لماذا الحرب؟

07 مارس 2026
07 مارس 2026

سؤال «لماذا الحرب؟» كان موضوع مناظرة فكرية بين عالم الفيزياء المعروف ألبرت أنشتاين وعالم النفس الكبير سيمغوند فرويد عام 1932، في أعقاب الحرب العالمية الأولى وتشكيل عصبة الأمم كمنظمة دولية تهدف إلى منع الحروب والحفاظ على الأمن والسلم الدوليين، وفشلت لاحقًا في تحقيق هذا الهدف مما أدى الى نشوب الحرب العالمية الثانية.

خلاصة هذه المناظرة الأشهر في النصف الأول من القرن العشرين هي أن الحروب تعتبر المشكلة الأكثر خطورة على البشرية والتي تهدد وجودها بحكم التقدم الكبير في الأسلحة المدمرة، وأن مستقبل البشرية يبقى مرهونًا بمدى نجاحها في وضع حد لهذه الحروب أو التقليل من مخاطرها.

ويقول عالم الاجتماع الانجليزي هربرت جورج ويلز (إذا لم نقضِ على الحرب فإنها ستقضي علينا).

حاليًا يشهد العالم حربًا دامية في منطقتنا شنتها الولايات المتحدة الأمريكية واسرائيل على الجمهورية الاسلامية الايرانية، دون مبرر مقنع أو مصلحة حقيقية للولايات المتحدة الأمريكية أو دول المنطقة، باستثناء إسرائيل التي بذلت جهودا كبيرة لإشعال فتيل هذه الحرب بدافع من أساطير منسوبة للتوراة تتعلق بتحقيق حلم اسرائيل الكبرى، وهذا لم يعد خافيًا على أحد، وعلى اعتبار أن إيران هي القوة الإقليمية التي لاتزال تعيق حلم رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو باقامة مملكته من النيل الى الفرات، ومشروعه لتقسيم المنطقة والهيمنة عليها والسيطرة على ثرواتها والممرات المائية فيها.

وللمرة الثانية في غضون عدة أشهر تقوم الولايات المتحدة وإسرائيل بمهاجمة الجمهورية الاسلامية الايرانية مع وجود مفاوضات غير مباشرة بين الجانبين الأمريكي والإيراني برعاية سلطنة عمان، ويتم تقويض فرص السلام وإمكانية حل المسائل الخلافية من خلال الحوار.

وهنا يبرز مفهوم جديد في العلاقات الدولية (التفاوض بهدف تبرير الحرب) بمعنى آخر إن الولايات المتحدة الأمريكية لم تكن جادة في الموافقة على إجراء المفاوضات مع الجانب الايراني للوصول الى اتفاق يمنع الحرب ويحقق السلام، بل من أجل كسب الوقت، وإقناع الرأي العام الأمريكي والعالمي بأنه تم إعطاء فرصة للدبلوماسية والحوار لكن إيران لم توافق على الشروط ولم تتجاوب مع المطالب الأمريكية، بالرغم سعي المفاوض الإيراني الجاد للوصول إلى اتفاق متوازن وكذلك جهود الوساطة العمانية لتذليل العقبات وتقربب وجهات النظر فيما يتعلق بالملف النووي الإيراني الذي هو موضوع المفاوضات؛ مما يتضح أن الهدف الحقيقي للولايات المتحدة الأمريكية ليس الوصول إلى اتفاق بشأن الملف النووي الإيراني وإن كان يتضمن تطمينات كافية لعدم امتلاك ايران أسلحة نووية وكذلك التخلص من المخزون عالي التخصيب من اليورانيوم، بل هدفها تغيير نظام الجمهورية الاسلامية في إيران سلمًا أو حربًا وهو ما أدى إلى نشوب الحرب الحالية.

وتحاول اسرائيل، وبأساليب متعددة، دفع دول مجلس التعاون الخليجي وبعض الدول الكبيرة في الإقليم وكذلك دول أوروبا وحلف الناتو إلى الانخراط في هذه الحرب إلى جانبها وحليفها الأمريكي، وهذا ما لا يجب أن يحدث.

إن كلفة هذه الحرب ومنذ أيامها الأولى باهضة على المنطقة والإقليم والعالم وعلى أمن الطاقة والاقتصاد العالمي، وقد تتأثر سلاسل الإمداد إذا استمرت الحرب لمدة طويلة، هذا بالإضافة إلى ارتفاع كلفة التأمين على الشحن والنقل البحري مما يؤدي إلى ارتفاع أسعار السلع وخاصة الأساسية منها.

إن القيادة الايرانية بشقيها السياسي والعسكري مطالبة بضبط النفس وعدم الاعتداء على جيرانها في دول مجلس التعاون الخليجي أو دول الجوار الأخرى، وهي بحاجة في هذه المرحلة إلى كسب هذه الدول وعدم استعدائها، وكذلك تأكيد النفي الواضح لأي أعمال عدائية لم تقم بها القوات الإيرانية تجاه دول الجوار، لأن خلط الأوراق والاصطياد في الماء العكر وارد الحدوث من قبل جهات عديدة هدفها نشر الفوضى والخراب وتحميل ذلك إيران.

أما الولايات المتحدة الأمريكية وهي الدولة الأقوى والأكثر نفوذا في العالم فعليها مسؤوليات كبرى تجاه الأمن والسلم الدوليين ومن المؤمل أن تسود الحكمة في دوائر صنع القرار الأمريكية والعودة إلى التفاوض والحوار للخروج من هذا المأزق الذي وضعت نفسها فيه.

وفيما يتعلق بروسيا الاتحادية وجمهورية الصين الشعبية، وهما الدولتان الكبيرتان والعضوان الدائمان في مجلس الأمن الدولي، فدورهما لا يزال متواضعًا ومساعيهما لوقف الحرب لاتزال غير كافية وغير متناسبة مع حجم المخاطر التي قد تنتهي اليها هذه الحرب، إذا طال أمدها وتوسعت رقعتها وازدادت تأثيراتها الأمنية والاقتصادية والسياسية على الاستقرار العالمي، وكذلك هو الحال بالنسبة للاتحاد الأوروبي الكتلة السياسية والاقتصادية الكبيرة والمؤثرة في العالم.

إن وقف هذه الحرب والعودة إلى الحوار واحترام سيادة الدول والالتزام بمبدأ عدم الاعتداء هو في مصلحة البشرية جمعاء والأمن والسلم الدوليين.

د. سعيد بن محمد البرعمي كاتب عماني