مصالح الولايات المتحدة الأمريكية من خلال ارتفاع أسعار الطاقة إلى مستويات غير مسبوقة، وتعطلت الرحلات الجوية، وأصبحت المنطقة تعيش في أجواء معقدة، مما يستدعي بذل جهود سياسية ودبلوماسية لإنهاء الحرب. ومن هنا، يمكن التذكير بالاتصالات الواسعة التي أجراها جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ مع قيادات عديدة في دول العالم، ركزت على ضرورة خفض التصعيد ووقف الحرب حتى لا تتحول إلى حرب كونية، كما يبذل معالي السيد بدر بن حمد البوسعيدي وزير الخارجية جهودًا من خلال الاتصالات مع وزراء خارجية الدول الشقيقة والصديقة في إطار محاصرة الحرب والعودة إلى المسار الدبلوماسي الذي أجهضه الرئيس الأمريكي ترامب.
الحرب سوف تنتهي قريبًا، لأن التكلفة الاقتصادية كبيرة، وهناك فقدان أرواح من أطراف الحرب، علاوة على تشكيل القيادة الإيرانية الجديدة بانتخاب مرشد مجتبى خاميني، وعلى ضوء ذلك، فإن العالم يتطلع إلى إنهاء الحرب وعودة المسار الدبلوماسي، علاوة على ضرورة أخذ الدروس الكبيرة من الحرب من قبل دول مجلس التعاون الخليجي لما فيه مصلحة الأوطان ومقدرات الشعوب. إن الاعتماد على الولايات المتحدة الأمريكية أصبح غير مجد، ليس فقط من خلال إدارة ترامب الحالية، ولكن من المنظور الاستراتيجي لأي إدارة قادمة؛ لأن الحليف الاستراتيجي للولايات المتحدة الأمريكية هو الكيان الصهيوني فقط، ويبدو لي أن الابتزاز المالي من قبل الرئيس الأمريكي ترامب ينبغي أن يتوقف، بل إن مراجعة وتقييم العلاقة مع واشنطن من الأولويات في مرحلة ما بعد الحرب.
