No Image
عمان الثقافي

أنيسة عبود: أنا ريفية نشأت بين الأساطير والخرافات والحكايات الشعبية

25 فبراير 2026
25 فبراير 2026

حوار: حسن عبد الموجود -

برغم أنها روائية حازت على جوائز كبرى إلا أن الكاتبة السورية أنيسة عبود تعتبر القصيدة أقرب لها. الحوار معها لا تنقصه الصراحة، فهي تعتبر الثقافة العربية تابعة وتكتب وفق «باترونات الغرب»، كما تعتبر المثقف العربي نرجسيا، ويكفي أن تسأله عن الزملاء الآخرين ليشيح بوجهه أو ليتحدث عن نفسه فقط.أصدرت أنيسة عبود في القصة «حين تنزع الأقنعة»، «حريق في سنابل الذاكرة»، «غسق الأكاسيا»، وتفاصيل أخرى للعشق»، وفي الرواية «باب الحيرة»، «ركام الزمن ركام امرأة»، «حرير أسود»، «قبل الأبد برصاصة»، «شك البنت»، «ساحة مريم»، وفي الشعر «مشكاة الكلام»، «قميص الأسئلة»، «في الكتاب امرأة أخرى».

حصلت على جوائز عديدة عربية ودولية منها جائزة اتحاد الكتاب العرب للقصة القصيرة، وجائزة المجلس الأعلى للثقافة المصري لأفضل رواية عربية عن روايتها «النعنع البري»، وجائزة دمشق للرواية العربية عن رواية «شك البنت.. خرز الأيام»، وهي إعلامية قدمت برامج ثقافية منها «حروف منتمية» على الفضائية السورية.

هذا الحوار يتتبع رحلتها مع الأدب عبر مسيرة طويلة، وكذلك منجزها الإعلامي، ورؤيتها للساحة الثقافية العربية وظواهرها.

لديك أكثر من عشرين عملا تتنوع بين الرواية والشعر والقصة.. فأي نوع أدبي الأقرب إليك؟ وهل تفضلين لقب الشاعرة أم الروائية؟

أضف إلى هذا العدد أكثر من خمسة آلاف مقال موزع بين الأدب والنقد والبحوث العلمية والاجتماعية والاقتصادية، ومشاركات في مؤتمرات وندوات عربية ودولية. مع ذلك لا يأخذني هذا الانشغال عن القصيدة التي أكتبها بشكل يومي تقريبا. أنا مدمنة خيال وتشوُّف ورؤيا. لا أستجدي القصيدة أبدا. هي تأتي وحدها. تدق بابي وتشرب معي القهوة وتتأمل الأحوال. وقد طبعت أربعة دواوين وجهزت اثنين قيد الطباعة. القصيدة صديقتي التي تحضر في لحظات الحزن أو الغضب أو الاحتجاج، فأشكو لها وتشكو لي. بينما الرواية تستأذن وتطيل المكوث وتجبرني على الانفراد بها والبوح في حضرتها. كما تأخذني بعيدا، في التاريخ والجغرافيا والسياسة والفلسفة. تقودني أحيانا إلى الأسطورة أو إلى الموروث الشعبي والتحولات الاجتماعية. الرواية تتقبل الابتكار والصنعة معا، كما يتسع صدرها لكل أنواع الكتابة المجتهدة. تختلط فيها الحكاية الواقعية بالرمزية. وتدمج في نسيجها الماضي مع الحاضر وقد تشكل نبوءة في بعض الأحيان، لذلك للرواية حالتها المتفردة. لكن هذا لا يقلل من أهمية القصة والاشتغال على الأسلوب الموجز الذي يشكل خصوصيتها الصادمة المدهشة. لكن كل هذا التوجس الأدبي واللغوي والعلمي – حيث عملت في مخابر البحوث العلمية الزراعية – لم يستطع أن يبوب تجربتي أو يضعني في إطار واحد. ربما المشكلة فيَّ، فأنا لا أستطيع أن أتبنى تسمية. أنا كاتبة – ألا يكفي ذلك؟

لقد أنجزت ثماني روايات وخمس مجموعات قصصية وحصلت على جوائز عربية كبرى، وتُرجِمت أعمالي إلى لغات عديدة، لكن أنا لا أعرف لقبي، أعرف أني أكتب وكفى.

