لست أنا من يكتب لكم
من فرط ما زارنا الحزن صرنا نحن الضيوف، هذه صورة شعرية صدرت عن روح شعرية شابة في غزة، هذه الروح اسمها الشاعر يزيد جبر شعث، والله لو كتب يزيد هذه الصورة وحدها لكن ذلك يكفيه جمالا وعمقا وذكاء.
بعيدا عن الكليشيهات التي استهلكناها عن الحرب على غزة، وعن فكرة أن الإبادة أنتجت شعراءها في غزة، وعن لغة الشعر الجديدة التي كتب عنها الكثير، وعن معجزة شعب يحب الشعر والحياة وعن جبروت الشعر حين يخرج من ذهن وقلب غزاويين في ظل مجزرة مستمرة، بعيدا عن كل ذلك، ولكن ليس بعيدا جدا، فكليشهات غزة ليس مبتذلة ولا مملة( فالاندهاش من معجزة الابداع الفني في ظل موت مستمر وسيظل مستمرا) أقدم لكم بفرح كبير تجربة شعرية مميزة، هي كتاب شعري صدر هذا العام عن الاتحاد الكتاب الفلسطينيين برام الله بإخراج فني جميل لسناء صباح وبعدد صفحات 129 من القطع المتوسط( لست أنا من يكتب لكم) للشاعر الشاب الذي بزغ كما شهاب في المشهد الشعري الفلسطيني يزيد جبر شعث.
بزوغ موهبة يزيد طبيعية ومتوقعة فالمناخ الثقافي الذي يعيش فيه، يسرّع بها بل ويصيغها ويذهب بها الى اتجاهاتها الطبيعية، فهو ابن الشاعر المعروف جبر شعث، وابن أخ الشاعر الغزي المغترب نصر شعث، الحياة في هذه البيئة الخصبة ثقافيا، علاقات الوالد والعم والمكتبتين الضخمتين، كل ذلك لا يمكن إلا أن ينتج شعراء أو على الأقل قراء مميزين، لكن ليس كل ابن شاعر يمكن أن يكون شاعرا حقيقيا، والتجارب كثيرة، في فلسطين والعالم العربي، معظمها سقطت في الطريق أمام تحديات الموهبة غير المكتملة أو غير الطبيعية.
حين أرسل لي الشاعر يزيد جبر كتابه استقبتله بحذر وتردد، فتجربتي مع أبناء الشعراء الأصدقاء غير جيدة، فكثير منهم يدخل الى عالم الشعر مستعجلا ومعتقدا بأن له الحق بأن يكون شاعرا مثل أبيه، وسط تواطؤ وأمل من الوالد الذي يتمنى وهذا حقه بأن يصبح ابنه شاعرا أفضل منه.
لكن المفاجأة كانت مختلفة، التجربة بالفعل غنية وخاصة، وقد استمتعت جدا في قراءتها وتقاسمت مع طلابي في مجموعات الفيس والواتساب الاندهاش بها، يكتب الشاعر الشهير عثمان حسين في مقدمة الكتاب: (إن ما يلفت الانتباه الى هذه الشعرية الجديدة هي تجربة الشعراء العشرينيين حيث وجدوا أنفسهم وسط معاييرأدبية مختلفة، وقاموس شعري مشترك مع شعراء لهم باع طويل في الكتابة فالمعاناة واحدة والتعبير عنها بنفس المفردات مع بعض الاختلاف في طبيعة التجربة بحكم الجيل الذي ينتمي اليه الشاعر).
وفي قراءة سيميائية مميزة يصف الكاتب ماهر محمود هذه التجربة بأنها (تنتمي إلى نصوص ما بعد الصدمة، حيث تتحول الكتابة من فعل جمالي إلى أثر وجودي، ومن خطاب تعبير إلى شهادة لغوية على انكسار الذات والعالم معا، مصيفا أن هذا الكتاب. لا يقدم إجابات، بل يوسع دائرة السؤال، ويضع القارئ أمام مسؤولية أخلاقية تجاه اللغة، والحياة، والإنسان في زمن الإبادة).
ثمة حساسية جديدة في هذا الكتاب تلتقي في بعض دوائرها بالهم العام والامنيات لكن فيها الكثير من الكثير من العجز عن الإجابة:
كثيرة هي الأسئلة قليلة هي الأجوبة
ربما
تكون الاجابة هي السؤال
والسؤال غارق في التيه مثلي.
ويبقى الموت هو الموتيف السائد ولكن ليس الوحيد في تجربة شعراء غزة وها هو يظهر في قصائد عشرينييها ولكن هذا الظهور يأتي على شكل أمنيات مستحيلة:
هل للموت أشكال أخرى
غير ما نعرف
كأن نموت مطمئنين على أجسادنا
وحديثة المنزل؟
لماذا نفرح حين يولد شاعر شاب في غزة تحديدا؟ ولماذا تفرح غزة حين تهدي العالم شاعرا شابا؟ ألأن الشعر مهنتنا وملجؤنا؟ نحن الفلسطينيين الذين ما زلنا نسكن مع الدمار في شقة واحدة، أم لأن غزة تستحق هذا الميلاد؟ فهي ولاّدة هذا النوع الحديث والحار والصادق والطازج من الأدب والفن، أم لأن الشعر طريقة غزة في قول الحب والتعبير عن الحزن.؟ أم لأن غزة لا تمتلك سوى القصيدة لتثبت للعالم أنها تستحق الحياة.
