سردية الماء في رواية عروس الغرقة: من العنوان إلى الدلالة
يمثل الماء حضورا بارزا في الرواية العُمانية؛ إذ تتشكل سردية الماء ضمن رمزية معرفية لها خصوصيتها الإدراكية، لا سيما في سياق التمثلات الثقافية، وفيها يتجلى الماء في مفتتح رواية "عروس الغرقة" كباعث استهلالي يقتضي الانتباه والإدراك للمنجز السردي الذي يتضمن في أبعاده المتنامية مادة حية تشير إلى حجم الصراعات المتشكلة عبر ماهية الماء.
وإذا كانت وظيفة العنوان قد تنامت وازدهرت إبان القرن السادس عشر ميلاديًّا، وتحديدًا بتقدم الطباعة؛ فإن هذه الوظيفة ما زالت ترسم تجليات المعنى -بامتياز- في المتخيل السردي، انطلاقًا من عتبة العنوان باعتباره اقتصادا لغويا وبنية دلالية متكاملة.
سنعمل في هذه القراءة على تتبع سيرورة الدلالة في رواية عروس الغرقة من حيث إنها تتعالق مع نسقية الأحداث التي تحيل -كما أسلفنا- إلى جوهرية الماء في النتاج الروائي، متخذين من العتبة الأولى إلى المتن الأكبر (النص) منفذًا للدخول إلى العالم السردي، عالم الروائية العُمانية أمل بنت عبدالله الصخبورية.
إن الصيغة التركيبية الأولى لتجليات العنوان تستدعي استظهارا لغويا؛ إذ تحتمل تكوينا إخباريا للظاهرة الإبلاغية إذا ما قدّرنا أن الصيغة الإدراكية تتمحور ضمن بنية تقديرية كأن تكون جملة "هذه عروسُ الغرقة" أو "هي عروس الغرقة". إضافة إلى ذلك فإن العنوان يمثل شحنة دلالية على المستوى الصوتي؛ إذ يغلب على العتبة الأولى سمة الجهر الصوتي بمقابل الحروف المهموسة، مما يحيل هذا البعد التأويلي أو التقديري – إن صح التعبير – إلى توترية الدلالة، ذلك أنها تتعلق بالشدة والقوة. ولعل هذا الملحظ يبدو جليًا في الدلالة المعجمية للعنوان، إذ تشير لفظة عروس في المعاجم العربية كـلسان العرب إلى معانٍ ترد في سياق "الإقامة في الفرح" و"المتعة"** و"الألفة والملازمة" و"الإلمام بالنساء"، بينما تتعالق لفظة الغرقة في سياق "الهلاك" و"القتل" و"دخول الماء في سِمَي الأنف"و"البلوى" وغيرها من المعاني التي ترتبط بالشدة؛ لذلك يمكن الإقرار بأن العنوان يتكون في سياق المفارقة الجدلية بين الفرح والهلاك أو بين المتعة والموت. ناهيك أن العنوان الروائي لا يقدم ائتلافًا في وظيفته التعينية أو الإخبارية بقدر ما أنه يمثل تشكيلًا لغويًا يتآزر مع المتن الروائي، محدثًا مادة تنافرية على غلاف الرواية اعتمادًا على زاوية التلقي أو التأسيس المعرفي لدى القارئ في تأويل النص وتوجيه دفة القراءة لصالح دينامية التفكير إزاء فاعلية الماء في تشكيل الدلالة.
تتبدى سردية الماء من خلال الانطلاقة الأولى لانبثاق الشخصية المحورية التي جسدتها العروس "غدق" إذ تقول: "هكذا أسمتني أمي وهي تكابد آلام المخاض، وماء الولادة ملأ أربعة سطول، والسيل في الخارج يجلد الأرض بغزارته. قال الجميع إن مقدمي على الدنيا خير، لذا لا بد أن يكون لاسمي نصيب من ذاك الغيث... وبارك انتقاء أمي لاسمي: غدق". بيد أن الملحظ الإدراكي على المستوى الإشاري يرى أن الساردة استطاعت أن تتواشج مع العنوان بالتزامن مع حضور الشخصية المحورية "غدق" التي تحمل في تجلياتها شحنات دلالية انسجمت مع سردية الماء، لا سيما إذا عُدنا إلى طبيعة الملفوظ "غدق" من حيث إنه أشار إلى معانٍ رمزية من قبيل الفيض والغزارة، وقد وردت لفظة غدق في القرآن الكريم: "وَأَن لَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاءً غَدَقًا" (سورة الجن: الآية 16). وهذا البعد يمنح الشخصية علامة دالة على الخطاب التواصلي، وذلك في سبيل تمرير مجموعة من الرؤى المعرفية التي تتعلق بـغدق؛ وفيه تحمل الشخصية اسمًا إشاريًا يختزل سمة من سمات العنوان التعيينية، وبالتالي يصبح الاسم في حد ذاته أيقونة سيميائية تحيل إلى تمثلات وظيفية تتناسب مع أبعاد النص واشتغال الدلالة في سياق العنوان.
