فلسفة الصيام

24 فبراير 2026
24 فبراير 2026

لا أتحدث هنا عن الصيام باعتباره شعيرة دينية لها أصولها وأحكامها في الإسلام أو في غيره من الأديان (فتلك مسائل يختص بالنظر فيها أهل الفقه وأصول الدين)؛ وإنما أتحدث عن رؤية للصيام من منظور فلسفي.

ذلك أن الصيام ظاهرة دينية عامة تتجلى في كل الأديان السماوية وفي معظم الأديان الأخرى المعروفة: كالهندوسية والبوذية. وهذا يستدعي عندنا التساؤل: هل هناك حكمة عامة للصيام تجعله مرتبطًا بالدين بما هو دين (رغم اختلاف إطار العقائد في الأديان)؛ ومن ثم تصدق على الإسلام مثلما تصدق على غيره من الأديان؟ وإذا كان ذلك صحيحًا: فهل يمكن لخصوصيات حكمة الصيام في عقيدة ما- كالإسلام- أن تكون ذات دلالة خاصة في التعبير عن المعنى الكلي للصيام الذي تشارك فيه معظم الأديان على اختلاف عقائدها؟

الحقيقة أن هناك معنى عامًا لظاهرة الصيام في الأديان، وهذا المعنى يكمن في سمات مشتركة لحكمة الصيام ومقاصده: فهو طقس أو شعيرة روحية تعبدية يكمن فحواها في التقوى؛ وتهدف إلى التطهر، من خلال الامتناع كليًّا أو جزئيًّا عن رغبات البدن وشهواته: كالطعام والشراب وغيرهما. والصيام بهذا المعنى- أعني باعتباره شعيرة دينية- قد يكون جزءًا من بنية العقيدة الدينية أو ركنًا من أركانها (كما في الإسلام والمسيحية واليهودية).

وقد يكون ممارسة اختيارية أو طوعية (كما في الهندوسية والبوذية)، على نحو ما سنرى فيما بعد. ومن المهم ابتداءً أن نتأمل فلسفيًّا دور البدن في خبرتنا بالصيام، وفي هذا السياق- أعني: سياق الحديث عن الخبرات الإنسانية- من الأفضل دائمًا استخدام كلمة البدن بدلًا من الاستخدام الشائع لكلمة «الجسم»؛ لأن كلمة «البدن» تشير إلى الجسم الإنساني الحي القادر على الوعي والإدراك، ومن ثم لا ينفصل عن الروح أو الوعي والشعور (وذلك هو ما أطلعنا عليه بالتفصيل الفيلسوف الشهير ميرلوبونتي في مجمل فلسفته). والواقع أن البدن قد ظُلِم عبر تاريخ الفلسفة بدءًا من أفلاطون، إذ ظل يُنظر إليه نظرة دونية باعتباره سجنًا أو قيدًا للروح ومصدرًا للشرور والآثام! ولذلك، فإن البدن لم يَعد يُنظر إليه باعتباره مجرد موضوع بيولوجي محض يُوجَد بشكل مستقل عن الوعي أو الروح: فنحن ندرك ونفهم ونعي ونشعر ونقرر من خلال البدن.

ولقد انعكس هذا الفهم في رؤيتنا الفلسفية لمعنى الصيام: فالصيام في الأديان السماوية هو بنية رمزية لها دلالة روحية تتجاوز مفهوم البدن البيولوجي المتمثل في الامتناع عن الطعام والشراب.

الامتناع عن تلبية رغبات البدن في فعل الصيام ليس بمثابة قمع له أو توقيع عقوبة عليه من جانب الذات الواعية، بل هو عملية تحول في رؤية الذات لبدنها وإعادة توجيه لقواه الباطنية: فجوع البدن هنا -على سبيل المثال- يصبح عملية روحية، يتدرب من خلالها البدن على الامتناع عن عبودية الرغبات، ومن ثم الشعور بالتحرر.

