ثقافة

سومر شحادة: "منازل الأمس" أقرب روايات الثلاثية إليَّ

06 مارس 2026
استغرقه التخطيط لها ست سنوات
06 مارس 2026

*جزء من الرواية السورية لم يعد يختلف عن نشرة الأخبار

*يجب ألا يصبح فن الرواية مجرد استثمار لموقف سياسي

*نهاية روايتي "الآن بدأت حياتي" تسبَّبت في ملامة القرَّاء

تنهض رواية "الهجران" للكاتب السوري سومر شحادة على فكرة غياب الأب عن العائلة، مما جعل علاقة الابن زياد بوالدته علاقة درامية. كان شديد التعلُّق بها، إلى حد أنه لم يعرف كيف يرتبط، أو يحكي مع فتاة، إلا بعد وفاتها.

أثناء كتابته الرواية فكر سومر في غياب الأم أيضاً، وفكَّر كذلك في غياب الابن، ورأى أن يكتب هذين الاحتمالين في روايتين منفصلتين، وهكذا خطط لكتابة عملين آخرين هما "منازل الأمس" و"الآن بدأت حياتي" لتصبح ثلاثية، كل ضلع منها يناقش فكرة الغياب، فقدان الأب، فقدان الأم، وغياب الأبناء. هنا حوار مع سومر شحادة حول هذه الثلاثية.

كم وقتاً استغرقك التخطيط ورسم الشخصيات وبناء الأحداث للثلاثية؟

كان استغراقاً طويلاً استمر ست سنوات، وأخذ شكله مع الكتابة نفسها، لا قبلها. ما كان واضحاً فقط هو ذلك الخيط الشفيف الذي يجمع مصائر سكان تلك الروايات، قبل أن أحددهم بالكتابة في صورة شخصيات واضحة، أعطيها هويِّات محدَّدة، ومصائر خاصة بها.

كيف استقبل القراء الأعمال الثلاثة؟ وأيّها كان الأشد تأثيراً؟

نهاية إياس في "الآن بدأت حياتي" حملت إليَّ نوعاً من الملامة من القرَّاء، وكذلك قرار نسرين في "منازل الأمس" بأن تفكِّك عائلتها. طبعاً أحمل هذه الملامة لأنني الكاتب، لكنها ليست مسؤوليتي تماماً، إذ لم أقدر على أن أثني نسرين عن قرارها، وبعد 22 مرة من كتابة النص، بدا لي، ألا مناص من حدوث الانفصال. وبالنسبة إلى إياس، حاولت أن أخرجه بأقل الخسائر مما كان عالقاً فيه. لكن الرواية، مثلها مثل الحياة، كثيراً ما تُصاغ لحظاتها الكبرى بالألم، أحياناً يبدو تجنُّب الألم، أمراً طفولياً، لا يتقبّله عالم العاطفة.

أصدقائي في اللاذقية أحبوا رواية "الهجران" أكثر، بينما أحبَّ "الآن بدأت حياتي" مَن هم خارجها، وإن أتيح أن أُشرك نفسي في السؤال، فالأقرب إليَّ هي "منازل الأمس". استقبال النص يختلف بين قارئ وآخر، لأن البشر مختلفون في تجاربهم، ونحن نقرأ الروايات بتجربتنا الحياتية، إلى جانب تجربتنا الثقافية، وتراكم قراءاتنا. أحياناً تصنع مجموعة مشتركات مزاجاً عاماً حول قصة بعينها، وأحياناً توجد عوامل من خارج الكتابة تساعد نصاً أكثر من آخر، مثل ترشيحات الجوائز ووقت النشر ومكانه. في النهاية، الكتب تصنع مصائرها.

لم تكتب مباشرة في السياسة، بل انشغلت بالعيش العادي والفن. ما أثر التعامل المباشر مع السياسة في الأدب؟ وكيف تقرأ الرواية السورية من هذا الجانب؟

لديَّ اعتقاد أن الروائي حتى في السياسة، يكتبُ كروائي، وظهور السياسة في الرواية، يجب أن يحتكم إلى اعتبارات الفن، لا إلى اعتبارات اللحظة السياسية. بالنسبة إلى الرواية السورية، جزء منها لم يعد يختلف عن نشرة الأخبار، وتشعر معه بمسافة بين الحدث والنص، وأيضاً بين الكاتب والحدث، وكأن هذا النموذج من الرواية، قد كُتب أمام الشاشة لا في الواقع عينه.

أنا ممن عاش سنوات الحرب كلها، أو الثورة، أو الاقتتال الأهلي، مقيماً في سوريا. وأستطيع أن أزعم على الأقل من تجربتي، أن السياسة لم تكن تظهر في حياتنا بالصورة التي تظهر في كثير من الروايات التي كنا موضوعها. فالسياسة كانت تظهر في الحياة كشبح، كولاء، كعقوبة. وحتى عندما تظهر كاعتقال أو قتل، فهي تظهر ضمن معطيات أشمل وأكثر التصاقاً بفكرة العيش، لا في النظريات والمواقف.

