كهوف الجبل الأبيض
د. محمد بن هلال الكندي -
يقع ما يعرف بالجبل الأبيض في أقصى الشرق من سلسلة جبال الحجر الشرقي، ويمتد باتجاه الشمال الغربي لمسافة تقارب خمسة وثمانين كيلومترا، من ولاية صور جنوبا حتى ولايتي قريات ودماء والطائيين شمالا. ويشكل هذا الامتداد الجبلي حاجزا طبيعيا يطل على الساحل الشرقي العماني الممتد بمحاذاة المحيط الهندي، مما يمنحه موقعا جغرافيا مميزا يؤثر في مناخه وخصائصه الجيولوجية. ويرتفع الجبل الأبيض إلى نحو ألفي متر فوق مستوى سطح البحر، وهو ارتفاع كاف لإحداث فروق مناخية ملحوظة مقارنة بالمناطق الساحلية المجاورة.
يمتاز الجبل الأبيض بوجود طبقات سميكة من الصخور الجيرية الحديثة نسبيا من الناحية الجيولوجية، وهي صخور كربونية تكونت في بيئات بحرية ضحلة خلال فترات كان فيها مستوى سطح البحر أعلى مما هو عليه اليوم. وتتميز هذه الصخور بكثرة المسامات والتصدعات والشقوق، وهي خصائص بنيوية تسهل تسرب المياه الجوفية وجريانها عبر الطبقات الصخرية. ومع مرور المياه، خصوصا مياه الأمطار التي تتشبع بثاني أكسيد الكربون، تبدأ عملية الإذابة الكيميائية للصخور الجيرية، فتتوسع الشقوق تدريجيا وتتشكل تجاويف تحت سطح الأرض.
ومع استمرار هذه العمليات عبر آلاف بل وملايين السنين، تتكون منظومة كارستية متكاملة تضم حفر الإذابة والكهوف العملاقة والأودية العميقة. ويعد كهف مجلس الجن من أبرز هذه الظواهر، إذ يصنف من بين أضخم الكهوف في العالم. يبلغ طول هذا الكهف نحو 310 أمتار، وعرضه 225 مترا، بينما تصل أقصى مسافة بين أرضه وسقفه إلى نحو 150 مترا. ولا يمكن النزول إليه إلا باستخدام الحبال، نظرا لعدم وجود مداخل أفقية تقليدية، وتبلغ مساحة أرضيته الداخلية نحو 58 ألف متر مربع. ويحتوي الكهف على تشكيلات جيولوجية بديعة، من الهوابط والصواعد والرواسب الكلسية، كما تتجمع في قاعه أحيانا بركة مائية ضحلة تعكس طبيعة النظام المائي المرتبط به.
ولا يقتصر النشاط الكارستي في الجبل الأبيض على كهف مجلس الجن، بل تظهر مظاهره أيضا في حفرة إذابة هوية نجم الشهيرة، وفي أودية شاب وطيوي التي قطعت مجاريها في الصخور الجيرية مشكلة منحدرات حادة وبرك مائية صافية. وتعكس هذه الأودية التفاعل المستمر بين مياه الأمطار والبنية الصخرية، حيث تعمل السيول الموسمية على تعميق المجاري وتوسيعها، في حين تستمر عملية الإذابة في باطن الأرض بتشكيل تجاويف إضافية قد تتصل ببعضها البعض.
ويؤدي الموقع الجغرافي للجبل الأبيض على امتداد الساحل الشرقي دورا مهما في تغذيته بالمياه. ففي فصل الصيف، تتراكم السحب الركامية فوق قممه المرتفعة، وقد تهطل أمطار متفرقة تكون أحيانا غزيرة. كما تتأثر المنطقة بالحالات المدارية القادمة من بحر العرب، مما يرفع من معدلات الهطول في بعض السنوات. وتوفر هذه الأمطار مصدر التغذية الرئيس للعمليات الكارستية، إذ تتسرب المياه عبر الشقوق وتستمر في إذابة الصخور الجيرية وتوسيع الكهوف والحفر.
وتشكل كهوف الجبل الأبيض وأوديته عامل جذب رئيسا لسياح المغامرات المحليين والدوليين، لما توفره من بيئة طبيعية فريدة تجمع بين التحدي الجسدي وروعة المشهد الطبيعي. وقد استخدمت بعض الكهوف في فترات سابقة كملاجئ طبيعية تحمي السكان من برد الشتاء أو من حرارة الصيف، مما يعكس العلاقة القديمة بين الإنسان وهذه البيئة الجبلية.
إلى جانب قيمته الجيولوجية والسياحية، يحتضن الجبل الأبيض عددا كبيرا من الشواهد الأثرية التي تعود إلى فترات تاريخية مبكرة. فمن بين هذه الشواهد قبور كبيكب الشهيرة التي تنتشر في مساحات واسعة من الجبل، ويرجع تاريخها إلى العصر البرونزي المبكر، إضافة إلى بقايا أبراج وبيوت أثرية شيدت في عصور لاحقة. وتشير هذه المعالم إلى أن الجبل الأبيض لم يكن مجرد تضاريس طبيعية، بل كان مسرحا لحضور بشري ممتد عبر آلاف السنين.
وهكذا يجمع الجبل الأبيض بين الجيولوجيا الفريدة، والمناخ المؤثر، والتاريخ الإنساني العريق، ليشكل نموذجا متكاملا للتفاعل بين الطبيعة والإنسان في أقصى الشرق العماني.