كيف استطعتِ تطويع «خوف الطفولة» من حكايات الجان والأساطير ليتحول إلى جمال أدبي في نصوصكِ؟

الأساطير وحكايات الجان هي التي تخاف منا نحن الكتَّاب لأننا نستحضرها حين نشاء ونسجنها داخل نصوصنا، فلا تقدر أن تهرب، إلا من خلال بوابات النص الذي يعتمد عليها في تفكيك الحاضر ودمجه في الرؤية المغلقة لأخذ العبرة والدلالة من خلال ربطها بالواقع الذي نعيشه. وقد نتكئ عليها لتكون حارساً وحامياً لنا من شرطة الرقابة التي تحرس النصوص القادرة على الهرب من التابوهات الاجتماعية والسياسية والدينية.

وقد لجأت إلى الأساطير والخرافات والحكايات الشعبية لأتكئ عليها وأوصل رسالة ما، وهناك أسباب أخرى هي أنني ريفية المنبت، وقد كبرت بين الأساطير والخرافات والحكايات الشعبية الملحمية والتي أعطتني بُعدا تأويليا وجماليا في رواياتي مثل «باب الحيرة»، و«النعنع البري»، و«ركام الزمن ركام امرأة»، وفي القصة القصيرة أيضاً تعمدت الاتكاء على الترميز الأسطوري.

روايتكِ «النعنع البري» نالت شهرة واسعة، لماذا وصفتِها بأنها «نص غير منتهٍ»؟

كانت الرواية الأولى، وقد كتبتها بعد ديوانين وأربع مجموعات قصصية. كانت كتابة تتحدى السائد والمألوف، ومغامرة شجاعة، حيث خرجت على القالب الروائي التقليدي، لدرجة أن قال أحد النقاد السوريين حين قرأ المخطوط قبل طباعته: «هذه ليست رواية، ولكنها رواية عظيمة أيضاً»، وأذكر أنها نفدت فوراً، وقد طُبِعت مرتين خلال فترة قصيرة، ثم توالت الطبعات حتى تجاوزت الثماني، وترجمتها دار «جوفينتس» الإيطالية. هذه الرواية فيها سرٌّ لا أعرفه. ربما لأنني كتبتها بأسلوب دائري. البداية مرتبطة بالنهاية. تبدأ بألِف وتمر على الأحرف الأبجدية كلها ومن ثم تنتهي بألِف. بمعنى أنها تبدأ مرة أخرى، ولذلك هي غير منتهية. وهذا ما أكده النقاد. والنص اللا منتهي هو النص الخالد لأنه كلما انتهى بدأ، وكأن الزمن لا يمرُّ عليه حيث له القدرة على أن يجوب طبقات الأزمنة ويتحدى غبار الصمت.

هل يعني تصريحكِ بأن الرواية هي «سيدة هذا الزمن» أن القصة القصيرة والشعر باتا غير كافيين لاستيعاب تجربتك؟

نعم. الرواية سيدة الأدب منذ ظهورها؛ حيث شكلت انعطافة كبيرة في الإبداع، وسحبت البساط من تحت أرجل الشعر وكأنها تقول: كفى لم تعد قادراً على استيعاب الواقع.

ويكفي أن نلاحظ ماذا يحل بالشعر منذ عقود. على الرغم من إقامة المهرجانات له والاحتفاء به، وتكريس الجوائز لأجله ترفض دور النشر طباعته، وترفض تبنيه. وعلى الشاعر أن يدفع ليطبع، وكأنه يشتري القراء. وهذا مؤسف حقاً بينما الرواية تسود وتجد من يشتريها؛ لهذا حصلت روايتي «النعنع البري» على عدة طبعات بينما طُبع كل ديوان لي مرة واحدة كأن الشعر لا يلبي الذائقة الجديدة، أو هو عسر الهضم في زمن السرعة، فيتوسل للشعر الكلاسيكي أن يعينه على مرارة العقوق في زمن تغيرت فيه مفاهيم الجمال والإبداع، وتخلخلت المرويات الشاهدة على العصر، فباتت الرواية هي الأكثر جرأة وتحدياً؛ بسبب قدرتها على احتواء التاريخ والجغرافيا والتحولات الاقتصادية والاجتماعية لدرجة صارت هي تأريخ للتاريخ، وكذلك صارت مرجعية ووثيقة حين نشكك بالتاريخ، وكأنها تصححه.

