رئيسة الخبراء الاقتصاديين في البنك الدولي لـ «عمان» : أكبر تحدٍ اقتصادي في الشرق الأوسط هو خلق وظائف منتجة في عالم يتغير بسرعة
11 مارس 2026
11 مارس 2026
حاورتها - رحمة الكلبانية
رغم التعافي الذي شهدته مؤشرات اقتصادات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في السنوات الأخيرة، لا تزال المنطقة تواجه مسار نمو طويل الأجل يتسم بالتقلب وضعف التقارب مع مستويات المعيشة في الاقتصادات المتقدمة، وفي ظل ذلك تبرز تساؤلات أساسية حول آفاق النمو في المنطقة ودور التكنولوجيا الحديثة مثل الذكاء الاصطناعي في تعزيز الإنتاجية، إضافة إلى التحديات الهيكلية التي تواجه القطاع الخاص وأسواق العمل وتنمية رأس المال البشري.
ولرسم تصور واضح حول ذلك ألتقت «عمان» ب روبيرتا غاتي، رئيسة الخبراء الاقتصاديين لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأفغانستان وباكستان في البنك الدولي، لمناقشة أبرز القضايا الاقتصادية التي تشكل مسار التنمية في المنطقة خلال السنوات المقبلة.
ويجدر التنويه إلى أن هذا الحوار أُجري قبل التطورات السياسية والأمنية الأخيرة التي تشهدها المنطقة حالياً، وبالتالي فإن التحليلات الواردة فيه تعكس قراءة للأوضاع الاقتصادية في سياق أكثر استقراراً نسبياً وقد تم إدخال بعض التعديلات التحريرية على عدد من الأسئلة المقترحة بما يخدم وضوح الحوار وتسلسله.
شهدت دول الشرق الأوسط في السنوات الأخيرة مؤشرات نمو غير متجانسة. فكيف تقرأ بيانات البنك الدولي وتحليلاته المسار طويل الأجل لنمو المنطقة؟ وما العوامل التي تفسر هذا التباين بين اقتصاداتها؟
تواصل المنطقة مواجهة مسار نمو طويل الأجل يتسم بالضعف والتقلب مع تقارب محدود نحو مستويات المعيشة في الاقتصادات المتقدمة، ولا تزال الاقتصادات النامية في المنطقة عند أقل من 20٪ من حدود الدخل العالمية، في حين لم يرتفع نصيب الفرد من الدخل خلال الخمسين عامًا الماضية سوى بنسبة 62٪، وهو أداء متأخر بوضوح مقارنة باقتصادات الأسواق الناشئة والاقتصادات النامية الأخرى، ورغم التوقعات بتحسن النمو في المنطقة خلال الفترة 2025–2027، إلا أن تحليلات البنك الدولي تشير إلى أن هذا التحسن يعود في معظمه إلى عوامل دورية تتعلق بتعديلات إنتاج النفط أكثر من كونه نتيجة إصلاحات أو تحولات هيكلية عميقة.
ويُعزى ما بين 60٪ و80٪ من فجوة الدخل بين المنطقة والاقتصادات المتقدمة إلى انخفاض معدلات التوظيف مقارنة بعدد السكان — خاصة بين النساء — إلى جانب ضعف الإنتاجية، وكما أوضح أحدث تحديث اقتصادي إقليمي للبنك الدولي بعنوان «الوظائف والنساء: مواهب غير مستغلة ونمو غير متحقق»، فإن المشاركة المتدنية للنساء في سوق العمل، رغم التحسن الكبير في مستويات التعليم، ما تزال تمثل تحدياً رئيسياً مع إمكانات كبيرة لتعزيز النمو إذا ما تم تقليص الفجوات بين الجنسين.
كما يسهم سوء تخصيص المواهب في تعميق هذه التحديات، إذ تستقطب القطاعات العامة الكبيرة في العديد من الدول العمال بعيداً عن الأنشطة الأكثر إنتاجية في القطاع الخاص، ويضاف إلى ذلك أن ضعف الاندماج في التجارة العالمية وشبكات المعرفة يحد من الابتكار ويضعف القدرة التنافسية، وباختصار فإن تحقيق نمو مستدام على المدى الطويل في المنطقة يتطلب رفع مستويات الإنتاجية، وتعزيز ديناميكية القطاع الخاص، والاستفادة بشكل أفضل من رأس المال البشري المتاح.
