مكتبة عمان الوطنية
01 مارس 2026
01 مارس 2026
تمثِّل المكتبات الوطنية قيمة علمية ومعرفية على مستوى الدولة؛ لما تقدمه من أدوار بارزة في تنمية المجتمع في مختلف المجالات.
فبوصفها مسؤولة عن المطبوعات الوطنية وصونها؛ فإنها تعمل على حماية التراث الثقافي، وصون المكتسبات الثقافية والفكرية والعلمية للدولة؛ وبالتالي فإنها تُعنى بالبرامج والمشروعات الوطنية والدولية التي تعمل على تنمية السياسات الوطنية لإدارة المعلومات.
ولهذا؛ فإن هذا النوع من المكتبات لا يعمل على صون تلك المكتسبات وحسب، بل يُعد مركزا أساسيا للإنتاج الفكري ونشر الفهارس الوطنية الكبرى، وتقديم الدراسات، والشراكة مع أنواع المكتبات الأخرى ومؤسسات المجتمع، وغير ذلك من الأدوار التي تجعلها مركزًا مجتمعيًا يقود التطور الثقافي والتغيُّر الاجتماعي ويسعى إلى تأسيس أنماط جديدة من الوعي المعرفي تقود ذلك التغيير الإيجابي للمفاهيم الإنسانية عامة.
إن المكتبات الوطنية ليست مجرد أماكن لجمع الكتب والمخطوطات والمعارف، بل ساحة للوصول الحر للمعلومات بما يخدم التنمية المستدامة، ويؤسِّس معرفة قادرة على بناء الإنسان، وإحداث أثر ثقافي داعم للقطاعات الاقتصادية والاجتماعية؛ فما تقدمه هذه المكتبات يعمل على الربط بين الثقافة والقطاعات التنموية من خلال ما تزوده لهم من دراسات ومعلومات تسهم في تطويرها وتوجيهها نحو المعارف الجديدة والتطورات العلمية المتنوعة.
لقد أسهمت المكتبات الوطنية في تنمية وعي المجتمعات بأهمية المعرفة والعلوم من ناحية، وقدرتها على المشاركة الفاعلة في تحقيق أهداف التنمية المستدامة؛ فالمكتبات تمنح فرصة لأفراد المجتمع لتحقيق التنمية الذاتية باستخدام وسائل معرفية وأدوات تقنية حديثة وتطبيقات تتناسب مع المرحلة التنموية للدولة؛ لذا فإنها كفيلة بإعداد الخطط والبرامج التي تتواكب مع المتطلبات التنموية الوطنية، وإنتاج الدراسات الإجرائية والتطبيقية والمنهجية المناسبة للمفاهيم الحضارية التي تنشدها أهداف التنمية وتتطلَّع لتحقيقها.
ولهذا؛ فإن إنشاء مكتبة عمان الوطنية ضمن مشروع مجمع السيد طارق بن تيمور الثقافي يمثِّل حدثا استثنائيا في مسيرة التطوير الثقافي والعلمي في عُمان. فهذه المكتبة تأتي ضمن منظومة التنمية المتسارعة التي تشهدها الدولة؛ إذ تمثِّل أهمية كبرى في دعم التوجهات الوطنية التي تجعل عُمان مركز إشعاع حضاري علمي يقود مجتمع المعرفة من خلال ما يوفِّره من شبكات معرفية ومصادر معلوماتية تُسهم في تحقيق الأهداف الوطنية.
إن المكتبة الوطنية سيكون لها دور بارز في تسهيل فرص الوصول إلى المعلومات والمعارف، وإتاحتها لأفراد المجتمع، وتوفيرها لصُّناع القرار؛ وبالتالي فإنها تقدِّم إمكانات واسعة للبحث والإبداع والابتكار، خاصة في ظل التطورات التقنية والتطبيقات الإلكترونية التي تمثِّل بنية أساسية للتعلُّم؛ ذلك لأن المكتبة بخدماتها ومرافقها وإمكاناتها تُّعد بيئة جاذبة لأفراد المجتمع بفئاتهم المختلفة ومواهبهم وإبداعاتهم التي تنشد التطوير.
فالتطورات التقنية المختلفة والإمكانات الهائلة التي توفرها، ونمو مؤشرات عُمان في المجالات التقنية والتكنولوجية على مستوى العالم من ناحية، والانفتاح الثقافي والمعرفي المتوازن من ناحية أخرى إضافة إلى الإمكانات البشرية الإبداعية؛ إذ تُعد جميعها فرصا لتطوير مجالات عمل المكتبة الوطنية، والارتقاء بالعمل المكتبي ليكون مركزا للتطوير الإبداعي، وخلق فرص جديدة للتنمية المعرفية، ودعم التوازن على المستوى الثقافي والاجتماعي.