كثير من القراء يعتمدون روايات للوصول إلى الحقيقة الغائبة أو المسكوت عنه في مجتمع أبوي. من هنا تأتي خطورة الرواية المتمردة المشاكسة للسيرورة التقليدية؛ وبالتالي تتم معاقبة الرواية التي لا تخضع لمعايير زمنها، إما بإقصائها وإما بإقصاء الكاتب، وهذا حدث مع رواية «النعنع البري» التي رفضت بعض البلدان العربية دخولها إليها؛ لأن المجتمع العربي غير بالغ فكرياً ومعرفياً، وبالتالي يحددون له ماذا يقرأ وماذا يرى. بالتأكيد الرواية قادرة على استيعاب التجربة الزمانية والمكانية السريعة أكثر من الشعر والقصة. هي أفق رحب يتسع لتناقضات الرؤيا وغواية المعنى وتعدد الإشارات والتأويل. هذه الإشارات هي مادة الجذب التي تختلف من متلق إلى آخر. الرواية بحر شاسع وأفق غير محدود، والقصة جدول صغير عذب وممتع.

في رواية «شك البنت.. خرز الأيام» حاولت توثيق أماكن الأحداث في اللاذقية.. ماذا يمنح التوثيق العمل الروائي؟

تلك الرواية ابنة المكان الذي حمل الأحداث وشارك في السردية الروائية بما تتضمنه من دلالات إيجابية وسلبية. المكان الواقعي يجعل القارئ يصدق خيال الكاتب، ويثق بالمرويات على لسان الأبطال، وقد يشعر بأنه أحد شخصيات هذه الرواية؛ لأنها تدور في مكان جغرافي يعرفه. ورواية «شك البنت.. خرز الأيام» تدور أحداثها في الجامعة، وفي المدينة البحرية الممطرة اللاذقية، وقد قصدت إظهار المكان؛ لأنه قادر على حمل التاريخ والتحولات الاجتماعية والاقتصادية في المدينة خلال فترة زمنية ما. إنه مسرح للذاكرة. لكن هذه الرواية ليست الأولى في تداخل الأمكنة مع شخوص الرواية ليشكِّلا معاً نبض الحدث وسيرورة النص المفعم بالترميز. أنا أحتفي بالأمكنة حتى لو غيَّرت الاسم المتعارف عليه لها. في رواية «باب الحيرة» مثلاً يأخذ المكان حيزاً كبيراً من مساحة الرواية التي تدور أحداثها بين أمريكا وحلب. لقد وظفت المكان بشكل يضيء الحدث الروائي ويضيف إليه مصداقية تاريخية وجغرافية.

من خلال برنامجكِ «حروف منتمية» ما السمة الأبرز التي وجدتها في «أدب الحرب» لدى المثقف السوري؟

أشير أولاً إلى أنه شاركني في الإعداد والأفكار شباب موهوبون مثل الإعلامي قتيبة العلي وقد نجح البرنامج جداً، وقد حاورت فيه أكثر من خمسين أديباً سورياً وعربياً من النخبة. كنت أغوص في حياتهم الشخصية وقناعاتهم الفكرية، وماذا تمثل لهم الكتابة. كانت السمة المشتركة لكل الأدباء هي الحزن. الأدباء لا يعرفون الفرح الداخلي. مهمومون بالقبض على اللحظات الهاربة من أعمارهم ومن الزمن. قلقون في البحث عن الابتكار والإدهاش واستنباط الأفكار المختلفة. مشروعهم الأبدي لغة لا تموت واسم لا يُمحى.

كما لاحظت أن الكاتب العربي صعب عليه الاعتراف بالآخر. هو ينظر في مرآة نفسه ولا يعترف إلا بذاته أولاً؛ لأنه يتحول في لحظة إلى ناقد كبير يرش عليك نظرياته رشاً مع أنه لا يقرأ لزميله إلا نادراً. والغريب إذا ما سألته عن كاتب يعجبه أو تأثرت به سيذكر لك كاتباً أجنبياً.

