جولة جنيف .. آمال السلام وطبول الحرب

24 فبراير 2026
24 فبراير 2026

جولة المفاوضات الأمريكية الإيرانية المقرر لها الخميس القادم في مدينة جنيف السويسرية، وتحديدًا في مقر سفارة سلطنة عمان، تكتسب أهمية كبيرة من خلال الفرصة الأخيرة للدبلوماسية للتوصل إلى اتفاق نووي بين طهران وواشنطن، في ظل الجهود التي تقوم بها بلادنا سلطنة عمان بكل إخلاص ومصداقية بهدف إنقاذ المنطقة ومقدراتها من حرب كارثية محتملة.

الحشود العسكرية الأمريكية في المنطقة غير مسبوقة منذ حرب الخليج عام ١٩٩١ وبعد ذلك الغزو الأمريكي للعراق عام ٢٠٠٣، ومن هنا فإن الباعث على التوتر وخطورة اندلاع الحرب يأتي من تحريض نتنياهو وحكومته المتطرفة.

ومن هنا، فإن الرئيس الأمريكي أمام وضع معقد بين التوصل إلى حل سياسي، وهو الأمر الذي يوصي به عدد من القادة العسكريين، وبين التكلفة الاقتصادية الكبيرة للحرب.

إن جولة جنيف تعد جولة حاسمة في ظل تصاعد لهجة التهديد بين واشنطن وطهران وفي ظل توتر إقليمي وضغوط إسرائيلية لإفشال جولة جنيف.

كما أن المناخ السياسي الأمريكي يعيش مرحلة تناقضات متعددة من خلال اشتباك الرئيس الأمريكي ترامب مع عدد من المؤسسات الأمريكية، منها الكونجرس والمحكمة العليا وحكام عدد من الولايات.

ومن هنا، فإن ثمة عوامل تدعو إلى عدم تهور الإدارة الأمريكية في ظل خطورة وتبعات الحرب.

ولعل تحذيرات وتحفظات عدد من القيادات العسكرية في واشنطن تبدو منطقية وموضوعية في ظل إمكانات عسكرية إيرانية ليست سهلة.

صحيح أن التوازن العسكري يميل لصالح الولايات المتحدة الأمريكية كقوة عظمى في العالم، لكن الجانب الأمريكي لديه أوراق حيوية قد تجعل الحرب حرب استنزاف، كما في الحالة الأفغانية التي تواصلت على مدى عقدين وحدث بعدها الانسحاب الأمريكي المذل وسط فوضى عارمة، كما أن وجود المنظومة الصاروخية الإيرانية يشكل خطورة كبيرة على السفن وحاملات الطائرات الأمريكية في الخليج العربي، علاوة على التأثيرات الجيوسياسية وارتفاع أسعار الطاقة في حال إغلاق الممرات البحرية، ومنها مضيق هرمز وباب المندب، حيث التأثيرات الكبيرة على التجارة العالمية وسلاسل الإمداد وارتفاع قيمة الشحن والتأمين علاوة على التأثيرات في مجال البيئة، كما حدث خلال حرب الخليج الأولى والثانية.

إن العالم في مفترق طرق ويترقب جولة جنيف الحاسمة؛ حيث تخوض الدبلوماسية العمانية سباقًا دبلوماسيًا لإنقاذ المنطقة كما حدث خلال الاتفاق النووي الذي وقع عام ٢٠١٥.

إن العالم يجب أن يكون ممتنًا لما تبذله بلادنا سلطنة عمان وقيادتها الحكيمة بقيادة جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم -حفظه الله ورعاه- من جهود كبيرة مع الأطراف والمجتمع الدولي حتى يتم تجنب اندلاع الحرب، إيمانا من القيادة الحكيمة بأن الحروب تدمر الشعوب ومقدراتها، وتعطي مشاعر متزايدة للكراهية، وتضيع فرص التعايش والتعاون بين الدول والمجتمعات في عالم يتطور علميًا وتكنولوجيًا بشكل مذهل.

وعلى ضوء ذلك، فإن الاتفاق النووي يتطلب التنازلات في جولة جنيف من طرفي المفاوضات حتى يمكن الوصول إلى توافق بين طهران وواشنطن واتفاق عادل ومنصف.

ليس من مصلحة الولايات المتحدة الأمريكية شن الحرب، خاصة وأن مصالحها مع دول المنطقة كبيرة، علاوة على أن القانون الدولي لا يسمح بشن الحروب دون مسوغ قانوني. كما أن الحرب سوف تدخل المنطقة في أتون فوضى عارمة تتعدى الجغرافيا الإيرانية، علاوة على تضرر الاقتصاد العالمي، وتضرر سمعة ومصداقية الولايات المتحدة الأمريكية والإدارة الحالية، والتي نرجو أن لا تقوم ـ مع تواصل المفاوضات ـ بعملية التضليل والخداع الاستراتيجي التي حدثت في شن الهجمة العسكرية على المنشآت النووية الإيرانية.

ومن هنا، فإن الآمال كبيرة في أن تسفر جولة جنيف عن مقاربة سياسية تفضي إلى اتفاق نووي بين طهران وواشنطن.

أما إذا كانت نوايا ترامب مبيتة لشن الحرب فهنا يتأكد أن مصداقية واشنطن والرئيس ترامب أصبحت في مهب الريح، وهذا سوف يكون قرارًا غير مدروس، وسوف تكون له تبعات خطيرة على الأمن والاستقرار في المنطقة والعالم، وتبعات خطيرة على قضايا السلام.

وقد تتدحرج تلك الحرب بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران إلى دخول الكيان الإسرائيلي وأيضا المقاومة اللبنانية والحوثيون والجماعات العسكرية في العراق، مما يدخل العالم في مفترق طرق ونتائج معقدة ولها انعكاسات، وسقوط آلاف الضحايا المدنيين الأبرياء.

بين آمال السلام والاتفاق واندلاع الحرب ـ كما يقال ـ شعرة معاوية. والأمل أن تتغلب الحكمة والدبلوماسية على التحريض على الحرب والدمار. وتحية كبيرة للدبلوماسية العمانية التي تبذل كل الجهود الممكنة بهدف إبعاد شبح الحرب والدمار عن المنطقة ومقدراتها، وأيضا الحفاظ على مصالح العالم، اقتصاديًا وإنسانيًا وحضاريًا.