سؤال الذاكرين يجيب عنها فضيلة الشيخ د. كهلان بن نبهان الخروصي مساعد المفتي العام لسلطنة عُمان
-ما الفرق بين الإرادة والعزيمة من منظور القرآن الكريم؟
الإرادة هي الرغبة والتوجّه إلى أمر، فالميل والرغبة إلى إتيان أمر هذه إرادة، أما العزيمة فهي عقد القلب على إمضاء الأمر، فكأنها تسبق إمضاءه مباشرة، فهي قبله بقليل. أما الإرادة، فقد يريد الإنسان شيئا ولكنه لا يُقبل عليه، ولا يتجه إلى إتيانه، ولا يعزم على فعله.
وهذا المعنى موجود في كتاب الله عز وجل في أكثر من موضع، فمعنى العزيمة مثلا في قوله تعالى: "وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ"، فهذا قد جمع أمره وتوجّه للفعل ولم يفعله بعد، ولكنه قد عقد قلبه على إمضاء هذا الأمر وإنفاذه، أمر الطلاق، فليس هو كالمريد فقط، لأن المريد قد لا يعقد العزم على إتيان الأمر.
فهي آراء كما يقول بعض المفسرين، وقد ذكر هذا المعنى عدد من المفسرين، منهم ابن عاشور في موضع، قال: إرادة بلا تردد. ومنهم من قال: إن العزيمة هي إرادة فيها تأكيد وتصميم.
لكن تعبير الراغب الأصفهاني في تفسيره عند هذه الآية الكريمة: "وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ"، أنه ذكر مراتب للفعل: السانحة، والخاطرة، والهمّ، ثم الإرادة، ثم بعد ذلك العزيمة، فقال: إن العزيمة هي عقد القلب على إمضاء ذلك الأمر.
ولذلك يُحمل عليه قول الله تبارك وتعالى: "فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ"، فهذا على وشك إتيان الفعل، فالله تبارك وتعالى يأمر نبيه محمدا صلى الله عليه وآله وسلم إذا عزم أن يتوكل على الله، أي حين يشرع في الفعل، فكأنه قد انتهى من التفكير والخاطر ومجرد الإرادة، وانتقل إلى عقد القلب على إمضاء الفعل وإنفاذه، فهذه هي العزيمة، وهذا المعنى مضطرد غالبا في كتاب الله عز وجل، والله تعالى أعلم.
-ما قولكم في إعادة إقامة الصلاة سرا إذا كان المؤذن طفلا صغيرا لا يحسن الوضوء أو الصلاة؟
لا حاجة إلى إعادة الإقامة، ما دام صبيٌّ مميِّز قد أدى الإقامة، فإنه يُكتفى بها، ولا ينبغي أن يُساء به الظن، كما لا ينبغي أن يُولَّى أمر الأذان والإقامة إلا إذا كان صبيا مميزا يحسن الوضوء بحسب طاقته، ويحسن أداء الأذان كما يحسن إقامة الصلاة، فإن تحققت هذه الأوصاف فلا حاجة إلى أن يوسوس المصلون، ولا أن يذهب كل واحد بإقامة لنفسه، أو أن ينتدب أحد نفسه لإعادة الإقامة، لاسيما وأن ما كان قبل تكبيرة الإحرام فإنه لا يؤثر على صحة الصلاة.
لكن لا حاجة إلى فتح هذا الباب بمثل هذه التأويلات، بل يُجتزأ بإقامة هذا الصبي ما دام مميزا محسنا للأذان والإقامة، ولا حاجة إلى الإعادة، والله تعالى أعلم.
-هل الخطأ في الإقامة يلزم معه الإعادة؟ أحيانا الإمام يطلب من رجل كبير أن يقيم الصلاة فيخطئ، فينحرج من التصحيح له، فهل يقيم هو سرا أو لا يلزم الإعادة؟
الأصل في الإقامة في الجماعة ألا تكون سرا، فلا وجه لإتيان أحد المأمومين أو الإمام بالإقامة سرا.
ولكن لا حرج في تعليم من أقام الصلاة الطريقة الصحيحة للإقامة، ويؤمر بإعادة الجزء الذي لحن فيه أو أخطأ. فإن كان لحنه مما يُغتفر ويتساهل فيه، لا يؤثر على المعنى، ولا يتصل بتوحيد الله عز وجل، ولا يغير معنى صحيحا، وإنما كأن يأكل بعض الحروف، أو لا يُظهر بعضها، أو يتعجل أحيانا، أو يبطئ إلى حد أن يزيد حرفا مما يمكن أن يُتساهل فيه، فهذا يمكن أن يكون تعليمه بعد ذلك.
أما إذا كان خطؤه بيّنا ظاهرا واضحا عند الإقامة، فإنه يُصحح له في الحال، وهذا من الأمر بالمعروف ومن التفقيه في دين الله تبارك وتعالى، فإن وجد قدرا من الحرج فهو معفوٌّ عنه، ويُتساهل فيه ولا يُلتفت إليه، لأن المصلحة أعظم، والله تعالى أعلم.
