No Image
روضة الصائم

سؤال الذاكرين

24 فبراير 2026
24 فبراير 2026

-أبي مصاب بالشلل منذ سنة ونصف، ويعاني من تقرحات وعدم الحركة، وقد قمنا كأبناء نظرا لبعد أعمالنا وقلة الإجازات بجلب وافد من الجالية الآسيوية يساعدنا في تنظيفه وخدمته، مع متابعتنا الدائمة له والقيام على شؤونه والنوم عنده أحيانا، فهل ما نقوم به، يُعد من بر الوالدين أم يدخل هذا في العقوق؟

لا يمكن أن نقول إنه من العقوق ما داموا قد اتخذوا من الوسائل ما يقومون به بشأن والدهم، وأتوا له بمن يقوم برعايته، ويتعهدونه أيضا ويتفقدون أحواله، فقد لا يتاح للأولاد أن يباشروا بأنفسهم القيام بشأن والدهم نظرا لطبيعة هذه الحياة وما يلزمهم أيضا من واجبات ومسؤوليات، لكن العتب يكون إن أخلوا بالوسائل الأخرى التي يتمكنون بها من أداء هذا الواجب لوالدهم أو لأمهم، لأحد والديهم.

وبما أنهم قد قاموا بذلك، واختاروا من يحسن القيام بشأن والدهم ويقوم على رعايته ويقوم على ما يحتاج إليه، وهم أيضا يتفقدون ويشرفون ويتابعون، فنقول: بارك الله فيهم وتقبل الله منهم.

-والدتي رحمها الله توفيت قبل ثلاث سنوات، والآن نتصدق عنها صدقات جارية، هل يمكن أن نكتب على هذه الصدقات الجارية اسمها حتى يكون الأجر أكثر والناس تدعو لها؟

الحقيقة أن الأجور تُكتب في سجل عند من لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء، ربنا تبارك وتعالى يقول: "وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُّبِينٍ"، ومن الآثار التي تُكتب مثل هذه الدعوات الصالحة من الأولاد البررة، والصدقات الجارية التي تجري للإنسان بعد موته، وما خلفه أيضا من علم نافع مفيد، فمن يبتغي عنده الأجر والثواب ليس بحاجة إلى أن تُكتب معه أو أن تُكتب على هذه الصدقات والمشاريع الأسماء.

هذا لا يعني المنع، وإنما هو تنبيه إلى هذا الملحظ الذي أصبح الناس يتساهلون فيه، والأصل في إخفاء الصدقات أنه أفضل، فربنا تبارك وتعالى أثنى على عباده الذين يخفون الصدقات، ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في أكثر من مناسبة أيضا أثنى على من يتصدق بيمينه حتى لا تعلم شماله.

فمن أجل ذلك كان هذا التنبيه، ولكن إن وُجد مقصد مشروع من نحو ما ذُكر، من حث الناس على الدعاء لوالدتهم أو أن يتأسى بها غيرهم، فيجوز، وإن كان هذا يمكن أن يتحقق بأن يُطلب الدعاء لمن قام بهذا الفعل أو من تُصدق به، يعني لا يلزم أن يُذكر الاسم.

وسبب ترددي في هذه المسألة، أي في الفتوى بأن تُكتب الأسماء وأن تُنشر، أني رأيت أن الناس كما قلت فيما مضى أصبحوا يؤثرون كتابة الأسماء وإظهار ما تصدقوا به، والبعض منهم حاشا السائل يُصوّر وينشر ما يفعله، سواء كان ذلك لنفسه أو لغيره، أي كان يتصدق عن نفسه أو يتصدق عن غيره، وأصبحنا جميعا نرى مبالغات في هذا الباب، وكل يزعم أنه يريد أن يجلب الدعاء للمتصدق وأن يتأسى به الناس، ولكن الظاهر أن الأمر قد جاوز هذا الحد.

فكان لا بد من التنبيه إلى أن من يُبتغى عنده الأجر والثواب هو رب الأرباب سبحانه وتعالى، لا تخفى عليه خافية، وهو الذي يضاعف الأجور ويعلمها، وإخفاء هذه الصدقات في الغالب من الأحوال هو الأفضل، لأنه أدعى إلى مزيد من الإخلاص.

وكثير من الناس يدعون لمن قام بفعل خير وهم لا يعرفونه، يدعون لفاعل الخير أكثر من دعائهم لمن ظهر اسمه؛ لأنهم قد يرتابون لما كُتب اسمه، لما أظهر أنه هو المتصدق، قد يحملون أيضا ذلك على المنّ وقد على معانٍ لعل هو لا يقصدها، لكنها من المعاني التي يمكن أن تداخل النفوس حين إظهار هذه الصدقات وأسماء المتصدقين، سواء كان ذلك في مثل ما ذكره السائل من مياه الشرب، أو كان ذلك في أسماء المساجد والجوامع، أو في غيرها من وجوه البر والصدقات، فالإخفاء دائما أولى وأفضل وأدعى إلى مزيد من الإخلاص وتحري الأجر والثواب من عند الله تبارك وتعالى.

