No Image
روضة الصائم

أحافير الفيلة في منطقة عيدم بمحافظة ظفار

02 مارس 2026
تاريخ عمان الجيولوجي
02 مارس 2026

تقع منطقة عيدم في الجزء الجنوبي من محافظة ظفار، ضمن نطاق ولاية رخيوت وعلى امتداد جبل القمر في سلسلة جبال ظفار الغربية. وتمثل هذه المنطقة واحدة من أهم المواقع الجيولوجية والأحفورية في السلطنة، لما تحتويه من تتابعات صخرية غنية تسجل تحولات بيئية كبرى شهدتها المنطقة خلال عشرات الملايين من السنين. وتبرز أهمية عيدم في كونها تحتفظ بسجل واضح لمرحلة مفصلية من تاريخ الأرض، تعود إلى بدايات ما يُعرف بـحين الأوليجوسن، قبل نحو 35 مليون عام.

وتنتمي الطبقات الصخرية الأقدم في منطقة عيدم إلى ما يُعرف بتكوين أشوق، نسبة إلى وادي أشوق الواقع في جنوب محافظة ظفار. وتمثل هذه الطبقات تتابعات رسوبية تكونت في بيئات بحرية ضحلة ومستنقعات ساحلية وخيران بحرية، حين كانت مستويات سطح البحر مختلفة عما هي عليه اليوم. وتشير طبيعة الصخور وخصائصها الرسوبية إلى أن المنطقة كانت آنذاك عبارة عن سواحل منخفضة تحفها البحار الدافئة، وتتخللها دلتاوات وخيران تتراكم فيها الرواسب الدقيقة.

ونتيجة لهذه البيئات البحرية والساحلية، تحتوي طبقات عيدم على عدد هائل من الأحافير البحرية التي يمكن العثور عليها بسهولة في أنحاء متفرقة من المنطقة. فمن بين هذه الأحافير القواقع والمحارات والإسفنج البحري والمرجان وقنافذ البحر، إضافة إلى عظام وأسنان أسماك متنوعة. وتنتشر هذه البقايا الأحفورية بكثافة في بعض الطبقات، ما يعكس ازدهار الحياة البحرية في تلك الفترة. كما أن درجة حفظ العديد من هذه الأحافير تسمح بدراسة تفاصيلها الدقيقة، مما يوفر معلومات مهمة عن طبيعة البيئات البحرية القديمة ومستويات الملوحة ودرجات الحرارة السائدة آنذاك.

ولا تقتصر أهمية عيدم على سجلها البحري، بل تمتد إلى احتضانها لبقايا ثدييات برية عاشت بالقرب من تلك البحار الضحلة. فقد عُثر في المنطقة على عظام وأسنان تعود إلى أنواع من الفيلة المنقرضة والزرافات البدائية، إضافة إلى أسنان قردة بدائية وأنياب حيوانات تشبه وحيد القرن. كما وُجدت عظام لسلاحف وتماسيح تعود إلى الفترة نفسها، ما يشير إلى تنوع بيئي جمع بين الحياة البرية والمائية في نطاق جغرافي واحد. وتوجد أحافير مشابهة لهذه المجموعة أيضًا في ولاية طاقة بمحافظة ظفار، مما يدل على اتساع هذا النظام البيئي القديم عبر أجزاء واسعة من الساحل الجنوبي لعُمان.

وقد حظيت أحافير الفيلة المنقرضة في عيدم باهتمام خاص من قبل الجيولوجيين وعلماء الحفريات، لأنها لم تُدرس بعد بصورة تفصيلية كافية، وما زالت بحاجة إلى مزيد من البحث والتحليل لفهم موقعها في شجرة تطور الثدييات. وخلال السنوات الماضية، عُثر على مجموعة مميزة من العظام والأسنان والأنياب التي تعود إلى هذه الفيلة، بعضها محفوظ بحالة جيدة تسمح بإجراء دراسات مورفولوجية دقيقة. وقد تم تسمية أحد الأنواع البدائية المكتشفة باسم «عُماني ثيريوم ظفارنسي»، تكريمًا لارتباطه بعُمان وظفار، ما يعكس الأهمية العلمية للاكتشاف.

وتوفر المادة الأحفورية المكتشفة في عيدم عينات متميزة للعرض المتحفي، تسهم في تعريف الجمهور بتاريخ الحياة في ظفار خلال النصف الأول من حقبة الحياة الحديثة. وهذه الحقبة، التي بدأت بعد انقراض الديناصورات قبل نحو 65 مليون عام، شهدت تنوعًا واسعًا في الثدييات وتطورًا ملحوظًا في أشكالها وأحجامها. ومن خلال دراسة أحافير عيدم يمكن تتبع بعض المراحل المبكرة من هذا التطور، وفهم كيفية تكيف الكائنات مع البيئات الساحلية والبرية في تلك الفترة.

إن منطقة عيدم لا تمثل مجرد موقع جيولوجي محلي، بل تُعد سجلًا طبيعيًا متكاملًا يوثق تفاعلًا معقدًا بين البحر واليابسة، وبين الحياة البحرية والبرية، في مرحلة مهمة من تاريخ الأرض. فهي تقدم صورة عن ظفار حين كانت بيئة ساحلية غنية بالحياة، وتفتح آفاقًا واسعة للبحث العلمي في مجالات الجيولوجيا وعلم الحفريات وتطور الثدييات.