No Image
روضة الصائم

جبل شمس ووادي النخر

07 مارس 2026
07 مارس 2026

د. محمد بن هلال الكندي -

يُمثل جبل شمس أعلى قمة جبلية في سلطنة عُمان، ويُعد من أبرز المعالم الطبيعية في البلاد من الناحية الجيولوجية والسياحية على حد سواء. وينتمي هذا الجبل إلى الامتداد الغربي لسلسلة الجبل الأخضر، ويُعرف محلياً باسم "جبل القنة". ويتميز بوعورته الشديدة وانحداراته الحادة، ولا سيما من جهته الشمالية، حيث يهبط بشكل دراماتيكي نحو أحد أعظم المعالم التضاريسية في السلطنة، وهو وادي النخر.

ويُعد وادي النخر من أعمق الأخاديد في شبه الجزيرة العربية، إذ يزيد عمقه على ألف متر في بعض المواضع، ولذلك يُطلق عليه في كثير من المؤلفات العلمية والسياحية اسم "أخدود عُمان العميق"، تشبيهاً له بأخدود نهر كولورادو في الولايات المتحدة. ويتيح الوقوف على حافة ما يُعرف بـ"شرفة النخر" في جبل شمس رؤية بانورامية مهيبة لمقطع صخري متكامل، تظهر فيه الطبقات الرسوبية الجيرية متتابعة بشكل واضح، كأنها صفحات مفتوحة من سجل الأرض الجيولوجي. وتحتوي هذه الطبقات على أحافير متنوعة وتشكيلات صخرية تعكس البيئات البحرية القديمة التي ترسبت فيها.

ويتكون جبل شمس ووادي النخر من صخور رسوبية متعددة، يغلب عليها الطابع الجيري، وقد ترسبت في بحار ضحلة خلال فترة زمنية طويلة امتدت من العصر البرمي حتى العصر الطباشيري، أي فيما بين نحو 270 مليون سنة و80 مليون سنة مضت. وتشير هذه الصخور إلى أن المنطقة كانت في تلك الأزمنة مغمورة بمياه بحرية دافئة، تراكمت فيها الرواسب الكلسية الناتجة عن أصداف الكائنات البحرية وهياكلها، ثم تعرضت لاحقاً لعمليات رفع تكتوني أدت إلى تكوين السلسلة الجبلية الحالية. وتُظهر الطبقات الصخرية في الأخدود طيات وكسوراً جيولوجية ناتجة عن الحركات التكتونية المرتبطة بتشكل جبال الحجر، مما يجعل الموقع مختبراً طبيعياً مفتوحاً لدراسة تاريخ القشرة الأرضية في شمال عُمان.

ولا تقتصر أهمية جبل شمس على بنيته الصخرية، بل يمتاز أيضاً بوجود عدد من العيون المائية التي تنبع من جوانبه، ويعود مصدرها إلى المياه الجوفية المتجمعة في الطبقات الصخرية. وتسهم أمطار فصل الصيف في تغذية هذه الخزانات الجوفية ورفع منسوب المياه فيها، مما يساعد على استمرار تدفق بعض هذه العيون، ولو بكميات محدودة، في بيئة يغلب عليها الجفاف. وقد شكّلت هذه الموارد المائية المحدودة أساساً لقيام تجمعات سكانية صغيرة على سفوح الجبل وفي أوديته.

وتنتشر على امتداد جبل شمس مجموعة من القرى الجبلية المتناثرة، وهي في معظمها قرى صغيرة لا يتجاوز عدد منازل بعضها بضع وحدات سكنية. وتعكس هذه القرى نمط الحياة الجبلية التقليدية، حيث بُنيت المنازل من الحجارة المحلية والجص وأخشاب الأشجار التي تنمو في المنطقة، مثل العرعر والعتم. وتمتاز بعض القرى بكثافة سكانية نسبية، مثل قرية مسفاة العبريين، التي لا تزال مأهولة وتحافظ على طابعها المعماري التقليدي، في حين أصبحت قرى أخرى مهجورة أو شبه مهجورة، مثل ساب والمدرة، ولم يبقَ منها سوى أطلال المساكن القديمة شاهدة على حياة كانت نابضة في تلك المرتفعات.

ويُعرف جبل شمس أيضاً بنقائه البيئي وهوائه المنعش، إذ تنخفض درجات الحرارة فيه مقارنة بالمناطق المنخفضة، مما يجعله وجهة مفضلة للزوار خلال فصل الصيف. وتوفر مرتفعاته وتفرعاته الصخرية مواقع مثالية للتخييم والاستراحة، كما تمنح إطلالاته الواسعة مشاهد خلابة لشروق الشمس وغروبها، حيث تتدرج الألوان على جدران الأخدود الصخرية في لوحة طبيعية آسرة. وتضفي القرى الجبلية المتناثرة على السفوح بعداً إنسانياً على المشهد الطبيعي، فيتداخل جمال الطبيعة مع أثر الإنسان في تناغم فريد.

وبذلك يجمع جبل شمس بين العظمة الجيولوجية والثراء الطبيعي والبعد التراثي، ليبقى أحد أهم المواقع التي تجسد تنوع تضاريس عُمان وعمق تاريخها الطبيعي الممتد عبر مئات الملايين

من السنين.