هل خاطر «ويتكوف» باتفاقه الجديد مع إيران؟
24 فبراير 2026
ترجمة: أحمد بن عبدالله الكلباني
24 فبراير 2026
لقد تواصلت المحادثات الأمريكية الإيرانية «غير المباشرة» في جنيف يوم الثلاثاء 17 فبراير الحالي، واستمرت تلك المحادثات ما بين 3 إلى 4 ساعات.
وكانت هناك محادثات سبقت جنيف حدثت في سلطنة عمان من خلال وسطاء دبلوماسيين عمانيين للوصول إلى اتفاق بين الطرفين، ولم يكن هناك لقاء مباشر بين الطرفين كذلك، وتم تقريب وجهات النظر الأمريكية الإيرانية عن طريق الوسطاء العمانيين الذين نقلوا لكل طرف أحاديث الآخر.
من الواضح أن «ستيف ويتكوف» المبعوث الأمريكي في المحادثات قد وافق على اتفاق مؤطر يأتي بعيدا عن أساسيات اتفاق «ترامب - روبيو» مع إيران، هذا إذا ما اعتبرنا أن التقييم الإيراني للمحادثات كان صحيحا.
ومنذ اجتماع جنيف لم يصدر من الجهات الأمريكية أي بيان رسمي علني بشأن نتائج هذا الاجتماع.
إلا أن بعض التقارير الصادرة عن عدد من المحللين تشير إلى إمكانية أن تتبع اجتماع جنيف اجتماعات أخرى بعد أيام قليلة، وهذا غالبا ما سوف يحدث بمجرد أن يرفع المبعوثان الأمريكيان «ستيف ويتكوف» و«جاريد كوشنر» تقريريهما إلى الرئيس الأمريكي «دونالد ترامب»، وبناء على ذلك سوف يقوم الرئيس الأمريكي باتخاذ قرارات فيما يتعلق بالخطوات القادمة.
وخرجت إيران من اجتماع جنيف بنتائج مبشرة حسب وجهة نظرها وقد أشار المتحدثون الرسميون الإيرانيون إلى أن اجتماع جنيف خرج بما وصفوه بـ«الاتفاق الواسع» على المبادئ التوجيهية الأساسية، وهذا الاجتماع لا بد أنه تمحور حول الملف النووي وتخصيب اليورانيوم. وأشارت تقارير رسمية إيرانية إلى أن هذا هو الملف الوحيد المتروك لطرحه في الاجتماع بعيدا عن مسائل أخرى تتعلق بالترسانة الصاروخية الإيرانية بعيدة المدى، وكذلك بعيدا عن الحديث عن وكلاء القوى الإيرانية في الدول الأخرى مثل اليمن ولبنان والعراق، وكذلك في غزة.
وأشار علي خامنئي المرشد الأعلى الإيراني إلى أن هذه الاجتماعات والمحادثات فيما يتعلق بتخصيب اليورانيوم تأتي مرتبطة بالعقوبات الأمريكية المفروضة على إيران. ويرمي المرشد الأعلى الإيراني بذلك إلى أنه في حال التوصل إلى اتفاق بين البلدين فلا بد أن تتوقف العقوبات الأمريكية.
ومن المتوقع أن يحدث ذلك في حال التوصل إلى اتفاق مطلق، ولكن بحسب جدول زمني متفق عليه بين الجانبين.
وفي حال صحت المزاعم الإيرانية فإن على دونالد ترامب أن يناقش حول ملف واحد فقط، وهو تخصيب اليورانيوم، ويقرر ما إذا كان سيواصل المحادثات على هذا الأساس من خلال مبعوثيه «ستيف ويتكوف» و«جاريد كوشنر». ويبدو أن المبعوثين يحاولان التوصل إلى الاتفاق حتى على حساب تقليص حد كبير من برنامج «ترامب- روبيو»، وإن حدث ذلك وتم الاتفاق فسيواجه «ترامب» مشكلة أخرى تتمثل في المعارضة الشديدة التي قد تخرج من داخل إدارته وخارجها - يُقصد بـ«برنامج ترامب-روبيو» الإطار السياسي الذي تتبناه الإدارة الأمريكية الثانية بقيادة دونالد ترامب (2025-2029) في ظل تولّي ماركو روبيو حقيبة الخارجية. ويقوم هذا التوجه على ترسيخ مبدأ «أمريكا أولا»، وتوسيع صلاحيات السلطة التنفيذية، وتقليص أو وقف تمويل عدد من برامج المساعدات الخارجية إلى جانب إعادة تشكيل السياسات الاقتصادية عبر فرض تعريفات جمركية ذات طابع حمائي، وتشديد الإجراءات المرتبطة بالهجرة والأمن الوطني.