-ما قولكم فيمن ينسخ أشياء مفيدة من حسابات التواصل الاجتماعي للاستفادة منها بدون إذن أصحابها، وإنما ينسخ أو يأخذ صورا أو أشياء مفيدة؟ ويقول أيضا: هل في ذلك حرج إن كانت الأشياء ليست خاصة، كعلم نافع أو معلومات مفيدة؟
لا حرج إذا كان لا ينسبها إلى نفسه، وإنما ينسبها إلى قائلها، إلى صاحبها الذي قام بنشرها. والحقيقة أن الذي ينشر في هذه المنصات والوسائل إنما أراد الانتشار، وأراد لما يقول أن يبلغ الناس وأن يصلهم وأن يستفيدوا منه، ولعله يريد منهم أيضا أن يأخذ تعليقاتهم، وأن ينظر فيما يعلقون به على ما قال أو نشر، فلا حرج في ذلك.
لكن بمعنى أن الأصل الإتاحة والنشر، فإذا نُشر شيء في إحدى هذه المنصات فلا حاجة إلى أن يُستأذن في إعادة إرساله أو إعادة تدويره أو إعادة نشره، لكن لا ينتحل هذا الناقل ما قيل أو ما نُشر لنفسه، بل عليه أن يثبته لصاحبه، والله تعالى أعلم.
-في قوله تعالى: "فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَٰذَا إِلَٰهُكُمْ وَإِلَٰهُ مُوسَىٰ فَنَسِيَ"، إذا كان السامري هو مختلق العجل، فلمن تُنسب الأفعال في قوله: " فنسي"؟
الجواب في هذه الآية الكريمة يبين ربنا تبارك وتعالى أن السامري قد فتن طائفة من بني إسرائيل من قوم موسى معه، فافتتنوا به وتابعوه على ما فعل من صناعة العجل وعبادته، ولذلك بينت الآية أن هذا القول لم يكن من السامري وحده، بل من السامري ومن معه من المفتونين من بني إسرائيل، ومن أقره ووافقه ممن عبد العجل. فقوله تعالى: "فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَٰذَا إِلَٰهُكُمْ وَإِلَٰهُ مُوسَىٰ فَنَسِيَ"، هؤلاء المفتونون مع السامري هم الذين قالوا هذا القول.
ويبقى النظر في قوله: فنسي، ما فاعله؟ هناك قولان عند المفسرين: القول الأول: بناء على أن هذا من تمام كلام السامري وأتباعه الذين عبدوا العجل، فيكون المعنى: فنسي موسى، أي نسي موسى إلهه، فذهب يطلبه، وهذا إلهه هنا! أي زعموا أن هذا هو الإله الذي ذهب موسى لمناجاته، لكنه ضل الطريق، وهو معنا هنا. فعلى هذا يكون الكلام من تتمة قول السامري وأتباعه.
القول الثاني أن قوله فنسي من كلام الله تبارك وتعالى، عائد إلى السامري، أي: فنسي السامري، والنسيان في أصله هو الترك، واستعماله في السهو والغفلة من باب التجوز، لكن الأصل فيه الترك، كما في قوله تعالى: "نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ"، أي تركوا أمره وطاعته فقابلهم بجزاء من جنس عملهم.
فعلى هذا يكون المعنى: فنسي السامري ما كان عليه من الإيمان، ونسي إله، وما دعاهم إليه موسى عليه السلام من توحيد الله عز وجل وإفراده بالعبادة، فترك ذلك كله، وانصرف إلى صناعة العجل وعبادته وإضلال قوم موسى بما دبره من مكائد. فهذان هما القولان، ومن المفسرين من جمع بينهما، وقال: إن الآية تحتمل المعنيين، وكلاهما مقصود، وهذا كثير في كتاب الله عز وجل، أن يكون اللفظ متسعا لمعنيين صحيحين.
ويُحمل على هذا أيضا قوله تعالى في شأن آدم عليه السلام: " وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَىٰ آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا "، فالنسيان هنا بمعنى الترك، بدليل قوله: ولم نجد له عزما، أي لم نجد له عزما على المعصية، ولم يكن منه إصرار ولا تصميم على مخالفة أمر الله تبارك وتعالى.
وقد ذكرت في أكثر من مناسبة أن جنة آدم كانت جنة إعداد وتربية، ليصل إلى الحد الذي يُهبط فيه إلى الأرض لأجل الخلافة، فإن المقصود من خلقه أن يكون خليفة في الأرض، كما قال تعالى: "وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً"
فهذه الجنة لم تكن مرحلة ثواب وعقاب بالمعنى التام، وإنما مرحلة إعداد وتأهيل، حتى يصير أهلا لأداء الخلافة في الأرض. ولذلك جاء بعد الهبوط في موضعي سورة البقرة وسورة طه قوله تعالى: "فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ"، وفي طه: "فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ "، فبدأ التكليف العام ولزوم اتباع الهدى بعد الاستقرار في الأرض، وبهذا يزول الإشكال في معنى النسيان والعصيان في تلك المرحلة، والله تعالى أعلم.