عامة الكاتب العربي لا يعترف بتفوق الآخر عليه باعتبار تعظيم الآخر انتقاصاً من موهبته، ومن الأشياء التي لفتت نظري بعد «ربيع الخراب» التحول الكبير في الرؤيا الأدبية، واستخدام مفردات جديدة في السرد لم نستخدمها سابقاً، مثل كلمة الساطور. الذبح، الدماء، الاغتصاب، القتل، قطع الرؤوس، أكل قلوب البشر؛ كثير من عبارات كانت تقشعر لها أبدان الكاتب أو القارئ، لكن هذه التعابير تسللت إلى لغتنا، وصارت تمر مرور الحياة اليومية في النص الشفهي والكتابي. الحروب المريرة جعلت اللغة غير اللغة والخيال غير الخيال إضافة إلى تلمس الخيبة والانكسار والنكسة مع ما سمي بالربيع العربي وكأننا في نكسة حزيران.

هل ترين أن حركة النقد العربية الحالية منصفة للتجارب النسائية، أم أنها ما زالت محكومة بمعايير وانطباعات شخصية؟

حركة النقد العربية حركة تابعة للأسف، ولم تشكل كيانها المستقل أو مشروعها النابع من معطيات النص العربي إلا نادراً، ومن خلال أسماء عربية قليلة ربما لحداثة النقد في المنتج الإبداعي العربي؛ إذ يتكئ حتى الآن على نظريات الغرب وعلى بقايا الموروث النقدي القديم.

أما من ناحية إنصافه للمرأة فأجد أنه مشروع ناقص تجاه الكاتب والكاتبة معاً؛ إذ لم ينصفهما، خاصة أن المرأة الكاتبة تعثرت في بدايات انطلاقتها الإبداعية؛ لأن كتابتها كانت رهن النموذج الذكوري الذي لا تقدر على معارضته، وكانت أهميتها تأتي من قدرتها على اقترابها من هذا المنجز المعياري. الآن اختلف الأمر، وصارت المرأة تتصدر كتب النقد ومنابر المهرجانات ودور النشر غير عابئة بمواقف الآخر المتطرفة، فهل هذا ثقة بقدرتها الإبداعية، أم تجاوز للنموذج الأبوي الذي لم يعد صالحاً في هذا الزمن الرقمي، أم ربما امتلكت مشروعها الأدبي الذي يمثلها وحدها -وهذا هو الأرجح-؟ 

ما الذي ينقص الأدب العربي في رأيكِ ليصل إلى القارئ العالمي؟

الأدب العربي لن يصل إلى القارئ العالمي عبر الطرق المتبعة الآن. هناك معايير لاختراق العالمية، وفي رأيي الشخصي أولها أن نكتب واقعنا وذواتنا، كما فعل ماركيز الذي انطلق من المحلية فوصل إلى العالمية. وكذلك كانت تجربة نجيب محفوظ الذي وصل أيضاً إلى العالمية. نحن ما زلنا في طور التقليد؛ نكتب بناء على ما يروج له الغرب؛ لأن الضعيف يتبع القوي ويقلده في كتابته وقراءته وحتى طعامه. لذلك انخرطت الرواية العربية في كتابة قضايا شجَّع عليها الغرب لغايات في نفسه، فتبوأت كتابة الجسد المرتبة الأولى على مدار عقد كامل. غير أن هذه الموجة سرعان ما تحولت إلى حالة نمطية، تقليدية تكررت وتشابهت حتى فقدت ألقها ودهشتها. العالم مشغول بقضايا غير قضايانا، ولكنه يصدِّرها لنا لنتبناها وتصير معياراً للتميز باعتبار الغرب هو النموذج؛ لذلك لا بد من الخروج من هذا النموذج، وننشغل بقضايا تشبهنا وتحمل رسالتنا إلى مجتمعنا أولاً، ثم إلى المجتمعات الأخرى. لكن الوصول إلى المجتمعات الغربية لا يتحقق عبر مشروع فردي فقط، بل بالتعاون مع مؤسسات رسمية ثقافية تتبنى وتساند. تترجم، وتنشر، وتشجع على سفر الكتَّاب. كلنا بحاجة لأن تسافر كتبنا إلى خارج المحيط العربي لتعرِّف بنا وبجغرافيتنا وتقاليدنا وحضارتنا وفكرنا، ولنا في ابن رشد أسوة حسنة.

