عمان اليوم

دراسات علمية توثق انتشار "المايكروبلاستيك" في شواطئ وأخوار عُمان

01 مارس 2026
01 مارس 2026

كشفت مجموعة من الدراسات العلمية الحديثة عن تسجيل مستويات ملحوظة من اللدائن الدقيقة (المايكروبلاستيك) على شواطئ بحر عُمان، في أول توثيق علمي لتوزّع هذه الجسيمات في تربة الشواطئ العُمانية باستخدام بروتوكول عالمي معتمد للرصد، وبلغ متوسط التركيز نحو 1,582 جزيئًا بلاستيكيًا لكل كيلوجرام من التربة، مع تسجيل وجودها في جميع المواقع التي شملتها المسوحات الميدانية، الأمر الذي يؤكد اتساع نطاق التلوث على طول الساحل.

وصُنفت المواد البلاستيكية المكتشفة إلى ثلاث فئات رئيسية هي: الشظايا، والحبيبات الصناعية، والألياف. وتصدرت شواطئ ولاية بركاء المواقع الأعلى من حيث عدد الجسيمات، في حين سجلت منطقة القرم أعلى وزن للحبيبات الصناعية.

وأوضحت تحليلات الدكتورة منى بنت هاشل الطارشية – أخصائية إدارة الحياة البحرية بهيئة البيئة – أن البولي بروبيلين يُعد البوليمر الأكثر انتشارًا، لا سيما في منطقة صحار الصناعية، وهو ما يتوافق مع طبيعة الأنشطة الصناعية التي تستخدم هذا البوليمر على هيئة حبيبات خام تدخل في صناعة المنتجات البلاستيكية، كما أظهرت النتائج وجود حبيبات مماثلة في شواطئ بعيدة عن مصادر صناعية مباشرة مثل القرم والسُوادي وبركاء وقريات، وهو ما يشير بوضوح إلى دور التيارات البحرية وحركة النقل البحري في نقل هذه الجسيمات لمسافات طويلة.

التيارات القاعية

وأكدت الدراسات أن جزءًا كبيرًا من النفايات البحرية الواصلة إلى السواحل العُمانية يرتبط بالتيارات القاعية المحمّلة بالبلاستيك، والتي تُعد من أضخم أنظمة نقل الملوثات البحرية عالميًا، حيث توجد خمسة تيارات قاعية رئيسية تحمل كميات كبيرة من النفايات يغلب عليها البلاستيك، كما يتأثر بحر عُمان بتيار في المحيط الهندي محمّل بالنفايات البلاستيكية يصل إلى سواحل السلطنة عبر بحر العرب، وقد تم رصد بعض أنواع البلاستيك على السواحل العُمانية تُعد جديدة على البيئة المحلية ولا يتم إنتاجها أو استيرادها في السلطنة، ما يعزز فرضية انتقالها عبر هذه التيارات البحرية بعيدة المدى.

ولا تقتصر مصادر التلوث على النقل البحري فحسب، بل تشمل أيضًا ممارسات بشرية محلية مثل التخلص غير السليم من النفايات على الشواطئ، والتسرّب من الأنشطة الصناعية والموانئ، وتصريف مياه الصرف الصحي المعالجة وغير المعالجة، إضافة إلى فقدان شباك الصيد والأدوات البحرية المصنوعة من الألياف الصناعية، وهو ما يضاعف حجم التلوث البلاستيكي في البيئة الساحلية.

وحذّرت الدراسات من المخاطر المحتملة للمايكروبلاستيك على الكائنات البحرية والإنسان، بما في ذلك الابتلاع والتشابك وانتقال الملوثات الكيميائية عبر السلسلة الغذائية، الأمر الذي قد ينعكس على مصائد الأسماك والسياحة الساحلية والأمن الغذائي.

ودعت التوصيات إلى تشديد الرقابة على مصانع البوليمرات لمنع تسرب الحبيبات البلاستيكية أثناء عمليات النقل والتخزين، وتطبيق برنامج وطني للرصد الدوري، ورفع كفاءة محطات معالجة مياه الصرف لاحتجاز الجسيمات الدقيقة، والحد من استخدام المنتجات التي تحتوي على مايكروبلاستيك في مواد التقشير والعناية الشخصية، إلى جانب تعزيز إدارة النفايات الساحلية وحملات التوعية، والتوسع في استخدام بدائل شباك الصيد المصنوعة من ألياف طبيعية قابلة للتحلل.

