حرب ترمب الاختيارية المحفوفة بالمخاطر في إيران
كثير من الممكن أن يُقال عن القرار الذي اتخذته الولايات المتحدة بمهاجمة إيران ــ وعن النتائج التي قد تترتب على الضربات الأمريكية والإسرائيلية المشتركة ضد أهداف عسكرية وسياسية في مختلف أنحاء إيران. من المؤسف أن قليلا من كل ذلك يبعث على الاطمئنان.
أولا وقبل كل شيء، هذه حرب اختيار. كان لدى الولايات المتحدة خيارات سياسية أخرى متاحة. فقد بدت الدبلوماسية واعدة كوسيلة لمنع إيران من تطوير أسلحة نووية. وكان من المحتمل أن تُفضي الضغوط الاقتصادية المتزايدة بمرور الوقت إلى التعجيل بتغيير النظام.
علاوة على ذلك، هذه حرب وقائية وليست استباقية. فلم تشكل إيران تهديدا وشيكا لمصالح الولايات المتحدة الحيوية. لم تكن إيران على وشك أن تصبح دولة حائزة للأسلحة النووية أو أن تستخدم الأسلحة التي تمتلكها ضد الولايات المتحدة. على أقصى تقدير، كان التهديد الذي تشكله إيران تهديدا متزايدا.
هذا التمييز مهم. إن العالم الذي تعتقد فيه الدول أن لها الحق في شن ضربات وقائية ضد من تعتبرهم تهديدات سيكون عالما يسوده الصراع المتكرر. ولهذا السبب لا مكان لمثل هذه الأفعال في القانون الدولي.
اختار الرئيس الأمريكي دونالد ترمب هدفا ــ تغيير النظام ــ سياسيا وليس عسكريا. ولكن في حين أن القوة العسكرية قادرة على التدمير والقتل، فإنها لا تستطيع بمفردها إحداث تغيير في النظام، الذي يتطلب انهيار النظام. من الممكن أن يؤدي الهجوم الأمريكي إلى انشقاقات في القيادة السياسية والقوات المسلحة الإيرانية، ولكن من غير الممكن الاعتماد على ذلك.
تُذَكِّرُنا واقعة حماس وغزة بأن الأنظمة قادرة على تحمل عقوبات لا تصدق وتظل متشبثة بالسلطة. وحتى لو سقط علماء الدين من السلطة ــ تشير بعض التقارير إلى أن المرشد الأعلى علي خامنئي قُتل ــ فإن قوات الأمن هي الأفضل تجهيزا لشغل مكانهم.
على أية حال، من غير المرجح أن ينجح استخدام القوة العسكرية لقتل قادة مختارين كوسيلة لإحداث تغيير في النظام ــ وهو تكتيك يُسمى غالبا بقطع الرأس ــ في إيران، حيث أضفت القيادة طابعا مؤسسيا على نفسها منذ توليها السلطة قبل ما يقرب من نصف قرن من الزمن. علاوة على ذلك، كان لدى القيادة الوقت الكافي لتحسين التخطيط لخلافة الزعامة خلال الأسابيع القليلة الماضية مع تزايد احتمالات اندلاع الحرب.
خلال غزوها لفنزويلا في يناير، اكتفت إدارة ترمب باستبدال زعيم واحد (متجاهلة المعارضة الداخلية تماما)، بينما تجنبت في معظم أنحاء العالم الضغط لفرض الديمقراطية. لكن في حالة إيران، دعا ترمب إلى تغيير النظام ــ دون أن يمهد الطريق لذلك. فالمعارضة السياسية ليست موحدة ولا تعمل كحكومة في انتظار، وهذا يعني أنها غير قادرة على قبول الانشقاقات، ناهيك عن توفير الأمن.
يشير التاريخ إلى أن تغيير النظام يستلزم وجودا ماديا على الأرض. هذا هو الدرس المستفاد من ألمانيا واليابان بعد الحرب العالمية الثانية، ومن بنما والعراق وأفغانستان في زمن أقرب إلى الوقت الحاضر. وحتى مع الوجود على الأرض، غالبا ما تفشل مثل هذه الجهود. وفي إيران، الاحتلال أمر لا يمكن تصوره، نظرا لحجم البلاد وقدرتها على المقاومة.
