الوعي الأمني في ظل الأزمات
07 مارس 2026
07 مارس 2026
يرتبط الوعي الأمني بالتربية الأمنية التي تبدأ من الأسرة، فالمدرسة، فالثقافة والإعلام بأنواعهما وأشكالهما المختلفة؛ ذلك لأنه لا يقتصر على المؤسسة، بل يُعد منظومة مجتمعية متكاملة تعتمد على فهم متطلبات المجتمع، والحاجة إلى إعداد مواطنين يتميَّزون بالمرونة والقدرة على التكيُّف مع متطلبات المراحل التي يمر بها مجتمعهم بكفاءة واقتدار.
إن الوعي الأمني يتعلَّق بالقدرة على تمثُّل مبادئ المواطنة الإيجابية ومفاهيمها من خلال ما يقوم به هؤلاء المواطنون، وما يسهمون به في بناء وطنهم، والحفاظ على مكتسباته ومقوماته وحمايته خاصة في ظل التوترات والأزمات سواء أكانت اجتماعية أم اقتصادية أم عسكرية؛ فالدور الأساسي لأفراد المجتمع يكمن في مواجهة تلك الأزمات؛ حيث يعتمد بشكل مباشر على وعيهم الأمني، وقدرتهم على التكيُّف وفق المعطيات الأمنية التي تفرضها المرحلة.
ولأن الأمن الوطني لا يقتصر على مؤسسات الدولة العسكرية والأمنية باعتباره مجموعة من الأدوار المتداخلة والمتكاملة بينها وبين المؤسسات الاجتماعية الأخرى وأفراد المجتمع؛ فإن للمواطنين دورا بارزا ومهما يقومون به تجاه وطنهم، وهو دور أصبح متعاظما في ظل الانفتاح التقني عبر وسائل التواصل الاجتماعي؛ إذ لم يقتصر على المشاركة في الحفاظ على سلامة أفراد المجتمع والحفاظ على مكتسباته، والتعاون مع المؤسسات فيما يخص القضايا الأمنية وحسب، بل يسهم في نشر الوعي المجتمعي، والمحافظة على الخصوصية الأمنية لمؤسسات المجتمع، وأهمية الحفاظ على المشاركة في حماية أمن الدولة.
إن الوعي الأمني يتحقَّق بحسب الأدبيات بـ(إدراك الفرد للمبادئ والأحكام الأمنية، وما يترتب عليها من ممارسة للقواعد الأمنية)؛ وبالتالي فإنه يتعلَّق بالجوانب الوجدانية التي تستشعر الأخطار، وتسعى إلى حماية النفس والوطن من ناحية، كما يرتبط بالعمليات الذهنية التي تجعل ذلك الفرد قادرًا على الاعتماد على المعلومات الأمنية ومعرفة النتائج والحقائق، والبحث المستمر عن تلك المعلومات وفقا لمقتضيات الصدق والأمانة من ناحية أخرى.
ولهذا فإن الركيزة التي يقوم عليها الوعي الأمني هي التبصُّر بالأمانة التي تقيه وتقي مجتمعه المخاطر، خاصة في ظل الأزمات والتحولات الأمنية المختلفة، وإدراك قيمة تلك الأمانة من خلال المشاركة الإيجابية الفاعلة، والمساهمة في تنمية الوعي الأمني لدى أفراد المجتمع؛ لما لذلك من أثر في دعم التوجهات الوطنية، والحفاظ على أمن الوطن وصون مكتسباته.
ولقد أسهمت وسائل التواصل الاجتماعي ووسائط الإعلام الجديدة في دفع الأفراد نحو الظهور غير الموجَّه، وفي أحيان كثيرة يكون ظهورًا غير مسؤول الأمر الذي يكشف أهمية تنمية الوعي الأمني لدى مستخدمي تلك الوسائل، وتقديم الدعم الفني والقانوني لهم؛ ليكونوا على دراية كافية بتلك الإشكالات التي يمكن أن تمثِّل تهديدا لهم ولوطنهم. ولعل ما مرَّت به المنطقة خلال الأيام القليلة الماضية وما تمُّر به الآن يقدم تحديا يكشف الوعي الأمني لدى أفراد المجتمع من حيث قدرتهم على التعامل مع هذه الظروف، وما يمكن أن يقدموه من أدوار لحماية وطنهم والذود عنه.
إن الوعي الأمني يمثِّل قيمة أساسية لحماية المجتمع في أوقات السلم والأمان، وتزداد قيمته وتتعاظم في ظل الأزمات والحروب والاضطرابات، حتى لتكون منطلقا إما لصون المجتمع وحماية أمنه، وإما لاختراقه وتهديده؛ ولهذا فإن التمسك به واتباع قيمه ومفاهيمه ومبادئه سيعمل على حماية الوطن وصون مكتسباته وخيراته. ولقد أظهرت الأيام القليلة الماضية قدرة أفراد المجتمع ووعيهم الأمني الذي برز في تعاونهم مع مؤسسات الدولة، ومشاركتهم الإيجابية الفاعلة.