وهذه المعارضة إن حدثت ضد «ترامب» فستكون نتيجة طبيعية؛ فقد أكد «ماركو روبيو» وزير الخارجية الأمريكي أن التفاوض مع إيران يجب أن يتجاوز الملف النووي بكثير، وجاء في تصريح له أن نجاح المفاوضات لا بد أن يشمل معالجة عدد من الأمور، منها ما يشمل الملف النووي بأن تقدم إيران ضمانا دائما بوقف تطوير الأسلحة والصواريخ الباليستية وبرنامجها الصاروخي، كما أشار إلى أن المفاوضات لا بد أن تشمل ملف الوكلاء الإقليميين لإيران، وأن تتعهد إيران بعدم رعايتها لوكلائها المسلحين في أنحاء الشرق الأوسط إلى جانب أن تشمل المفاوضات ملف حقوق الإنسان بما يضمن معالجة إيران لشأنها الداخلي والتوقف عن قمع مواطنيها.
أما الرئيس الأمريكي «دونالد ترامب» فقد بدا أقل وضوحا في تصريحاته، غير أن لغته السياسية توحي بأنه لا يبتعد كثيرا عن مقاربة وزير خارجيته «ماركو روبيو». ففي العاشر من فبراير استخدم ترامب تعبيرات تكاد تتطابق مع ما بات يُعرف بـ«أساسيات» روبيو حين أكد أن أي اتفاق مع إيران «لا بد أن يكون صفقة جيدة: لا أسلحة نووية، لا صواريخ، لا هذا ولا ذاك» في إشارة واضحة إلى أن التفاوض لا ينبغي أن يقتصر على ملف واحد.
وبذلك يصبح المبعوث الأمريكي «ستيف ويتكوف» أمام مهمة معقدة؛ إذ يتعين عليه – إذا صحت الرواية الإيرانية – أن يقنع ترامب بأن المخرج الوحيد الممكن هو الاتفاق «المؤطر» الذي يُقال إنه جرى التوافق عليه في جنيف. وهذه مهمة محفوفة بالمخاطر سياسيا؛ لأن القبول بمثل هذا الإطار قد يُفهم على أنه تجاوز أو تقليص جوهري لـ«برنامج ترامب-روبيو»، الأمر الذي يضع ويتكوف في مواجهة مباشرة مع روبيو، وربما مع ترامب نفسه، وإن كانت درجة التباين بينهما لا تزال غير محسومة بشكل قاطع.
وليست هذه المرة الأولى التي يظهر فيها ويتكوف كأنه وافق على صيغة تفاهم ما قبل أن يتراجع عنها لاحقا بقرار رئاسي؛ فقد حدث أمر مشابه في السادس من يناير خلال اجتماع في باريس تناول الملف الأوكراني؛ حيث كان ويتكوف - بحسب تقارير - على استعداد للتوقيع على مقترح أوروبي يتعلق بأوكرانيا، وهو مقترح كان من شأنه أن يُغلق الباب أمام أي محادثات محتملة مع روسيا، إلا أن ترامب تدخّل وطلب عدم المضي قدما في التوقيع. وهذه السابقة تعزز احتمال أن يبقى القرار النهائي حكرا على الرئيس بصرف النظر عن التفاهمات الأولية التي قد يجريها مبعوثوه.
وفي موازاة المسار التفاوضي تتحرك الأصول العسكرية الأمريكية بوتيرة لافتة في المنطقة؛ فحاملة الطائرات USS Gerald R. Ford تتجه نحو بحر العرب، غير أنها لن تصل إلى موقع تمركزها قبل الأسبوع الأول من مارس في وقت تستمر فيه عمليات نقل وتعزيز وحدات عسكرية أخرى إلى الشرق الأوسط.