كل هذا يعني أن إدارة ترمب اختارت تحقيق أهداف السياسة الخارجية الأكثر طموحا بوسائل محدودة. ويبدو أنها رفضت خوض حرب اختيارية بأهداف أضيق، مثل إضعاف القدرات النووية والصاروخية الإيرانية المعروفة، حتى وإن كان من الممكن أن تدّعي بقدر من المصداقية أنها حققت هذه الأهداف.
إذا كان هناك مثال حديث مشابه لما يحدث في إيران الآن، فهو ليبيا، حيث أطاحت القوات الغربية قبل ما يزيد قليلا عن عقد من الزمن بالقيادة باستخدام القوة الجوية، لكنها انسحبت بعد ذلك، تاركة البلاد في حالة من الفوضى.
في حالة إيران، يبدو أن حشد وجود عسكري ضخم ــ ما أسماه ترمب "armada" (أسطول بحري بالإسبانية) ــ أدى في النهاية إلى الضغط على الإدارة لحملها على التحرك، لأن القوات الأمريكية من غير الممكن أن تظل في حالة استعداد عالية في الموقع إلى أجل غير مسمى. ونتيجة لذلك، ربما لعبت وسائل السياسة (القوة العسكرية) دورا كبيرا في تحديد غايات السياسة، أي قرار الهجوم. ومن الواضح أن هذا عكس الطريقة التي ينبغي أن تُتخذ بها القرارات السياسية.
بالنظر إلى الوراء، اختارت الولايات المتحدة مرة أخرى أن تتعهد بالتزام استراتيجي ضخم في الشرق الأوسط. وهذا يتعارض مع استراتيجية الأمن القومي التي روجت لها إدارة ترمب كما يتعارض مع حقيقة مفادها أن أكبر التحديات التي تواجه مصالح الولايات المتحدة توجد في أوروبا ومنطقة الهادي الهندي. وهنا يمكننا تمييز تشابه مع حرب العراق عام 2003، وهي حرب وقائية أخرى من اختيار الولايات المتحدة في المنطقة والتي كلفت الولايات المتحدة غاليا.
الشعب الأمريكي غير مستعد لهذه الحرب. وكذا الحال بالنسبة لقاعدة ترمب السياسية، لأنها ستؤدي إلى زعزعة استقرار الأسواق، وارتفاع أسعار الطاقة، وقد تستمر لفترة من الوقت. وحلفاء أمريكا أيضا غير راضين، لأن إيران هاجمت بالفعل عدة دول مجاورة وقد تتخذ خطوات تضر باقتصاداتهم. لم يستخدم ترمب خطابه عن حالة الاتحاد ليلة الثلاثاء للدفاع عن مهاجمة إيران، وركزت معظم تصريحاته في أعقاب هجوم السبت على تصرفات إيران في السابق وليس تهديدات جديدة أو ناشئة.
ربما كان قصف ثلاثة مواقع نووية إيرانية دون تكلفة العام الماضي والتدخل الأحدث في فنزويلا سببا في جعل ترمب والمحيطين به على قدر عظيم من الثقة في قدرتهم على تحقيق أهداف طموحة بوسائل محدودة وبتكلفة منخفضة. ربما استسلم أيضا لإغراء تحقيق إنجاز تاريخي في إيران ــ تغيير النظام ــ وهو ما فشل فيه أسلافه.
ربما لا يزال بإمكانه النجاح في تحقيق هذه الغاية. ولكن كقاعدة عامة، الدعوة إلى تغيير النظام أسهل من تنفيذه بنجاح. في حين لا يتطلب بدء الحرب سوى طرف واحد، فإن إنهائها يتطلب طرفين. إيران الآن لها رأي في الحجم الذي قد يبلغه هذا الصراع وإلى متى قد يستمر.
ـ ريتشارد هاس الرئيس الفخري لمجلس العلاقات الخارجية، والباحث المتميز في جامعة نيويورك، ومؤلف كتاب "وثيقة الالتزامات: العادات العشر للمواطنين الصالحين".
ـ خدمة بروجيكت سنديكيت
