ترامب يخاطر بالوقوع في مستنقع إيران
28 فبراير 2026
28 فبراير 2026
ترجمة: أحمد شافعي -
مرة أخرى، هدد الرئيس دونالد ترامب بقصف إيران. غير أن الأمر هذه المرة يبدو مرجح الحدوث بالفعل؛ فمع تعثر المفاوضات النووية ونشر مجموعتين من حاملات الطائرات في المنطقة يبدو أن توجيه ضربة الآن لإيران بات مسألة موعد لا مسألة احتمال.
يبدو أن هدف الإدارة الأمريكية هو إيقاف إيران عن تخصيب اليورانيوم، فإن فشل هذا، فتغيير نظام الحكم هناك. وبرغم أن دونالد ترامب كان قد نبذ تغيير النظام إبان ترشحه، أي خلال حملته الانتخابية، فإنه في رئاسته يبدو كمن يفضل هذا الخيار. ويبدو من حيث الجوهر أن الإدارة ترجو أن تستعرض العضلات العسكرية الأمريكية بهدف ترهيب إيران من أجل أن توافق على تقديم تنازلات نووية. فإذا لم يفلح هذا، فقد يكون محتملا أن تسعى الولايات المتحدة إلى الإطاحة بنظام الحكم الإيراني دون أن تستدرج في حرب برية أخرى في الشرق الأوسط.
وهذا الضرب من التفكير يتسم بالتفاؤل الوردي في أفضل الحالات، وهو تفكير ضال في أسوئها. فالتهديد بإرغام إيران لكي توافق على مطالب أمريكا النووية سوف يفشل على الأرجح. أما قصف إيران في المقابل فمن غير المرجح أن يفضي إلى إسقاط الحكومة القائمة، التي لم تحفل بجولات القصف السابقة وتمتلك خطط طوارئ للجولات المستقبلية. ولو وقعت معجزة وسقطت الجمهورية الإسلامية، فما من ضمان يذكر لأن يكون ما يخلفها مستقرا أو أكثر مودة تجاه المصالح الأمريكية.
تغيير الأنظمة من الجو يفشل
نادرا ما يفلح استعمال القوة العسكرية لتغيير سلوك بلد. فالشرعية ضرورة لكل الحكومات، حتى غير الديمقراطية منها. فالقادة لا يحبون مطلقًا أن يظهروا ضعفاء أو مداهنين للعدو، فمن شأن ذلك كله أن يقوض الشرعية. والقادة الإيرانيزن واجهوا في الآونة الأخيرة مظاهرات ولا يزالون يواجهون غضبا شعبيا عارما. وفي مثل هذه اللحظة المضطربة، يكون آخر ما يرغب فيه قادة إيران هو أن يظهروا بمظهر الضعاف أمام أحد ألد أعدائهم.
بعبارة أخرى، لن يكون ابتزاز حكومة إيران من أجل أن تتخلى عن أسلحتها النووية إلا حافزا أكبر لطهران كي تتشبث بمواقفها. وبحسب أستاذي العلوم السياسية كيلي جينهيل وبيتر كراوس فإن استعمال القوة لإكراه بلد على التوقف عن القيام بعمل معين لم ينجح إلا في نحو 35% من السوابق التاريخية. ويجب لهذه الإحصائية وحدها أن تكون رادعا للإدارة الأمريكية عن محاولة استعمال القوة لإكراه إيران على إبرام صفقة نووية. ففي ظل محدودية المصالح الأمريكية المهددة، يجب أن تتفادى إدارة ترامب المخاطرة بالفشل في إكراه إيران على إبرام اتفاقية نووية.
وفي ضوء بعد احتمال نجاح الولايات المتحدة في إكراه إيران على التخلي عن مخزونها النووي، يبدو من المرجح أن تقصف إدارة دونالد ترامب حكومة طهران من أجل الإطاحة بها، أو من أجل إجبارها على أقل تقدير ـ وفقا لما يذهب إليه هذا التفكير ـ على شروط معينة معروضة على طاولة المفاوضات؛ وهذا لن يفلح.