لقد عزَّزت المكتبات العمانية المكانة الحضارية لعُمان بوصفها دولة ذات امتداد حضاري وثقافي يجعلها في مقدمة الدول المصدِّرة للمعرفة؛ حيث أنتج العمانيون على مر العصور المعارف اللغوية والأدبية والتاريخية والعلمية في شتى المجالات، وهي نتاجات ما زالت تمثِّل إضافة نوعية متميِّزة ليس فقط للمكتبة العربية، بل حتى العالمية؛ إذ تتصدَّر الوثائق والمخطوطات والمصادر العمانية مكتبات العالم ومتاحفها الكبرى.
لذلك فإن إنشاء مكتبة عمان الوطنية سيمثِّل ركيزة أساسية لصون ذلك الإرث الحضاري وفق معايير عالمية تهدف إلى استدامتها باعتبارها موردا أصيلا للثقافة والهُوية الوطنية. وهذه الاستدامة لن تكون سوى بإتاحتها للقُراء والباحثين والمبدعين، والتخطيط لما يُسمى بـ(تجديد العلوم) الذي أصبح اليوم حاجة ملحِّة للتطوير والتغيير بما يتناسب مع متطلبات المرحلة الحديثة من عمر النهضة إضافة إلى أهمية الكشف عن تلك الفرص الإبداعية والابتكارية التي توفرها تلك المصادر، وإمكاناتها الهائلة التي تمنح المبدعين خاصة الشباب أنماطا جديدة من التطوير القائم على الاستثمار المعرفي.
إن إنشاء مكتبة عمان الوطنية وإصدار نظامها يأتي متزامنا مع متطلبات الخطة الوطنية الحادية عشرة التي جعلت من اقتصاد المعرفة أحد القطاعات الاقتصادية الأساسية؛ وبالتالي فإن المكتبة ستمثِّل موردا أصيلا لهذا الاقتصاد الذي يقوم في الأصل على هذا الإرث الحضاري، وكذلك الإنتاج المعرفي في كافة القطاعات وتحويله إلى فرص اقتصادية واعدة قادرة على المنافسة من خلال الإبداع والابتكار والاستثمار.
لقد أثبتت عُمان عبر تطورها الحضاري المتعاقب قدرتها على الاستثمار في المعارف بما يخدم مبادئها السامية وتطلعاتها الثقافية والاجتماعية والاقتصادية؛ إذ عملت على توليد المعرفة وتنمية أفراد المجتمع معرفيا وعلميا؛ بُغية النهوض بقدراتهم ومهاراتهم وإمكاناتهم حسب المرحلة التي يتطلبها تطوُّر المجتمع، وقد عملت المكتبات بأنواعها على المساهمة بفاعلية في تلك الأدوار التنموية كل بحسب اختصاصه، ليأتي إنشاء المكتبة الوطنية تتويجا لتلك الأدوار التي قدمتها المكتبات العمانية المختلفة.
إن مكتبة عمان الوطنية اليوم تمثِّل مرحلة جديدة من التنمية المعرفية في الدولة لا تقوم على جمع المصادر والمراجع بأنواعها وأشكالها المختلفة وصونها وحسب، بل عليها أن تعمل على زيادة الوعي المعرفي لدى الناشئة والشباب بشكل خاص بأهمية تلك الأنواع المعرفية باعتبارها موردا لتطوير المجتمع، ومصدرا للإبداع والابتكار، وفرصا للاستثمار المعرفي الواعي القائم على الحفاظ على الثقافة الوطنية والانطلاق نحو آفاق المستقبل.
فهذه المكتبة ستحمل على عاتقها مسؤولية إدارة المعرفة وإنتاجها، ونشرها وتطويرها بما يخدم الأهداف التنموية المستدامة للدولة؛ ولهذا عليها أن تتخذ في سبيل ذلك أفضل الممارسات الحديثة الرامية إلى تسهيل الوصول المفتوح إلى المعلومات من خلال اعتماد أنظمة آلية مفهرسة، وبرامج إدارة للمستودعات الرقمية وقواعد البيانات، وتنفيذ الخدمات المرجعية الافتراضية وغيرها إضافة إلى أهمية إيجاد برامج وخطط لإشراك المستفيدين أفرادا ومؤسسات للمشاركة في إنتاج المعرفة ونشرها وتطويرها.
إن المكتبة الوطنية باعتبارها مركزًا معرفيا حضاريًا سيكون لها الدور البارز في تمكين أدوات المكتبات المختلفة في الدولة؛ حيث ستمثِّل موردًا أصيلًا ومرجعًا لأفضل الممارسات العالمية لإدارة المعلومات والمصادر من ناحية، ونموذجا لأنماط وبرامج إشراك أفراد المجتمع خاصة الشباب في التنمية المعرفية وتطويرها من ناحية أخرى. فالمجتمع ينظر إليها اليوم باعتبارها أساسا سيقود التنمية المعرفية، ويوجهها نحو التوازن المنفتح الذي يجمع بين مفاهيم الفكر العماني الأصيل، وتطلعات الانفتاح نحو مجتمع المعرفة الذي سيجعل عمان في مصاف الدول المتقدمة.
عائشة الدرمكي باحثة متخصصة فـي مجال السيميائيات وعضوة مجلس الدولة
