فَوات ديوان الستالي من كتاب الحَلّ والإصابة (1-2)
أبو بكر أحمد بن سعيد الستالي (ق5-6هـ) شاعر عماني قديم، وديوانه يُعَدُّ أقدم ديوان شعرٍ عماني، إذا استُثنِيَ من قبله الشعراء الذين جُمِعَ شتات ما بقي من شعرهم في العصر الحديث. ولما كان ديوان الستالي أقدم الدواوين العمانية، فإن كتاب الدعائم لأحمد بن النضر السمائلي (ق5هـ)، المعروف أيضًا بديوان الدعائم، أقدم ديوان فقهي جمع فيه صاحبه منظومات فقهية في قالب أدبي. والقاسم المشترك بين الستالي وابن النضر هو تقارب زمانيهما، وارتباط نتاجهما الشعري بعَلَم ثالث هو محمد بن وصّاف النزوي (ق5-6هـ)، الذي شرح كتاب الدعائم في كتابه الحل والإصابة شرحًا لغويًا استشهد فيه بشواهد من شعر الستالي، مما لم يرد في ديوانه المتداول.
ولا غرو أن يُكثِر ابن وصّاف من الاستشهاد بشعر الستالي إذا علمنا أنه أدركه ولقيه وحاوره، ولم يُخفِ إعجابه بشعره في شيء من مواضع كتابه. وقد نقل أستاذنا الباحث سلطان بن مبارك الشيباني في بحثه عن ابن النضر نص محاورة أدبية طريفة جرت بين الشاعر الستالي وابن وصاف، ذكرها الأخير في شرحه بيتًا لابن النضر في كتاب الحل والإصابة.
وبتتبع مخطوطات كتاب الحل والإصابة الذي لم يُنشر كاملًا بعد، بل صدرت له نشرة ناقصة مليئة بالأخطاء والتصحيف سنة 1402هـ/1982م بتحقيق عبدالمنعم عامر، ثم بالرجوع إلى ديوان الستالي مخطوطه ومطبوعه، وقد صدرت نشرته الأولى سنة 1383هـ/1964م عن المطبعة العمومية بدمشق بتحقيق الأستاذ عز الدين التنوخي، نجد أن جملة مما نقله محمد بن وصّاف في كتابه من شعر الستالي لم يرد في الديوان. على أنه مما يؤسف له أن ما وصلنا من نسخ ديوان الستالي المخطوطة كلها متأخرة، أقدمها ليس قبل القرن الثاني عشر الهجري.
وأود هنا أن أنقل طرفًا من تلك الأشعار التي لم تُرد في ديوان الشاعر على سبيل التمثيل لا الاستقصاء. ولعل أطول نص نقله ابن وصاف مما ليس في ديوان الستالي قصيدته في الخمر، إذ يقول ابن وصّاف: «وقد قال فيها الشعراء فأكثروا في وصفها ونعتها، إلا أنني وجدت أحسن ما قيل فيها وفي شرابها قول أبي بكر أحمد بن سعيد الستالي...» ثم نقل القصيدة ومطلعها:
هَات اسْقِني الرَّاحَ في رَاوُوقِها عَلَلا ** وَعَاطِني في الحَديثِ اللَّهْوَ والغَزَلَا
لكن محقق الديوان عز الدين التنوخي ظفر بها في حاشية إحدى نسخ الديوان فنقلها في آخره مستدرِكًا، ولذا نُعرِض عنها هنا ونستفتح بما نقله ابن وصاف من شواهد من شعر الستالي، مما لم يرد في ديوانه، بأبياتٍ له يمدح فيها القاضي أبا محمد نجاد بن موسى بن نجاد المنحي (ت: 513هـ)، يقول فيها:
وأبيض وضّاح المحيّا مبارك ** على وجهه ماء الطلاقة جارِ
له شِيَمٌ أصفى من الماء صاغها ** مكونها من فضة ونُضَارِ
مُبَرَّزة في نجدةٍ وسماحةٍ ** مُطَرَّزة في عِفَّة ووقارِ
وأروع مقدام جريء مصمّم ** على ورد أهوال وخوض غمارِ
يبيت فيكفيه من الزاد مسكة ** وليس يذوق النوم غير غرارِ
ومنها ثلاثة أبيات من الشواهد التي نقلها ابن وصاف، شاهد في معنى «الثَّمَل: السكر دون ذهاب العقل»، يقول الستالي:
مَنْ لِمُحترقٍ في الهوى أَرِقٍ ** بالأسى شَرقٍ فهو مختبلُ
فاقدٍ سكنًا واجدٍ حزنًا ** لم يَذُق وَسَنًا بعد أن رحلوا
حاز مقوَدَهُ وتَصَيّدَهُ ** فَتعبَّدَه اللهو والغزلُ
غير غالِبِهِ لوم صاحبِهِ ** من مآربِهِ الشُّربُ والثَّمَلُ
ومن القصيدة نفسها، يظهر نقل أبيات في معنى «النَّشْر: الرِّيح الطيبة» وهي قوله:
خَدّهَا حُسن قَدّهَا غُصنٌ ** ولها عكن زانها الإطلُ
خصرها قلقٌ نحرها يققٌ ** نشرها عبقٌ طرفها كحلُ
ضوع عاشقها في مفارقها ** لمعانقها أرجٌ خَضِلُ
ومما بلغ ثلاثة أبيات شاهد في معنى الخَيَال: «الحُلُم، وهو ما يتخيل لك في المنام» يقول:
أَلاَ حَاجَة عِندَكُم تَنقَضِي ** فَهَلْ عِدَة مِنكُم توهَمُ
سِوَى طَيف ذكر لَدَى فِكْرَتِي ** وطيفُ خيالٍ به أحلمُ
خيال على النأي يعتادني ** حَلَالٌ صَحَا بِي إِذَا هَوَّمُوا
وشاهد في معنى الجَنان: يقول ابن وصّاف: «الجَنَان: القلب، وهو العقل؛ وفي الحديث: (المرْءُ بأصغَرَيه: بِجَنَانِه ولسانه)... والمعقول: العقل». ثم نقل أبياتًا عن الستالي يعاتب رجلًا:
واحفظ لسانك وامشِ في ** طرق الأمور المستقيمه
ودع التجاهل واعرفنْ ** للجهل عاقبة وخيمه
ما المرء لولا عقله ** ولسانه إلا بهيمه
ومن الشواهد على الشعر المخمّس عند الستالي ما نقله عنه ابن وصاف في معنى العَسْقَل، يقول: «والعَسْقَل والعَسْقَلَةُ والعُسْقُول: لَمْعُ السَّراب، وقِطَعُ السَّرابِ عَسَاقِيل»، وقد نصّ ابن وصّاف أن قول الستالي هذا من "قصيدة" له مخمّسة:
والأرض بيضاء القضضْ ** حرباؤها قد اعترضْ
جندبها قد ارتمضْ ** ضَرَّ ضريرًا وارتكضْ
وجنبه العساقِلُ
وفي المقالة التالية نكمل ذكر بعض الشواهد التي نقلها محمد بن وصّاف في شرحه من شعر أبي بكر أحمد بن سعيد الستالي، مما لم يَرِد في ديوانه.