كيف ترون دور الذكاء الاصطناعي في تشكيل مسار النمو الاقتصادي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأفغانستان وباكستان خلال العقد المقبل؟ وإلى أي مدى يمكن أن يسهم في تعزيز الإنتاجية على نطاق واسع؟ وما المخاطر المحتملة المرتبطة به، خصوصاً فيما يتعلق بتوسيع الفجوات الاقتصادية بين الدول وداخلها؟
من المتوقع أن يلعب الذكاء الاصطناعي دورا مؤثرا، وإن كان غير متكافئ، في تشكيل النمو الاقتصادي في المنطقة خلال السنوات العشر المقبلة، وذلك أساساً من خلال تحسين الإنتاجية أكثر من تأثيره المباشر على التوظيف، وقد أشرنا سابقاً إلى القيود الهيكلية المزمنة التي تواجه نمو المنطقة وفي مقدمتها انخفاض الإنتاجية الكلية وضعف ديناميكية القطاع الخاص، وفي هذا الإطار فإنه من المرجح أن يعمل الذكاء الاصطناعي كتقنية عامة مكمِّلة غير أن حجم تأثيره سيظل مرتبطًا إلى حد كبير بالظروف والسياسات الخاصة بكل دولة.وتشير التقديرات الحالية إلى أن ما بين 14 و27 في المائة من الوظائف في المنطقة قد تتأثر بتقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي، وهي نسبة قريبة من المتوسطات العالمية، إلا أن التأثير المتوقع يتمثل غالبًا في تعزيز أداء العاملين بدلًا من استبدالهم بالكامل، ومع بقاء معظم الوظائف أقل تعرضاً لهذه التقنيات فإن تحقيق مكاسب واسعة في الإنتاجية لن يكون ممكناً دون تنفيذ إصلاحات وسياسات داعمة.
ومن المرجح أن تظهر أبرز آثار الذكاء الاصطناعي على النمو من خلال رفع كفاءة الشركات، وتوسيع نطاق قطاع الخدمات، وتحسين كفاءة الإدارة العامة، ومع ذلك تشير الأدلة المستقاة من منصات الخدمات الرقمية إلى نتائج متفاوتة فمع انتشار الذكاء الاصطناعي التوليدي شهد العاملون في المهام الأكثر قابلية للاستبدال تراجعًا في حجم العمل، في حين تمكن العاملون الذين طوروا مهاراتهم لاستخدام هذه التقنيات من تحقيق زيادات في الدخل ويؤكد ذلك أهمية الاستثمار المستمر في تنمية المهارات.
في المقابل، تبقى مخاطر اتساع الفجوات الاقتصادية قائمة، فعلى مستوى الدول قد تؤدي الاختلافات في درجة الاستعداد لتبني الذكاء الاصطناعي في مجالات البنية التحتية الرقمية والتنظيم وحوكمة البيانات وبيئة الأعمال إلى تركّز المكاسب في عدد محدود من الدول التي تتبنى هذه التقنيات مبكراً، خاصة في دول الخليج، أما داخل الدول فمن المرجح أن يستفيد من هذه التقنيات بدرجة أكبر العمال ذوو المهارات العالية والشركات كثيفة رأس المال، الأمر الذي قد يزيد مستويات عدم المساواة ما لم تدعمه سياسات شاملة.
وباختصار يمكن للذكاء الاصطناعي أن يصبح محركاً مهماً لرفع الإنتاجية في المنطقة ولكن ذلك يتطلب دعمه باستثمارات في تنمية المهارات وتعزيز المنافسة وتطوير البنية التحتية الرقمية، وتحسين أطر الحوكمة؛ وإلا فإنه قد يؤدي إلى تعميق الفجوات الاقتصادية القائمة.
من الملاحظ أن أداء القطاع الخاص في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لا يزال دون المستوى المتوقع، فما هي أبرز القيود التي تحد من دوره؟ يعكس ضعف أداء القطاع الخاص في المنطقة شأنه شأن العديد من التحديات الاقتصادية الأخرى وجود قيود هيكلية عميقة تحد من الإنتاجية ومن ديناميكية الشركات وقدرتها على التكيف والصمود، وقد أشرنا سابقاً إلى أن الإنتاجية تمثل عاملاً رئيسياً في تفسير فجوة الدخل بين دول المنطقة والاقتصادات الأعلى دخلاً في العالم، وأن تضييق هذه الفجوة لن يكون ممكناً من دون قطاع خاص أكثر حيوية وقدرة على المنافسة.
فعلى المستوى العالمي، تُعد الشركات المحرك الأساسي للنمو الاقتصادي والابتكار وخلق فرص العمل، إلا أن الشركات في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تسجل معدلات أضعف لنمو الإنتاجية، وغالباً ما تعمل في بيئات تقل فيها المنافسة أو تعاني من قيود تنظيمية مختلفة. ويؤدي ذلك إلى الحد من دخول الشركات الجديدة إلى الأسواق ومن توسعها أو خروجها منها، كما يجعل القطاع الخاص أقل قدرة على التكيف مع الصدمات، سواء كانت ناجمة عن النزاعات أو تغير المناخ أو غيرها من المخاطر التي أصبحت أكثر تكراراً على المستويين الإقليمي والعالمي.