وعلى هذا، فإن البدن في صلته بالصيام يختلف أيضًا عن مفهوم البدن كما يفهمه الأطباء حينما يتحدثون عن الفوائد الصحية للصيام وتأثيره الإيجابي عليه. فالبدن في هذه الحالة يظل هو الجسم باعتباره موضوعًا بيولوجيًّا، لا البدن باعتباره تسكنه روح ويكون حاملًا للمعنى والدلالة الروحية التي تتجلى على أنحاء عديدة في الديانات المختلفة.

وإذا كانت هناك سمات عامة مشتركة في معنى الصيام فيما بين الأديان المختلفة، وهذا ما أشرنا إليه من قبل، فإن ما تختلف فيه الأديان يظل متعلقًا بمناط الصيام ومقاصده، وهذا ما يمكن بيانه فيما يلي:

في الديانات الآسيوية، نجد أن الصيام في الهندوسية يكون الصيام مخصصًا لأجل آلهة معينة في أيام مخصوصة، ويكون اختياريًّا غالبًا.

كما أن الصيام في البوذية يكون اختياريًّا، ويمارسه بعض الرهبان لأجل بلوغ أسمى حالات القداسة. ولا شك في أن هناك اختلافات بين الديانتين فيما يتعلق بنوع الطعام الذي يتم الامتناع عنه، وبمدة هذا الامتناع؛ ومع ذلك فإن الصيام في كلتا الديانتين يهدف إلى بلوغ حالة التطهير الروحي.

غير أن بلوغ هذه الحالة في الديانات الهندية الكبرى يقتضي ممارسة الامتناع الدائم عن تلبية رغبات البدن، والتقشف التام، ما يؤدي في النهاية إلى إماتة البدن وفناء الذات فيما يُسمى بحالة «النيرفانا»Nirvana، وهي حالة من السعادة والسكينة الروحية التي تنجم عن الشعور بالخلاص من شقاء الوجود المتجدد.

الصيام في اليهودية يكون في أيام عديدة، أهمها «يوم الغفران»، ويكون بالامتناع عن الطعام والشراب لمدة 25 ساعة، في حين يمتنع البعض أيضًا عن الاغتسال والعطور. ولا يهمنا هنا تلك التفاصيل، فما يهمنا هو مقصد هذا الصيام الذي يشارك فيها غيره من الأديان، أعني: التطهير الروحي، وهو تطهير يقوم في اليهودية على التوبة وطلب المغفرة.

كذلك فإن الصيام في المسيحية (على اختلاف حدوده ولوازمه فيما بين طوائفها) يهدف إلى حالة التطهير الروحي.

وهي حالة تقوم على إحياء سنة السيد المسيح في الصيام، والمشاركة في الشعور بآلامه، من خلال احتمال معاناة البدن بالجوع وغيره، حتى اليوم الخلاص من الآلام في ذكرى قيامة المسيح. وتلك صورة رمزية أخرى لمعنى الصيام.

كذلك فإن الصيام في الإسلام لا يختلف عنه في غيره من الأديان من حيث دلالاته الرمزية العامة التي سبق أن نوهنا عنها، وإن اختلف بطبيعة الحال من حيث شروطه وأحكامه وطقوسه.

لكن الصيام هنا له مقاصد وسمات مخصوصة: فهو أيام معلومات، لا يستهدف فيها الصوم الخلاص من شقاء الوجود الأبدي، ولا التكفير عن خطيئة ما، ولا الخلاص من خلال المشاركة في الآلام؛ وإنما يستهدف تقوى الله وعبوديته بتقديس شهر الصيام باعتباره شهر نزول القرآن، ومن ثم الإسلام نفسه.

ولذلك فإن شهر الصيام نفسه في الإسلام هو نوع من الاحتفال الديني، وهو أمر يتبدى في احتفالات المسلمين في كل مكان، التي تتبدى بوضوح بشكل جمعي في سائر نواحي الحياة.