تتزايد أهمية تنمية الوعي الأمني في ظل النزاعات المستمرة في المنطقة والتحديات التي يمكن أن يواجهها المجتمع، خاصة بالنظر إلى ما تقوم به عُمان من دور محوري في الوساطة لحل النزاعات، واللجوء إلى الحوار والسلام بديلا عن الحروب والصراعات العسكرية؛ ولهذا فإن تنمية ذلك الوعي تعتمد على تفاعل أفراد المجتمع، وإظهار قدر من المسؤولية تجاه كل ما يحدث في المنطقة ككل.
والحال أن الوعي الأمني لدى المجتمع خلال الأيام الماضية واجه تحديات وتصادم بين من أظهر فهمًا عميقًا ومرونة في التكيُّف مع متطلبات هذه الأزمة، وبين من اجتَّرته إلى مزالق الاستفادة من تداعياتها رغبة في التحليق مع (الترند) الأمر الذي جعل البعض يخوض في حوارات ومناورات كلامية لا يُراد منها سوى الفرقة والنزاع والغلو في الشقاق، بل إن هناك من كشف عن قصد أو بغير قصد عن مواطن القوة في المجتمع وما يحدث داخليا مما استغله الآخرون بأشكال سلبية.
ولأن وسائل التواصل الاجتماعي والوسائط الإعلامية الإلكترونية تمثِّل بيئة خصبة لمثل تلك النزاعات القولية والبصرية، ومجالا للنشر والتسابق إلى (الترند)؛ فإنها مثَّلت ساحة غنية لمثل تلك المهاترات التي أشعلت فتيل الفراق والشتات، وأسهمت في نشر المعلومات المظللة والبيانات الملفقة، بل وحتى الصور المختلقة التي قدَّمت صورة باهتة للوعي الأمني الذي يُفترض أن يكون في مثل هذه الظروف في الواجهة التي تحمي المجتمع.
إن الأصل في وسائل التواصل الاجتماعي أن تكون نافذة للوعي الأمني تقود الحِراك السلمي الذي يُعزِّز حماية الوطن، ويبني الوعي الفكري لأفراد المجتمع؛ ذلك لأن المبدعين القائمين عليها يُفترض بهم الثقة والوعي التام بأهمية ما يقدمونه وما يقولونه من محتوى اجتماعي وثقافي يأخذ بعين الاعتبار مصلحة الوطن، وأهمية حمايته من ناحية، وعلاقاته مع الدول الأخرى في المنطقة والعالم من ناحية أخرى.
فوسائل التواصل الاجتماعي اليوم تقوم بمهام الدبلوماسية الرقمية التي تتخذ من الصدق والأمانة والتواصل الفاعل مرتكزات لها في الوصول إلى الآخر، وهي في ذلك تهدف إلى إرساء مفاهيم السلام والحوار، وحماية مصالح مجتمعها ما يجعل دورها اليوم يظهر في أشكال جديدة في ظل الأزمة والصراع؛ إذ يُراد منها الاتكاء على تلك المرتكزات، والمشاركة في تنمية الوعي الأمني لدى أفراد المجتمع، وتعزيز مرونتهم الفكرية؛ للتكيُّف مع المتغيرات بإيجابية وفاعلية.
والحق أنه على الرغم من تلك الإشكالات التي واجهت المجتمع في بداية الأزمة، إلاَّ أنه اليوم يظهر المزيد من الوعي بأهمية المشاركة والتعاون في حماية الوطن والذود عنه، والتفاعل مع التوجيهات الوطنية الأمنية، والحرص على تحري الصدق والأمانة في نقل الأخبار والمعلومات. ونحن نجد أن في ذلك تمرينًا وتجربة مهمة لتنمية الوعي الأمني لدى أفراد المجتمع وقدرتهم على مواجهة التحديات، والتعامل الآمن مع المتغيرات.
إننا اليوم جميعًا فاعلون في حماية وطننا والذود عنه بالكلمة والفعل والممارسة الآمنة في التعامل مع ما ننشره من محتوى في كافة وسائل التواصل الاجتماعي، بل حتى في تجمعاتنا الاجتماعية العامة إضافة إلى تعاوننا ومشاركتنا الإيجابية مع التوجيهات الأمنية التي تقدمها الدولة؛ فحماية الوطن تعتمد على وعيينا الأمني والفكري؛ وبالتالي قدرتنا على التفاعل الإيجابي بوصفنا مواطنين ومقيمين على هذه الأرض التي لا تنبت إلاَّ طيبا، ولا ينبغي أن تحصد سوى ثمار ذلك النبات الطيب.
عائشة الدرمكي باحثة متخصصة فـي مجال السيميائيات وعضوة مجلس الدولة