أخوار القرم

وأظهرت الدراسات أن أخوار أشجار القرم (المانغروف) في شمال السلطنة تستقبل كميات كبيرة من النفايات البحرية، حيث تعمل الجذور الكثيفة والمتشابكة كمصائد طبيعية للملوثات عند دخولها مع مياه المد، ويصعب تحرير هذه النفايات وخروجها مرة أخرى بسبب البنية المعقدة للجذور، فتبقى عالقة لفترات طويلة.

ومع مرور الوقت تتعرض المواد البلاستيكية لتأثير درجات الحرارة والملوحة والعوامل الفيزيائية الطبيعية فتتفتت إلى جسيمات دقيقة تتحول إلى مايكروبلاستيك، تترسب في القاع أو تبقى عالقة في عمود الماء لتدخل في السلسلة الغذائية عبر ابتلاعها من قبل الكائنات البحرية.

وسجل خور قريات أعلى معدل تلوث بلغ 21.19 قطعة/م²، يليه السُوادي بـ 19.41 قطعة/م²، بينما كانت محمية القرم الطبيعية الأقل تلوثًا بمعدل 0.83 قطعة/م²، وهو ما يعكس الدور الحيوي للمناطق المحمية في الحد من التلوث.

وأكدت الدراسات أهمية إنشاء نقاط رصد دائمة في المناطق الساحلية الحساسة ومصبات الأخوار، وتفعيل التعاون الإقليمي والدولي مع دول المحيط الهندي وبحر العرب، وإدراج النفايات البحرية العابرة للحدود ضمن خطط الإدارة المتكاملة للمناطق الساحلية، مع الاستمرار في تنفيذ حملات تنظيف السواحل وبيئات أشجار القرم.

حلزون الطين

وأظهرت الدراسات وجود جزيئات بلاستيكية داخل أنسجة حلزون الطين (الحلزون الضخم) في عدد من المواقع، ما يؤكد تعرض مختلف الأحجام والفئات العمرية للتلوث بالمايكروبلاستيك، ويجعل منه مؤشرًا حيويًا فعالًا لرصد مستوى التلوث في بيئات القرم، ويعود ذلك إلى ارتباط هذا الكائن المباشر بالتربة والمياه في الأخوار، إضافة إلى سلوكه الغذائي غير الانتقائي الذي يجعله يبتلع المواد العضوية والجسيمات البلاستيكية دون تمييز، ومن خلال تحليل مطياف الأشعة تحت الحمراء تبيّن أن أكثر البوليمرات ابتلاعًا كان البولي يوريثين (PU)، يليه بوليمر الأكريليك ثم البولي بروبيلين.

ودعت التوصيات إلى إنشاء برامج وطنية للرصد تعتمد على الحلزون كمؤشر حيوي لتحديد الوضع الراهن للتلوث وأنواع البوليمرات المنتشرة في البيئة البحرية.

التنوع البكتيري

كما تناولت الدراسات مقارنة التنوع البكتيري بين خور السُوادي الأعلى من حيث انتشار المايكروبلاستيك ومحمية القرم الطبيعية في مسقط الأقل تلوثًا، حيث شملت الدراسة التربة القاعية ومياه الخور وأنسجة حلزون الطين إضافة إلى البلاستيك المنتشر في الموقعين.

وأظهرت النتائج أن خور السُوادي، بوصفه بيئة تستقبل كميات أكبر من النفايات، يحتوي على تنوع بكتيري أعلى ووجود أنواع بكتيرية في التربة والمياه والحلزون والبلاستيك لم تُسجل في محمية القرم. ويرى الباحثون في ذلك مؤشرًا إيجابيًا لاحتمالية الاستفادة من هذه البكتيريا في تحليل البلاستيك، وهو أحد أبرز الاتجاهات العلمية العالمية الحالية لإيجاد حلول حيوية للتخلص من التلوث البلاستيكي.

وتؤكد هذه النتائج مجتمعةً أهمية تبنّي منظومة وطنية متكاملة للرصد والإدارة البيئية، تجمع بين التشريعات الفاعلة، والحلول القائمة على الطبيعة، والتقنيات الحيوية الحديثة، بما يسهم في حماية النظم الساحلية في سلطنة عُمان واستدامة مواردها البحرية للأجيال القادمة.

Image