No Image
روضة الصائم

صخور الجيود في محافظة ظفار

27 فبراير 2026
تاريخ عمان الجيلوجي
27 فبراير 2026

د. محمد بن هلال الكندي رئيس مركز استشارات علوم الأرض

تحتوي محافظة ظفار على تجويفات صخرية مميزة تبرز منها بلورات معدنية جميلة، وتعرف هذه التجويفات علميا باسم صخور الجيود، وتمثل الجيود واحدة من أكثر التشكيلات الجيولوجية إثارة للإعجاب، إذ تجمع بين البساطة الخارجية والغنى البلوري الداخلي في تناقض لافت. وغالبا ما تتشكل هذه الصخور في بيئات رسوبية أو بركانية معينة، حيث تبدأ كتجويف داخل الصخر، ثم تتحول مع مرور الزمن إلى وعاء طبيعي تتبلور داخله المعادن عبر عمليات جيولوجية دقيقة تستغرق آلاف السنين.

تظهر صخور الجيود عادة على هيئة كرات أو أشكال شبه كروية تشبه ثمرة جوز النخيل أو النارجيل من حيث الحجم والبنية الداخلية، ويكون الغلاف الخارجي صلبا نسبيا، مكونا من صخور جيرية أو بازلتية، بينما يحتوي التجويف الداخلي على بلورات معدنية متراصة تنمو من الجدران نحو الداخل. وتتكون هذه البلورات نتيجة تسرب المياه الجوفية، خصوصا المياه الدافئة أو الحارة، عبر الشقوق والتجاويف في الصخور الأم، وتحمل هذه المياه في ذوبانها عناصر ومعادن مختلفة، وما إن تتغير درجة الحرارة أو الضغط أو كيميائية المحلول، حتى تبدأ المعادن في الترسيب على جدران التجويف طبقة بعد أخرى، مشكلة بلورات متناسقة وأحيانا متداخلة بأشكال هندسية بديعة.

وتتباين أنواع البلورات داخل الجيود بحسب طبيعة الصخور الحاضنة وتركيب المياه الجوفية. فمنها ما يحتوي على بلورات الكوارتز الشفافة أو البنفسجية، ومنها ما يتكون من معادن الكالسيت البيضاء أو الملونة، وقد تظهر أحيانا معادن أخرى تبعا للبيئة الكيميائية التي نشأت فيها. ولا يمكن معرفة نوع البلورة الموجودة داخل كرة الجيود إلا بكسرها أو قطعها، إذ لا يكشف الغلاف الخارجي الصلب عن مكنوناته. ومع ذلك، فإن الجيود التي تتكون ضمن نفس التكوين الجيولوجي غالبا ما تكون متشابهة من حيث نوع المعدن وشكل البلورات، ما يسمح للجيولوجيين بتوقع خصائصها قبل فتحها.

وفي بعض الحالات، يتم صبغ الجيود أو شرائحها بألوان اصطناعية لأغراض تجارية، فتظهر عينات بألوان زاهية غير مألوفة أو بتدرجات لونية غير طبيعية. وهذه التعديلات الصناعية يمكن تمييزها عادة من خلال شدة اللون أو انتظامه غير الواقعي، إذ إن البلورات الطبيعية غالبا ما تحمل تدرجات لونية دقيقة تعكس ظروف نموها التدريجي عبر الزمن.

وتوجد الجيود في الغالب ضمن الحمم البازلتية أو في الصخور الجيرية، حيث تتكون التجاويف الأولية نتيجة فقاعات غازية في الحمم المتصلبة أو نتيجة إذابة جزئية في الصخور الكربونية. وبعد تشكل البلورات داخل هذه التجاويف، تبقى الجيود محبوسة داخل صخورها الأم لفترات طويلة. ومع مرور الزمن، تتعرض الصخور الحاضنة لعمليات التعرية والتفتت بفعل الرياح والأمطار والتغيرات الحرارية، فتتحرر كرات الجيود من مواضعها الأصلية وتنتشر في مجاري الأودية ومناطق ترسب الرمال. ويساعد شكلها الكروي نسبيا على انتقالها لمسافات بعيدة قد تصل إلى مئات الكيلومترات، إذ يسهل تدحرجها وحركتها مع السيول أو عبر المنحدرات.

وفي محافظة ظفار، توجد تشكيلات الجيود في موقعين أساسيين. الأول في ولاية ثمريت بالقرب من قرية مضي، حيث تظهر هذه الصخور منتشرة في الأودية أو متصلة بطبقاتها الصخرية الأم. أما الموقع الثاني فيقع بالقرب من منطقة الحشمان، حيث تظهر الجيود على هيئة كرات صخرية متناثرة في الرمال والسهول الصحراوية. وبصورة عامة، تنتشر هذه التشكيلات في مساحات واسعة من ولايتي ثمريت والمزيونة، ما يشير إلى أن ظروف التكوين كانت ملائمة في هذه النطاقات الجيولوجية.

وقد تكونت هذه الجيود في الصخور الرسوبية الجيرية الموجودة في المنطقة، واستغرقت عملية تكوينها آلاف السنين، خصوصا خلال الفترات المطيرة التي مرت على ظفار في عصور جيولوجية سابقة، حين كانت معدلات تسرب المياه الجوفية أعلى مما هي عليه اليوم. وتدل هذه التشكيلات على أن المنطقة شهدت ظروفا مناخية أكثر رطوبة في الماضي، مما أتاح حركة المياه عبر الطبقات الصخرية وتفاعلها مع المعادن.

إن صخور الجيود في ظفار لا تمثل مجرد ظاهرة جمالية تجذب الهواة والباحثين عن الأحجار الزخرفية، بل تعد سجلا جيولوجيا دقيقا يوثق تفاعلات المياه والصخور عبر الزمن. فهي تعكس العلاقة العميقة بين المناخ والبنية الصخرية، وتقدم دليلا على العمليات البطيئة التي تشكل الأرض بصمت عبر آلاف السنين، لتنتج في النهاية بلورات طبيعية تجمع بين الدقة الهندسية وروعة الألوان.