سؤال الذاكرين :يجيب عنها فضيلة الشيخ د. كهلان بن نبهان الخروصي مساعد المفتي العام لسلطنة عُمان
26 فبراير 2026
26 فبراير 2026
ما معنى الدعاء والعبادة في قوله تعالى: «وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ»؟
الدعاء معلوم، ومعناه كما يفهمه المسلمون من نصوصهم الشرعية من كتاب الله عز وجل، ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ومن تراثهم الشرعي، هو النداء من حيث الوضع اللغوي، أي الدعاء هو النداء لغة، وأما اصطلاحا فهو نداء مخصوص؛ لأنه يتضمن طلب هذا الداعي، طلب السائل تحقيق بغيته من مسؤوله، وهو الله تبارك وتعالى، فالدعاء بالمعنى الاصطلاحي هو طلب إجابة السؤال من الله تبارك وتعالى، هذا هو الدعاء الذي يعرفه الناس، وهو المقصود في هذه الآية الكريمة، أي التوجه إلى الله تبارك وتعالى بطلب الحاجات وسؤال قضائها منه جل وعلا وحده: «وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ».
ثم خُتمت الآية على جهة التعليل: «إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ»، ومعنى داخرين: أذلاء مهانين، فلم يقل: إن الذين يستكبرون عن دعائي، وإنما قال: «عن عبادتي»، مع أن العبادة أيضا معناها معلوم، وهو في الاصطلاح الشرعي: الطاعة والانقياد بتذلل وخضوع للمعبود الذي يدينون له وحده، وهو الله تبارك وتعالى، هذا هو معنى العبادة: الطاعة المطلقة والاستسلام والانقياد مع الاستكانة والخضوع لله تبارك وتعالى وحده في كل أمر من الأمور.
ومع ذلك نجد أن المفسرين اختلفوا في توجيه هذه الآية الكريمة، فمنهم من حمل الدعاء المأمور به في قوله: «ادعوني» على معنى العبادة، ومنهم من حمل العبادة المذكورة في آخر الآية على معنى الدعاء، والسبب في ذلك هو تقارب حقيقَتَي المصطلحين، فإن الدعاء والعبادة كليهما يقتضيان تذللا وخضوعا وإظهار افتقار للمسؤول، مع يقين واعتقاد أن الذي يتوجهون إليه قادر جدير بالسؤال، وأنه مستحق لهذا السؤال، وأن له القدرة المطلقة في إجابة ما يتوجهون به إليه، فهذا قدر مشترك بين الدعاء والعبادة.
وهو الذي أفضى بكثير من المفسرين إلى توجيه كل مصطلح بالمعنى الآخر، والذي زاد الأمر عندهم تفصيلا رواية من طريق النعمان بن بشير قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «الدعاء هو العبادة»، ثم قرأ: «وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ»، فلما قال عليه الصلاة والسلام: «الدعاء هو العبادة» زاد ذلك المفسرين مزيدا من البحث في العلاقة بين المصطلحين.
ولسنا بحاجة إلى القول باتحاد الحقيقتين، فإن الدعاء معروف وحقيقته التوجه بالسؤال والضراعة إلى الله تبارك وتعالى لطلب قضاء الحاجات، وهذا يستدعي لا ريب التذلل للمدعو، وهو الله عز وجل، واليقين بأنه قادر، وأنه يجيب الدعاء، وأنه سميع مطلع، وأن بيده تدبير الأمور وتصريفها كلها.
وأما العبادة فهي أوسع معنى، فهي الطاعة المطلقة لله تبارك وتعالى في كل ما أمر به وفي كل ما نهى عنه.
وأما توجيه حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «الدعاء هو العبادة»، فهذا من جوامع كلمه عليه الصلاة والسلام، وفيه ما يعرف بأسلوب القصر، ومعناه هنا قصر إضافي، أي للتأكيد، كأنه يقول: الدعاء هو لب العبادة، أو الدعاء هو جوهر العبادة، أو أصلها وأساسها، لا أنه يساويها من كل وجه.
فهذا الأسلوب لنفي ما قد يتوهمه المخاطبون من أن الدعاء شيء منفصل عن العبادة، أو أن لهم أن يستعينوا في دعائهم بشفعاء، أو أن يعرضوا عن معبودهم في الدعاء، فدفع توهم ذلك بما ورد في كتاب الله عز وجل من استعمال الدعاء ثم إتباعه بالعبادة، وما ورد في الحديث من أن الدعاء هو العبادة.