إذًا برأيك، ما السبل الممكنة لمعالجة هذه التحديات؟
يتطلب الأمر العمل على مسارين متكاملين. فمن جهة، تحتاج الحكومات إلى إعادة النظر في دورها في الأسواق من خلال تعزيز المنافسة، والحد من الامتيازات والتنظيمات التقديرية، والعمل على تحسين بيئة الأعمال بصورة عامة، كما أن تطوير أنظمة جمع البيانات المتعلقة بأداء الشركات وإتاحة الوصول إليها يعد أمراً أساسياً لتصميم سياسات أكثر دقة واستناداً إلى الأدلة.
ومن جهة أخرى يمكن للشركات نفسها أن تعزز إنتاجيتها من خلال الاستثمار في رأس المال البشري؛ فالممارسات الإدارية الأكثر تطوراً والتي تبين أنها تفسر جزءا مهما من الفروق في الإنتاجية بين الدول تسهم في رفع الكفاءة وتعزيز الابتكار، وعلى المستوى الوطني، فإن توسيع قاعدة المواهب عبر استقطاب القيادات النسائية وتعزيز دورها يمكن أن يحقق مكاسب إضافية، إذ تشير الأدلة إلى ارتباط القيادة النسائية بارتفاع معدلات توظيف النساء وتحسن أداء الشركات.
استنادًا إلى خبرتكم في إصلاحات أسواق العمل وتنمية رأس المال البشري، ما أبرز التحديات الهيكلية التي واجهت دول المنطقة صعوبة في معالجتها بفعالية، رغم تكرار مبادرات الإصلاح والبرامج السياساتية؟
يجمع هذا السؤال عددا من المحاور التي ناقشناها سابقا، فالنمو والازدهار الاقتصادي على المدى الطويل يعتمدان أساسا على عاملين رئيسيين هما مستوى الإنتاجية وجودة رأس المال البشري لدى القوى العاملة في أي اقتصاد.
وقد أشرنا إلى أن القطاع الخاص في المنطقة يحتاج إلى قدر أكبر من الحيوية وإلى تكافؤ حقيقي في الفرص مع القطاع العام. ففي بعض الدول يؤدي توسع القطاع العام إلى مزاحمة الاستثمار الخاص، الأمر الذي يحد من قدرة الشركات على النمو وخلق فرص العمل، كما أشرنا إلى أن مشاركة النساء في سوق العمل تمثل واحدة من أكبر الفرص الاقتصادية غير المستغلة في المنطقة إذ إن امرأة واحدة فقط من بين كل خمس نساء تعمل أو تبحث عن عمل، وهو أدنى معدل مشاركة نسائية في العالم، وذلك رغم ارتفاع مستويات التعليم لدى النساء.وتستمر عدة عوامل في الحد من المشاركة الكاملة للنساء في النشاط الاقتصادي، من بينها ارتفاع تكلفة خدمات رعاية الأطفال أو تدني جودتها، والقيود المتعلقة بالنقل والسلامة، إضافة إلى بعض القوانين والممارسات التمييزية ومع ذلك تشير الأدلة إلى أن اتباع نهج شامل لإزالة هذه العوائق يمكن أن يؤدي إلى زيادة الناتج المحلي الإجمالي للفرد بما يتراوح بين 20 و30 في المائة، وهو ما يعكس حجم الإمكانات الاقتصادية الكبيرة الكامنة في هذا المجال.وفي الوقت نفسه، وعلى الرغم من التحسن الذي شهده رأس المال البشري أي الصحة والمهارات التي يكتسبها الأفراد طوال حياتهم فإن جودة هذا التحسن لا تزال غير متكافئة، فعلى سبيل المثال لا يزال نحو 45 في المائة من الأطفال غير قادرين على قراءة نص بسيط وفهمه.وهنا يبرز السؤال: ما الذي يتطلبه الأمر لكي تتمكن المنطقة من تجاوز هذه التحديات وتحويل الإصلاحات إلى نمو مستدام يوفر فرص عمل واسعة؟ يمكن القول إن ذلك يتطلب تحولاً في طريقة تعامل الحكومات مع الإصلاحات، من خلال تعزيز المساءلة والشفافية، والتعلم بصورة منهجية من النجاحات والإخفاقات على حد سواء، والاستعداد لتعديل السياسات عند الحاجة، فمثل هذه الآليات من التغذية الراجعة تساعد المؤسسات الحكومية على التعلم المستمر، وتدعم صياغة سياسات أكثر اعتماداً على الأدلة، مما يعزز فرص نجاحها على المدى الطويل.
أخيرًا، إذا طُلب منكم تلخيص أبرز تحدٍ اقتصادي تواجهه اقتصادات الشرق الأوسط خلال السنوات الخمس المقبلة في جملة واحدة، فما هو؟
التحدي يتمثل في خلق وظائف منتجة في عالم يشهد تحولات ديموغرافية متسارعة، وتطوراً تكنولوجياً سريعاً، وتحديات عالمية غير متوقعة.