وتعمل حاليا ثلاثة أسراب كاملة من مقاتلات F-15E في قاعدة موفق السلطي الجوية في الأردن من بينها السرب 494 المتمركز في قاعدة لاكنهيث البريطانية. كما يجري تحريك عدد من مقاتلات الجيل الخامس الشبحية؛ إذ حطّت ست طائرات F-35A مؤخرا في قاعدة لاكنهيث كنقطة عبور بينما انتقلت وحدات أخرى إلى قاعدة مورون في إسبانيا استعدادا للتوجه إلى المنطقة. كذلك تنشط طائرات A-10 الهجومية في منطقة الخليج، وقد شوهدت مؤخرا تجري تدريبات مع السفينة USS Santa Barbara في الخليج العربي إلى جانب تمركز سرب من مقاتلات F-16 لتوفير دعم متعدد المهام.
كما نقلت عشرات من طائرات التزود بالوقود من طراز KC-135 و KC-46 إلى المملكة المتحدة والشرق الأوسط للحفاظ على ما يشبه «جسرا جويا» يضمن استمرارية العمليات على مدار الساعة في حين توفر طائرات الإنذار المبكر E-2D Hawkeye والطائرات المسيرة MQ-9 Reaper مراقبة متواصلة لتحركات القوات الإيرانية ولمضيق هرمز. وتحمل كل حاملة طائرات أمريكية نحو مائة طائرة قتالية واستطلاعية بما في ذلك مقاتلات تابعة للبحرية ومشاة البحرية الأمريكية من طرازي F-35 و F-18.
وحتى السابع عشر من فبراير 2026 يُقدّر عدد القوات الأمريكية المنتشرة في أنحاء الشرق الأوسط بنحو خمسين ألف جندي، وهو رقم يعكس زيادة ملحوظة مقارنة بالمستوى «الأساسي» الذي تراوح خلال السنوات الماضية بين أربعة وثلاثين وأربعين ألفا.
ويبدو أن هذه الزيادة جاءت بقرار من إدارة ترامب لتعزيز أوراق الضغط خلال مفاوضات جنيف الجارية.
وعلى الصعيد البحري تتمركز ثماني مدمرات على الأقل من فئة «أرلي بيرك» في مواقع متقدمة من بينها السفينة USS Delbert D. Black المجهزة بنظام «إيجيس» Baseline 9 القادر على تتبع الصواريخ الباليستية واعتراضها مع التعامل في الوقت نفسه مع أسراب الطائرات المسيّرة. وتحمل هذه السفن صواريخ SM-3 القادرة على اعتراض الصواريخ الباليستية خارج الغلاف الجوي إضافة إلى صواريخ SM-6 التي توفر دفاعا بعيد المدى ضد الصواريخ المجنحة المناورة.
غير أن التقارير الداخلية الصادرة عن وزارة الدفاع الأمريكية تشير إلى أن مخزون صواريخ Patriot بات محدودا إلى حد كبير؛ بحيث لن تتمكن الولايات المتحدة من تزويد حلفاء مثل أوكرانيا أو تايوان أو كوريا الجنوبية بهذه المنظومات لمدة قد تصل إلى عامين.
كما تراجعت مخزونات صواريخ الاعتراض التابعة لمنظومة Patriot إلى نحو ربع المستوى المطلوب لإدارة عمليات عسكرية واسعة النطاق في حين أن صواريخ THAAD بدورها ليست متوفرة بكثافة؛ إذ استُخدم عدد كبير منها خلال عملية «مطرقة منتصف الليل» في يونيو 2025 لاعتراض موجات من الصواريخ الباليستية الإيرانية، وهو ما استنزف نسبة معتبرة من إجمالي ما تم شراؤه من هذا الطراز علما بأن جزءا من هذه الصواريخ لا يكون جاهزا للاستخدام الفوري.
وفي ضوء كل ما سبق؛ إذا لم يقتنع ترامب بصيغة الاتفاق «المؤطر» فمن المرجح أنه سيوافق على جولة تفاوضية إضافية واحدة على الأقل؛ ذلك أن الانخراط في عملية عسكرية واسعة لا يبدو ممكنا قبل وصول حاملة الطائرات USS Gerald R. Ford إلى مسرح العمليات، وقبل نقل بعض القاذفات بعيدة المدى من طرازي B-2 وB -52 إلى مواقع أقرب من المنطقة. وهذا ما قد يشير إلى أن مطلع شهر مارس يمثل الإطار الزمني الذي يصبح فيه قرار الشروع في عمل عسكري – إن اتُخذ – قابلا للتنفيذ من الناحية العملياتية.