اتخذت الروائية أمل من الشخصية المحورية نمطا دالا عبر اللغة؛ حيث تتقاطع غدق مع الأبعاد الرمزية بوصفها بنية دلالية تشير إلى سردية الماء، وذلك على مستوى حركية الأحداث الروائية؛ إذ مرت غدق بمجموعة من الأهوال والمصائب وما صاحبها من نكبات مؤلمة على صعيد مجتمع القرية الجبلية "حارة تلة السنط"، جراء الفيضانات التي اجتاحت البلاد في إعصار جونو عام 2007م. تقول الساردة عبر تقنية الراوي العليم: "لا تعرف [غدق] لماذا ساورها شعور الخوف؟ هل لأنها شعرت أنها تشبه الحمامة الشمسية في مصيرها الراهن، وأنه فُتح باب النجاة لها مرارًا بالرجوع والاحتماء ببيت عائلتها، ولكنها اتخذت قرار البقاء بإرادتها؟.. المياه المندفعة في دوامات وأمواج تنفخ ملابسها من قوة التدفق، وهي ما زالت أمام عتبة الباب الغارقة إلى منتصفها، وما إن وضعت قدمها الأولى خارج الباب حتى رأت الماء قد وصل إلى رقبتها" ص 158.
تتنامى سردية الماء كنقطة جوهرية في مسار التحولات الزمنية التي واكبت تجربة الشخصية "غدق" باعتبارها عروسًا حديثة العهد، وقد انتقلت إلى بيت الزوجية؛ وبالتالي تتبدى هذه الشخصية المركزية عبر الوظيفة الإخبارية – كما يسميها Vladimir Propp – داخل البنية السردية إلى وسيط إخباري تضطلع بدور وظيفي تجلى في حركية انتقال السرد عبر نسقية الأحداث إلى استظهار فعل حكائي، وقد تشكّل في سياق الزمن الماضي. فمن خلال الصندوق العتيق (المندوس) الذي عُثر عليه أثناء الغرقة (الفيضانات)، تبرز سمة التقاطع (المشابهة – المماثلة) على مستوى الوقائع أو الكوارث الطبيعية في الحيز الزمكاني، وذلك مع شخصية زيانة حمد الزنجباري: "لم أعد أملك الحبر الكافي ولا حتى الورق لأكمل رسالتي كما يجب... خصوصًا أن الماء طغى، ولامست رغوته الغبراء قدمي في الصفة العلوية... رغم ما يحدق بنا من خطر الموت الذي يطل علينا من وجه الماء الغاضب، بعد أن ارتفع وغطى كل شيء، ورغم إيماني بآيات..." ص 30.
وبناء على هذا الاستحضار يغدو الصندوق أداة مركزية تحققت عبر تقنية السرد الاسترجاعي من خلال انتقال مستوى الحكي من الحاضر إلى الماضي، ناهيك أنه خزان الذكريات في توجيه الخطاب إلى وقائع تاريخية جرت في عام 1980م، أي في القرن التاسع عشر.
وبالتالي فإن هذا الخطاب المتنامي عبر البناء الدائري في سردية الماء أدى إلى استظهار كنّه الدلالة من خلال شخصية عاشت سلسلة من الأحداث والوقائع شبيهة بتلك الظروف التي مرت بها غدق لحظة اجتياح جونو للبلاد في عام 2007م. إن سردية الماء في رواية عروس الغرقة شكلت بؤرة تصورية لدينامية المسارات المعرفية في سيرورة التدلال – ومهما يكن من أمر – فإن حضور الماء في تمفصلات الرواية أسهم في تكوين البنيات الدلالية، وذلك على مستوى النسق التوتري الذي يفصح عما تكتنزه الرواية في عالم الصخبورية من تجليات معرفية تنفتح عبر التناصات على السلطة والهوية والذاكرة والفلكلور والتاريخ، وهذه المنطلقات في شموليتها جسدت اتجاهات وجوانب على صعيد علاقة الذات بالعالم أو بالآخرين.
