عن رحيل امرأتين استثنائيتين
سيف الرحبي -
هذه الكلمات في رحيل امرأتين عظيمتين من بلاد الشام، ليلى شهيد من فلسطين ومن ثم لبنان والعالم، وسلمى مرشاق السورية اللبنانية المصرية، أخذهما هذا الأسبوع نهر الغياب الذي لا ينضب... وإذا كان هناك مَن كتبَ الكثير عنهما -ليلى شهيد خاصة- فبدوري ما استطعت أن أتذكر بمزيج من الأسى والامتنان بعض ذكريات شخصية أملتها محطات زمنية في مسار هذه الحياة السريع العاصف.
تعرفت على الدبلوماسية والمثقفة البارزة ليلى شهيد في (لاهاي) بهولندا، حيث أقمت عاماً هناك وكانت هي سفيرة فلسطين وقبل ذلك تعرفت عليها سريعاً في مأدبة غداء بالرباط بالمغرب بدعوة من زوجها الكاتب محمد برادة. لكن هولندا كانت مكان التعرف الحقيقي إلى شخصيةٍ استثنائية ثقافة وسلوكاً أخلاقياً وحضارياً رفيعاً. فشهيد تتحدر من عائلة مقدسية كريمة المحتدى ناحية والدها الطبيب والأستاذ الجامعي أو أمها المنتمية إلى عائلة الحسيني الوطنية المعروفة، وبجانب ليلى شهيد تعرفت في البلد إياه على الشاعر والمفكر اللبناني صلاح ستيتية سفير لبنان هناك. لكن ليلى كنت ألتقيها أكثر في المناسبات ودور الثقافة والفنون بين لاهاي وأمستردام أو حين يأتي إليها ضيوف من أهل الثقافة والمعرفة على الأرجح تدعوني إلى منزلها.
كانت العلاقة بها مكسباً ثقافياً وجمالياً بالغ الثراء في تلك البلاد الشمالية التي تُظلمُ منذ الساعة الرابعة وتقصفها البروق والرعود من غير هوادةٍ كما يقصفها هياج بحر الشمال المُزبدِ معظم الوقت.
قدّمت ليلى شهيد نموذجاً مشرقاً للسفير المثقف الملم بسياقات التاريخ والمعرفة في شتى تجلياتها وكانت تخوض سجالاتٍ حول القضية الفلسطينية والعربية في بلد شبه معادٍ لهذه القضية نتيجة للهيمنة المتعاظمة للحركة الصهيونية فيه، وكانت سواء في هولندا أو بفرنسا أكثر ذات صلة عميقة بمفكرين وأدباء بارزين على المستوى العالمي وورد ذكرها في أكثر من مدونة وكتاب لهم. كان استيعابها لثقافة المجتمعات الأوروبية وحركتها يجعل خطابها حول القضية والوطن السليب مقنعاً وباعثاً على التفكير والبحث لمن لا يعرف حقيقة الصهيونية المتوحشة والمتدثرة بأثواب الحضارة والمظلومية التي سوّقَتها على نحو مخيفٍ ومبتذل لكنه متجذراً في الوعي الأوروبي، مما يجعل من تفكيكه ودحضه مهمة صعبة بحاجة إلى شخصيات من أمثال ليلى شهيد الفلسطينية الشامية الكونية التي لابد تترك أسىً وجراحاً لكل من عرفها وأحبها وتترك احتراماً حتى في نفوس المختلفين معها والخصوم.
عزاؤنا لزوجها الصديق والكاتب الكبير محمد برادة على هذا الفقد الأليم في هذا الطور المتقدم من العمر إذ كانت الفقيدة تصغره بسنوات.
أما سلمى مرشاق فهي والدة الصديق لقمان سليم شهيد الثقافة والحقيقة الناقصة الجريحة وأم رشا الأمير الكاتبة والناشرة التي أسست مع لقمان (دار الجديد).
في التسعينيات من القرن الماضي كنت قادماً من القاهرة إلى بيروت، حيث استقبلني لقمان بمعية رشا في مطار رفيق الحريري، أخذاني مباشرة إلى منزلهما الكبير بحارة (حريك) في الضاحية الجنوبية. وهناك تعرفت إلى الست سلمى أمهم وكانت تغمرنا بكرمها الصباحي ولطفها، حيث نجتمع في المطبخ وهي تقدم لنا كل ما لذ وطاب قبل أن نذهب باتجاه المدينة ومكتب دار الجديد والحمراء.
كانت الست سلمى من ذلك الجيل الذي يدعى بـ (الشوام) في مصر والذي بدأت هجرته منذ القرن التاسع عشر وأسهم مع أقران مصريين وأسس المنابر الثقافية والصحافة والفنون كما هو معروف من دار الأهرام حتى المسرح والسينما والفكر بشتى مناحيه وتجلياته. كانت أم لقمان تدير جريدة آنذاك باللغة الإنجليزية كعملٍ مهني وتركزت كتبها وأطروحاتها الأكاديمية حول ذلك الرعيل النخبوي الذي تنتمي إليه (الشوام في مصر). تعرفت على المحامي العالمي محسن سليم أبو لقمان ورشا فتزوجا هو الشيعي وهي المسيحية، في ذلك الزمان الذي كان المشترك الفكري والمعرفي هو الجامع والرئيس قبل أن ينفجر السُّعار الطائفي والديني على هذا النحو الفظيع بعقود.
باغتيال ابنها الباحث والمثقف لقمان أصيبت الست سلمى بسهم مسموم في صميم قلبها ظلت تقاوم مسنودة بابنتها رشا. الاثنتان قاومتا عبر محاولة استيعاب الحدث الأليم بفكر ناضج مستنير عبر المطالبة بالعدالة والقصاص القضائي من القتلة والمجرمين والذي لم يتحقق حتى رحيل هذه الأم الثكلى العظيمة بجراحها وألمها.
عزاؤنا للصديقة رشا التي حولت البيت الكبير رغم الجو المعادي إلى منصةِ معرفةٍ واستنارةٍ وجمالٍ يؤمها لبنانيون مثقفون، حيث تنعقد الندوات والمعارض والنقاشات.
لعل أرواح الغُيّابِ تطمئن قليلاً في فضاء أبديتها البعيدة والقريبة بالحب المتواصل والعطاء الإنساني والفكري.
سيف الرحبي شاعر عماني
