حين يتبدل البياض بالسواد في تراجيدية "الفستان الأحمر"
تسافر بنا سطور الرواية القصيرة "الفستان الأحمر" للكاتبة العمانية سليمة الراشدي، فتحدثنا عن حالة اجتماعية تكاد أن تجفَّ المحابر مما كُتب عنها ونُثر بين سطور الأوراق، ولكن كل كاتب يظفر بما صنعته مخيلته من إلهام، ويتميز كل واحد عن الآخر بفنيات كتابته، وينظر إليها بعدسته الخاصة.
أسقطت الكاتبة فكرتها منذ أول فقرة في الفصل الأول، مبتدئةً بتصوير المشهد الذي ربط بين قلبين في قصة درامية، حين جمعتهما أروقة الجامعة.
وسلطت الضوء على ما نراه أمام أعيننا من واقع يتكرر، إذ أرادت الكاتبة سليمة الراشدي أن تنقل صورة عن البيئة العمانية وبعض عاداتها وتقاليدها، بطريقة مبسطة وسلسة في طرح الفكرة، وهذا ليس بجديد عليها، فمن خلال قراءاتي المتكررة لمؤلفاتها وجدتها تسلط الضوء على ما نعايشه من واقع، أو على نحو شمولي في المجتمعات الأخرى، وهذا ما وجدته في روايتها "عذراء أنجولا"، وقد ازددت تشوقًا لقراءة كتاباتها الأخرى، فالكاتب العماني يستحق جلَّ الاهتمام، وترسيخ حضور نصوصه في قراءتنا لما نراه من تطور مشرف حين يُقرأ له في الوطن العربي خاصة، وفي العالم كافة.
استهل المشهد الأول تجسيد المشاعر الدفينة بين البطلة أسمهان وفارس أحلامها خالد، في نص مليء بالجماليات التي تثير إحساس القارئ، إذ تميز الوصف برونقه: "خرجت من تنور النار، فوجهها قد تشرب بالحمرة القانية، وارتفعت حرارتها، وجف ماؤها، وارتعدت فرائصها، وشحب وجهها، وصفقت رجلها، حينًا من الدهر، وارتعشت أصابعها، وسقط القلم من بينها مغشيًا عليه".
يُظهر هذا النص بداية موفقة، توضح مدى ما كان يسود الحبيبين من مشاعر عشق صادقة منذ أول لفتة، وهو ما يُعرف بالحب من أول نظرة.
ومع التعمق في الصفحات، يبرز التركيز على الآثار السلبية التي تقع على كاهل الطالب الجامعي حين ينشغل بغير المفروض عليه من دراسة أكاديمية، مما يؤثر في معدله الدراسي.
ثم تسير بنا البطلة في تخبطات الهوى الذي سمعنا عنه في قصص روميو وجولييت، وكذلك في قصص عنتر بن شداد ومعشوقته عبلة.
كم سمعنا من قصص يُرتكب فيها أخطاء في حق الأبناء، ففي هذه الرواية سنرى أبًا مريضًا نفسيًا بما يملكه من قسوة قلب، يمنع ابنته من مواصلة دراستها الجامعية، ويفرض عليها الزواج من ابن عمها، ويرفض تزويجها ممن كانت تنتظر تقدمه إليها لتكمل المسير معه وتشعر بجمال الحياة.
وهنا يبوح النص بسوادٍ وضيم: "فانتفضت كالطير الجريح، واختبأت بين الوسائد، وهي تبكي وتجهش، فأشبعها ضربًا مبرحًا بعصاه الطويلة، وأسرعت أمها لتعينها وطلبت النجدة من رجال المجلس".
تناقش الكاتبة الأضرار النفسية التي اعترت حياة أسمهان، والأيام التي تجرعت فيها مرارة الألم والسقم، حتى ألزمتها الفراش في أيام كئيبة مملوءة بالكمد، وكأنها ليست في عالم الأحياء بل في عالم الأموات.
ارتبطت أحزان الرواية بالأوقات التي كانت تنعزل بها أسمهان مع شجرة "البيذام"، وكأنها تقول لها: "وثقي كل ما في معاناتي التي ترافقني أينما ذهبت".
وفي النهاية يأتي ختام سرمدي يختم التصاعد الحزين، حين تلطخ فستانها الأبيض بالدماء، فبدلت الأفراح بالنحيب.