في المقابل، الحرب بالنسبة إلى مَن لم يعشها، كانت معسكراتٍ متصارعة، وأصبحت رواياتهم متراساً عقائدياً في الكثير من الحالات. أما بالنسبة إلى مَن عاشها، فقد كانت تفاصيل عيش قاسية، ومصائر حادة أُلقيت علينا. أعتقد أن التعامل المباشر للسياسة مع الأدب، قد يفقد الأدب قدرته على التأثير العاطفي في القارئ، ويفقد الروائي أهم أدواته: قراءة المصير الإنساني الواسع. لا أقصد ألا يحمل الأدب موقفاً، على العكس، كتبي كانت جميعها ممنوعة، ولم أجرؤ على عرضها في سوريا، إلا في نسخ قليلة تداولها الأصدقاء -وهذا منع عني وجودَ قارئ سوري للروايات- لكن ما قصدته، ألا يتفوَّق ما هو سياسي وطارئ، على ما هو إنساني، وأن تحضر السياسة كجزء من أدوات الحياة التي يستثمرها الفن، لا أن يصبح فن الرواية مجرد استثمار لموقف سياسي. وأظن أن القصة السورية، قد نجت أكثر من الرواية، في هذا الجانب.

ماذا أردت أن تقدِّم لمدينة اللاذقية؟ وكيف تراها في خيالك؟

اللاذقية مدينة متوسطية. وفي طبيعتها جمالٌ استثنائي، كما أن فضاءها الاجتماعي منفتح ومتعدِّد. لكنها مدينة لصيقة بفكرة الهامش، وقد عُرفت بأنها مدينة "الرئيس". النماذج التي حاولت أن أقدّمها في الروايات الثلاث هي نماذج تعارض نظامه، إما معارضة صريحة أو معارضة الاحتقار البارد. وهذه أكثر النماذج التي كنتُ ألتقي معها، وأحتك بها في حياتي اليومية. وقد حاولت أن أقدِّم صورة مختلفة عن اللاذقية غير الصورة المكرَّسة عنها، سواء من النظام أو من معارضته، الناعمة أو الجهادية. فالتعميم أكثر ما يخدم البنى السياسية والفكرية المغلقة، والروايات الثلاث تنفي هذا التعميم وتدحضه. أظن أنني كتبت من زاوية خَبرِتُها بنفسي، لقد كتبتُ عن عالم أليف كان يحيط بي.

هل يمكن أن تكرر التجربة مع مدينة أخرى؟

لا أظن. كتبت عن اللاذقية، أو عن عالم سكانها، لاعتبارات الارتباط بالمكان ومعرفته، والقرب من ناسه. أشك أن يتكرر هذا مع مدينة ثانية.

ما الثلاثيات الأكثر تأثيراً عليك في الأدب العالمي؟

الثلاثيات التي ساهمت في مزاجي أثناء الكتابة لم تكن من الأدب، بل من السينما. الأولى ثلاثية الشقة لرومان بولانسكي: "اشمئزاز" (1965)، و"طفل روزماري" (1968)، و"المستأجر" (1976). وهي ثلاثية رعب نفسي تكشف إلى أي حد يمكن للإنسان أن يكون عدوَّ نفسه، وإلى أي حد يمكن أن يهاب الآخرين.

والثانية هي ثلاثية الألوان لكريستوف كيشلوفسكي: "أزرق" (1993)، و"أبيض" (1994)، و"أحمر" (1994). وشعرت معها أن الجماليات هي التي تحفر وتبقى، حتى لو كانت جماليات تتناول الحزن والأسى والفقد والاكتئاب. أحياناً تأتي قيمة هذه التفاصيل من قدر استلابنا لها.

تصدر لك قريباً عن "الآداب" رواية جديدة بعنوان "حكاية السيد البرغي". هل تنتمي إلى المناخ نفسه الذي اشتغلت عليه في الثلاثية؟

أظن أن المشترك هو اللحاق بمصير الأفراد. لكنها رواية مختلفة، لأنها تنقل الاشتغال من المدينة وعلاقات ناسها، إلى اصطلاحٍ تفترضه، هو "نظام الآلة"، وحيث الرقابة الشاملة على الفكر والحياة، تعيد تعريف كلَّ شيء، حتى الحب، بوصفه "إجراء"، كما تُحوّل الرقابة إلى شيء داخلي، حيث يراقب الإنسان نفسه بنفسه.

وهي رواية ديستوبيا، في النهاية، تتصل بالواقع بحدود، حيث الرقيب/ السيد البرغي يقرأ رواية داخل الرواية، ومع القراءة يبدأ عالمه بالانهيار. أردتُ أن أختبر تأثير الأدب في القارئ، حتى لو كان رقيباً مكلَّفاً. ومع تغيُّرات الرقيب، تتكشف القصة عن ندمٍ قاسٍ، مع إدارك السيد البرغي أنه استهلك حياته، وفرصته بالعيش، في مكانٍ خاطئ.

ما يشغل النص أخيراً، ليس النظام، إنما ذلك الشعور المتأخر بالانتباه، حين ينتبه السيد البرغي أنه أمضى حياته داخل عقلهِ، داخل نظام ذهني، داخل فكرة أدرك زيفها في لحظة لم يعد قادراً فيها على أن يفعل شيئاً حيال خساراته. ويسيطر على الحكاية ميلٌ إلى نزع الدفء والمعنى عن الأشياء التي نعدّها إنسانية، مثل الحب وحرية الاختيار والرحمة، وتحويلها إلى صيغ باردة ومفاهيم فارغة من التجربة الحية. بهذا المعنى، النص، بوصفه ديستوبيا، هو تحذير، وإن كان تحذيراً متأخراً بطبيعة الحال، وكأن العيش أصبحَ فخاً.