كوبا.. هدف الولايات المتحدة القادم!
10 مارس 2026
ترجمة: أحمد شافعي
10 مارس 2026
في التاسع والعشرين من يناير في العام الحالي، وبعد اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، لكن قبل اغتيال المرشد الإيراني خامنئي، وجَّه الرئيس دونالد ترامب اهتمامه إلى بلد آخر. إذ أصدر أمرًا تنفيذيًا يعلن فيه حالة طوارئ وطنية ضد حكومة كوبا يعدها فيه «تهديدًا استثنائيًا غير معهود» للولايات المتحدة ويهدد فيه بفرض رسوم جمركية لإيقاف السفن عن حمل البترول إلى كوبا. فكان ذلك محاولة واضحة لتغيير النظام.
أدت إجراءات منع النفط عن كوبا إلى تفاقم حاد لأزمة متزايدة في الجزيرة على الرغم من إدانة بعض نواب الكونجرس في الولايات المتحدة لهذه الإجراءات. وتنتج كوبا قرابة ثلث احتياجاتها من النفط وتصدر البقية، فأغلب تصديرها يتم من فنزويلا والمكسيك.
وبعد ضربة الولايات المتحدة لفنزويلا والتهديد بالرسوم الجمركية، أوقف البلدان تماما تصدير النفط إلى كوبا؛ فكان من جراء ذلك أن تضاعف طول فترات انقطاع الكهرباء اليومية لتدوم قرابة ثماني عشرة ساعة في اليوم منذ بدايات فبراير.
بدأت أسافر إلى كوبا لإجراء الأبحاث منذ أكثر من اثنتي عشرة سنة، قبل انفتاح باراك أوباما التاريخي وتطبيعه العلاقات في الفترة ما بين عامي 2014 و2016 أي فترة الازدهار الاقتصادي والأمل الكبيرين التي شهدت وضع الشباب للخطط وازدهار الأفكار وازدياد السياحة الأمريكية وانتشار الشركات الخاصة في كل مكان.
بدت كوبا في فترة رئاسة أوباما مكانًا شديد الاختلاف عما هي عليه في اللحظة الحالية حيث تخيم عليها الكآبة حسبما لمست بنفسي في آخر رحلاتي إليها.
هبطت في شرقي كوبا الشهر الماضي، بعد يوم من إعلان الرئيس دياز كانل سلسلة إجراءات تقشف بترولية.
وبعد إجراءات إنهاء بيع الجازولين والديزل للشعب سرعان ما ألغيت مسارات جوية إلى كوبا، وحدث ارتفاع حاد في التضخم نتيجة ارتفاع أسعار الوقود وضعف البيزو الكوبي. خوت سيارات الأجرة، واختزلت ساعات الدراسة في المدارس، وأرجئت فعاليات ضخمة، وأعيد طلبة الجامعة إلى منازلهم. وأول من يستشعر الألم من جراء هذه السياسات هم عوام الناس.
يعيش الكوبيون صعوبات حقيقية. فالاضطراب الهائل في حياتهم اليومية وروتينهم المعتاد يؤثر في قدرتهم على العثور على الطعام، والذهاب إلى حيث يلزمهم الذهاب والتواصل مع الآخرين. وقد رأيت ثمن الدجاج يرتفع من أربعمائة إلى قرابة ستمائة بيزو في غضون أيام، وهو سعر يوشك ألا يكون في متناول أي شخص يحصل على راتب حكومي متواضع.
ولذلك فقد عمد المواطنون القادرون على تدبير أموال من الخارج إلى إقامة مطابخ شعبية لإطعام المحتاجين، لكن السبل المتاحة لهم قليلة لتمويل هذه المشاريع فضلا عن أن العقبات التي يفرضها دونالد ترامب على التحويلات المالية الدولية تعوق جهودهم. وفي مدينة جوانتانامو، رأيت المخابز مستمرة في إنتاج الخبز لكنها جميعا تعمل بالحطب.
وفي ظل نفاد الوقود من أبراج الهواتف المحمولة المحلية، بات الناس خارج المدن بلا سبل مضمونة للتواصل عند انقطاع الكهرباء، وبات الصفير المتلاحق الذي تصدره الهواتف إثر وصول سيل الرسائل المبعوثة منذ ساعات علامة على رجوع الطاقة إلى الأبراج. ويستيقظ الكوبيون أيضا في منتصف الليل، حينما تضاء المصابيح، ليتجهوا إلى المطبخ، فيعدون وجبات اليوم، والقهوة، ويشحنون الآلات ويؤدون مهام البيت المختلفة. وذلك أمر مجهد نفسيًا وبدنيًا، فلا عجب أنهم يبدون منهكين بوضوح.