وعلى هذا فلا حاجة إلى تأويل ألفاظ الآية، فيجري كل مصطلح على بابه: «ادعوني أستجب لكم» أي اسألوني أجبكم، «إن الذين يستكبرون عن عبادتي» أي عن طاعتي والانقياد لي، وإن كان كل منهما يدل بالتضمن على المعنى الآخر.
ويمكن أن يقال: بينهما عموم وخصوص مطلق، فالعبادة أعم، والدعاء أخص منها، وقد نص على ذلك عدد من أهل العلم، لكن المقصود أن جوهر العبادة ولبها هو الدعاء، وأن بينهما قدرا مشتركا كبيرا في الحقيقة والشروط والأوصاف، هذا والله تعالى أعلم.
البعض في صلاة الجمعة يستمع إلى الخطبة عن طريق مكبرات الصوت وهو جالس في السيارة، ثم ينزل عند إقامة الصلاة لأداء الصلاة في جماعة، ما حكم من يفعل ذلك؟
لا، هذا كأنه لم يشهد الجمعة ولم يشهد الخطبة، عليه أن يترجل من سيارته وأن يذهب إلى المسجد ليسمع الخطبة داخل المسجد مع عموم المصلين، ولا يجزئه سماع الخطبة من السيارة، وإنما يُكتب له أجر شهود الجمعة لحظة دخوله المسجد والتحاقه بصفوف الجماعة.
والذي يفعل مثل هذا الفعل يفوت على نفسه أجورا كثيرة، وهي التبكير إلى الجمعة، وشهود الجماعة، وأجر المكث والبقاء في المسجد، وثواب متابعة الخطبة يوم الجمعة، وأن يكون مع الجماعة داخل المسجد، حيث انتهت به الصفوف، فعلى من يفعل مثل هذا أن يجتنب ذلك وأن يبادر إلى الدخول إلى المسجد مع الجماعة، وكلما بكر كان ذلك أكثر أجرا وأكثر تحقيقا للفائدة، فإن الفضل في الصفوف الأولى، وقد ثبت أجر التبكير للجمعة.
ولو أن كل أحد يذهب فينصت إلى خطبة الجمعة من خلال هذه الأجهزة المتاحة، لما شهد أحد الخطبة مع الإمام والجماعة في المسجد إلا القلة ممن لا تتوفر له هذه الأجهزة، فيجب أن يُتنبه إلى هذا، فلا يجزئه إلا إن كان لم يجد مكانا لا في المسجد ولا في صحنه ولا في الصفوف الخارجية، أو عنده عذر من مرض أو غير ذلك، ولا يريد أن يفوته الانتفاع بما يرد في الخطبة، فهذه حالة خاصة يُنظر فيها استقلالا، أما أن يعتاد على ذلك أو أن يكون دون عذر فهذا لا يُقبل منه، هو يفوت على نفسه أجر شهود خطبة الجمعة، وقد تقدم أن في شهودها فضلا وأجرا كبيرا، والله تعالى أعلم.
في الألعاب الإلكترونية أحيانا تكون هناك مباراة أو ممارسة لعب كرة القدم، ولكن بعض اللاعبين تنكشف عوراتهم، ليست كما هي منصوص عليها شرعا، إلا أنها إلكترونية، ليست حقيقية، بل مرسومة كرتونية أو تصويرية؟
الصحيح أن ما يتصل بالعورات وأحكام ما يشاهده المسلم لا يختلف؛ لأن هذه الرسومات بين الحقيقة وبين أن يُشاهدها على الشاشات أو في مثل هذه المنصات أو غيرها من الوسائل والآلات، ولو كانت رسومات؛ لأن هذه الرسومات اليوم بلغت حدا من الدقة وتفصيل العورات والإغراء والافتتان بها، بحيث صارت تماثل الواقع إلى حد كبير.
فلا وجه للتفرقة بين ما يمكن أن يُشاهد على الشاشات من مثل هذا النوع وما يُشاهد في الواقع، وإنما النظر والاعتبار الشرعي هو لحكم المشاهدة: هل هو مما يسوغ أن يُشاهد في الواقع، فحينئذ يسوغ أن يُشاهد سواء كان عبر رسومات أو بتمثيل من أشخاص حقيقيين، أو أنه مما لا يجوز أن يُشاهد في الواقع لتضمنه لعورات ومفاتن أو اشتماله على ما حرّم الله تبارك وتعالى، فحينئذ لا تصح مشاهدته لا في الواقع ولا عبر الشاشات، والله تعالى أعلم.