-هل الصيام مرتبط بصلاة التراويح؟

لا يرتبط الصيام من حيث القبول والصحة بصلاة القيام، ومنها صلاة التراويح، أي من صلاة القيام صلاة التراويح، ولكن في أداء صلاة القيام، صلاة التراويح، في أدائها أجر عظيم، وهي من شعائر رمضان ومما تتسم به مجتمعات المسلمين، فينبغي للمسلمين أن يحرصوا عليها وأن يُقبلوا عليها وأن يزدادوا منها مع انقضاء ليالي شهر رمضان.

بل يجب على المسلمين أن يكونوا أكثر حرصا على أداء صلاة القيام في جماعة في المساجد، وشهود الذكر والدعاء، وأن تتشوق نفوسهم لأداء هذه الصلاة؛ لأنها كما قلت من سِيمَا رمضان، والنفوس تتشوق إلى كتاب الله عز وجل وسماعه وسماع تلاوته، فإذا كان ذلك في الصلاة فهو أدعى إلى مزيد من الخشوع وذكر الله تبارك وتعالى ولتحصيل الأجور والثواب.

ففي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: "من صام رمضان إيمانا واحتسابا غُفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام رمضان إيمانا واحتسابا غُفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غُفر له ما تقدم من ذنبه.

لكن إن كان عند المكلف شيء من الأعذار التي منعته من شهود الجماعة في المسجد لأداء التراويح، فلا أقل من أن يصلي ما يستطيع حيث كان منفردا، أو أن يصلي جماعة بمن حضر معه من أصحاب أو من أهل بيت، إن منعه مانع من شهود الجماعة فلا يُخلِ نفسه من أداء شيء من الركعات في ليالي رمضان، سواء كان ذلك في أول الليل أو في وسطه أو في آخره، والله تعالى أعلم.

-ما صحة حديث: من قرأ سورة الإخلاص 100 مرة غُفر له ذنوب 50 سنة؟

هذا الحديث غير صحيح، ووردت أيضا روايات في بيان فضل سورة الإخلاص مشابهة لهذا اللفظ، منها أنه من قرأها 200 مرة غُفر له ذنب 200 عام، وفي رواية: 100 مرة غُفر له ذنب 100 عام، والحاصل أنه وردت روايات شبيهة بهذه الرواية لكنها ضعيفة. ويكفينا في فضل سورة الإخلاص، أي سورة "قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ"، قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «والذي نفسي بيده إنها لتعدل ثلث القرآن».

فسورة الإخلاص سورة عظيمة مباركة، وفضلها عظيم بدليل هذا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنها تعدل ثلث القرآن، والله تعالى أعلم.

- تعودت عندما أستغفر أن أقول: اللهم اغفر لي ولوالدي، فهل هناك صيغة محددة للاستغفار للوالدين؟

أن يستغفر بصيغة: أستغفر الله لي ولوالدي، أو: اللهم اغفر لي ولوالدي، كل ذلك من الصيغ الجائزة في الاستغفار لموتى المسلمين الذين ماتوا وهم موفُون يدينون لله تبارك وتعالى بالحق ويسيرون على ما أمرهم به جل وعلا، ونسأل الله عز وجل أن يغفر لموتى المسلمين، آمين.

وندعو كما أمرنا ربنا، أو كما أرشدنا كتاب ربنا في دعاء الملائكة، نقول: " رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ "، ونقول أيضا كما كانت الملائكة تقول، كما في كتاب الله عز وجل: " رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ "، والله تعالى أعلم.

-تعويد الأطفال على الاستغفار لآبائهم، ما هي القيمة الإيمانية التي يتضمنها؟

لا شك أن هذا أولا من حيث تكييفه هو من البر بالوالدين بعد وفاتهما، فحينما سُئل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن البر بالوالدين بعد الوفاة ذكر وجوها، ومنها الدعاء لهما، وذلك يورث الأولاد معنى إيمانيا يتعلق بحق الوالدين، وباللجوء إلى الله تبارك وتعالى، والصلة به سبحانه، والاحتياج إلى ما ينعم به ربنا جل وعلا على عباده أحياء وأمواتا.

ويغرس معاني حسن التدين والاستقامة في نفس الناشئة، ويعودهم على معاني الخير، وأن يكونوا موصولين بآبائهم وأمهاتهم وأسرهم، وأنهم في أسرة ومجتمع متماسك مترابط، يؤدي بعضه حقوق بعض، ويحرص على كل ما يعزز صلاته ويقوي أواصره، وخير ما يؤدي ذلك إنما هو اللجوء والضراعة إلى الله تبارك وتعالى.

فهذه وجوه من المعاني الأخلاقية والإيمانية التي تنغرس في نفوس الأولاد حينما يؤدون مثل هذه الحقوق، نسأل الله تبارك وتعالى أن يبارك في ذرياتنا جميعا.