يصر الكوبيون على أنهم صامدون، وعلى أنهم سوف يجتازون ما يمرون به. لكنهم يقولون أيضا إن هذه الأزمة ـ التي تزايدت بانقلاب إدارة ترامب الأولى على سياسات التطبيع التي اعتمدها باراك أوباما وفرضه عقوبات اقتصادية جديدة وقاسية على الجزيرة في عام 2017 ـ تبدو أسوأ مما واجهوا في «الفترة الخاصة» حينما تسبب انهيار الاتحاد السوفييتي في تهاوي إجمالي الناتج الوطني الكوبي بنسبة 35% في غضون ثلاث سنوات.
وقد طرحت الحكومة خطة استراتيجية لاجتياز الأزمة، تتضمن نقل ملكية المؤسسات الحكومية إلى شركات خاصة صغيرة ومتوسطة وتتضمن زيادة كبيرة في الاعتماد على تكنولوجيا الطاقة الشمسية. وحتى الآن تتحرك الأمور بصعوبة.
صحيح أنه في حين أن الكوبيين ضجروا بمرور السنين من إلقاء الحكومة اللوم في هذه الأوجاع على العقوبات، لكن الحظر البترولي القائم يبدو وكأنه يوحد الشعب. (ومعروف تاريخيا أن العقوبات الاقتصادية فشلت في تحقيق أهدافها المحددة بل وأتت بثمار عكسية إذ ألحقت أضرارا جسيمة بالأبرياء من الشعب).
وخلال رحلتي، تحدثت إلى ما بين سبعين شخصًا وثمانين في شرقي كوبا ينتمون إلى شتى مناحي الحياة، فهم معلمون وأصحاب مشاريع ومزارعون ومؤرخون وكبار في السن وأطفال وعمال نقل وموظفون في الدولة وقادة اجتماعيون.
أجريت حوارات مطولة مع عشرات من هؤلاء ـ فبعضهم شديدو الانتقاد للحكومة وسياساتها وأيديولوجيتها ـ ولم أجد منهم واحدًا يوافق على الإجراءات الأمريكية.
فقد قالت لي امرأة تمتلك مشروعًا خاصًا بغضب بالغ إنهم سوف يقاومون التدخلات الأمريكية.
ووافقها الرأي بشدة موظفان لديها، وكلاهما عضو على مستوى الحي في مجلس حكومي محلي. وليس هؤلاء بأي حال هم الذين تحدثت إليهم وحسب فأعربوا عن مقاومة حادة لإجراءات دونالد ترامب مصرين إصرارًا أدهشني على أنهم سوف يقاومونها.
في الأيام الأخيرة، ازدادت التوترات مع الولايات المتحدة.
ففي الشهر الماضي، قام مواطنون كوبيون على متن زورق سريع قادم من فلوريدا بإطلاق النار على خفر السواحل عند اقترابهم من التراب الكوبي، وذلك حدث غير مشهود منذ عقود؛ لقي أربعة ممن كانوا على متن الزورق مصرعهم في تبادل إطلاق النار وأصيب الستة الآخرون.
ومنذ ذلك الحين أخذ دونالد ترامب يروج مبتهجًا لما أطلق عليه «الاستيلاء الودي» على كوبا وأصر السناتور الجمهوري ليندساي جراهام علنًا على أن «كوبا هي التالية». وقد بدا الكوبيون الذي قابلتهم مفطوري القلوب بلا شك بسبب ما تفعله الولايات المتحدة.
لكن لعل الدرس الأكبر الذي غالبًا ما يغيب عن الساسة الأمريكيين في ما يتعلق بالتاريخ الكوبي هو أن الكوبيين وطنيون راسخون وأنهم كافحوا مرارا من أجل استقلالهم ومن أجل الحفاظ على هذا الاستقلال حتى لو اقتضى الأمر معارضة مباشرة للولايات المتحدة.
سارة قزامة أستاذة مساعدة في التاريخ بجامعة كاليفورنيا في سان دييجو.
الترجمة عن ذي جارديان