فمن الناحية الاستراتيجية، لا يكاد يفلح مطلقًا قصف البلاد في إرغامها على تسوية سياسية، بل إن ذلك يزيد من قوة عزيمة العدو على المقاومة. ومن الأمثلة على هذا بليتز خلال الحرب العالمية الثانية، وعملية لاينباكر خلال حرب فييتنام، بل وحملة قصف روسيا خلال الحرب الجارية في أوركانيا، حيث فشلت الضربات الروسية لكييف بالصواريخ والطائرات المسيرة في إرغام القادة الأوكرانيين على الموافقة على تسوية سياسية لا تصب في مصلحتهم.
ولا أقول بهذا إن القوة الجوية لا تجدي نفعا في الحرب، فهي تجدي نفعًا أكيدًا في تدمير قدرات العدو العسكرية والمساعدة على حماية القوات البرية من ضربات العدو الجوية. أما بوصفها أداة إرغام، فهي لا تجدي نفعا. ومثل هذا التفكير الضال يرجع مباشرة إلى ما بعد حرب الخليج، حيث تصور المحللون العسكريون آنذاك أن تكنولوجيا أمريكا الجديدة قد غيرت من طبيعة التحارب فبات من الممكن تحقيق النصر في الحرب بتكلفة زهيدة. غير أن قصف جنود العراق في الكويت سنة 1991، ثم في العراق في عام 2003 لم يفضيا بالولايات المتحدة إلى النصر في كلتا الحربين. ولكن القوات البرية هي التي حققت ذلك.
وبما أن القوة الجوية منفردة عاجزة عن الإطاحة بالنظام الإيراني، فلا بد من استعمال قوات برية. ويعني هذا أن يفضي قصف إيران على الأرجح إلى غزو بري للبلد. فما لم يجر إنزال بري لقوات أمريكية، لن يكون هناك من سبيل للتثبت من أن القوات الحكومية الإيرانية منيت بالهزيمة، أو أن متمردين وربما فاعلين أسوأ منهم لن يتقدموا لملء الفراغ.
ونظرا لأن هذا التصعيد سوف يفضي إلى وجود قوات برية أمريكية على الأرض، فإنه يجدر بالإدارة أن تجتنب قصف إيران في المقام الأول. ويبين لنا التاريخ مرارا وتكرارا أن صناع السياسة الذين يتصورون أنهم قادرون على التحكم في الأحداث العالمية والتصعيد العسكري يجدون أنفسهم بدلا من ذلك وقد باتوا هم الخاضعين لتلك القوى نفسها. وعلى سبيل المثال، لدينا إدارة جورج دبليو بوش ـ التي دأب الرئيس دونالد ترامب على انتقاد حروبها اللانهائية ـ إذ عارضت في أول الأمر بناء الأمم وسعت إلى استعمال أقل قدر من القوة للإطاحة بنظام صدام حسين.
وبدلا من ذلك انتهت إدارة بوش إلى بناء الأمم في العراق واستدرجت إلى مستنقع كبير. ويسهل تماما أن تجد إدارة ترامب نفسها في موقف مماثل في إيران.
لقد أكد - الرئيس الأمريكي والأب المؤسس- ألكسندر هاملتن، وهو من أشد أنصار السلطة التنفيذية، أن واجب الرئيس يتمثل في «الحفاظ على السلام إلى حين إعلان الحرب»، وأن الكونجرس وحده هو المخول بإعلان الحرب. ويجب لهذا الضرب من التفكير أن ينطبق على القائد الأعلى الحالي للقوات المسلحة الأمريكية.
فواجب دونالد ترامب هو أن يحافظ على السلام. وقصف إيران سوف يزعزع السلام. وهذه المسؤولية ملقاة على عاتقه، وعلى عاتقه وحده. والعواقب الناجمة عن قصف محتمل وغير دستوري وغير حكيم لإيران، مهما تكن هذه العواقب، هي مسئولية دونالد ترامب وحده. ويجب أن تفكر الإدارة طويلا، وتتريث في تفكير مضنٍ قبل أن تقدم على خطوتها القادمة.
بنجامين جيلتنر محلل سياسي في مجال الدفاع والسياسة الخارجية في معهد كاتو، يعمل على قضايا متصلة بالاستراتيجية العسكرية والسياسة الخارجية الأمريكية، وتنافس القوى العظمى، والأسلحة النووية، والردع.
الترجمة عن ذي ناشونال إنتريست