لماذا تعتبرين أن إثارة الأسئلة هي «مهمة مقدسة» للأديب بينما الأجوبة هي مهمة السياسي؟

لأنها تخلخل الثابت وتحرك القاع الراكد في بحيرة الشك بحثاً عن اليقين. أهمية بعض النصوص تكمن في قدرتها على إثارة الأسئلة عبر الزمن، بحيث تنتقل الأسئلة مع تغير الدلالة والمعنى الذي يتجدد من زمن إلى زمن، ومن قارئ إلى قارئ. لذلك جاءت أشعار المتنبي وأبي علاء المعري وأبي تمام ضمن هذا السياق. ثم يأتي الروائي لينير الغموض، ويأتي السياسي ليرد على أسئلة الواقع.

الكتابة كشف والكاتب كشاف معرفي يسلط الأسئلة على الخلل المعرفي والسياسي والاجتماعي، وعلى القارئ الباقي.

شعرتِ بالخوف أثناء كتابة عملكِ الأول؛ فهل تلاشى هذا الخوف مع تراكم الجوائز والخبرات، أم أنه يتجدد مع كل نص؟

الخوف أثناء البدء خوف مشروع عند الكاتب؛ لأن البدايات دائماً تترافق مع المجهول الذي يتشكل في الوعي بحثاً عن نبوءة فكرية لمنجز يسعى إلى الاكتمال، والظهور في مظهر لائق حين يُدعى إلى قاعة الأدب والمعرفة. وقد سبقنا المتنبي في قوله «على قلق كأن الريح تحتي».

كانت بدايتي مع «النعنع البري» بداية قلق وخوف؛ لأنه العمل الأول كرواية، إلا أن هذا القلق ما زال يرافقني حتى الآن، وأجده قلقاً معرفياً وإنسانياً تجاه مولود جديد أسعى إلى أن يكون جميلاً معافى وذكياً وسريعاً في الوصول إلى المتلقي. صحيح أن الجوائز والتكريم واتساع دائرة القراء والخبرة لها أهميتها، إلا أن النجاح الذي حققته والتميز زاد من قلقي؛ كي أبقى عند حسن ظني بي أولاً، وحسن ظن القارئ بأنيسة عبود.

الكتابة تعني الحساسية العالية والقلق، وحين ينتهي القلق تنتهي الدهشة، وتكون مؤشراً على النهاية الإبداعية.

ترين أن هناك تراجعاً في المشهد الثقافي العربي الكلي.. كيف يمكن أن يحمي الكاتب روحه من فوضى المشهد؟

لن أخوض كثيراً في الواقع الثقافي؛ لأن الخوض فيه يحتاج إلى صفحات وصفحات تفنده وتضع يدها على الجرح الذي يتعاظم باستمرار في زمن لا يحتاج إلى ثقافة، ويظن أنه قادر على الاستغناء عنها بسبب توالي وابتكار وسائل تواصل أخرى، وهذا زاد على الأزمة أزمة أخرى. الواقع مأزوم نعم. سوق الكتاب مأزوم نعم. وسوق المعرفة مأزوم أيضاً، لكن هذا انعكاس لأزمات الواقع المحكوم بتقلبات كثيرة وتحولات عميقة من الثقافة الورقية إلى الثقافة الرقمية إضافة إلى الذكاء الاصطناعي الذي خلخل الموازين، وغيَّر طريقة تفكير الجهات والمؤسسات، وفرض قوانين جديدة.

هذا الوضع المفاجئ يتطلب البحث عن كتابة جديدة وسرديات موازية لهذا التغير؛ لأن المجتمع أيضًا اختلف بسرعة. لم تعد الموهبة كافية لإنتاج نص شرعي لهذا الزمن. لا بد من دمج الثقافة بالفلسفة، بالتخصص، بالنقد، بالتحول الرقمي الخطير؛ لتقدر الثقافة أن تستمر وتحافظ على فاعليتها في استنهاض الوعي الاجتماعي والجمالي والمعرفي من خلال منجز جديد يحمي القارئ والكاتب من الفوضى ومن التلاعب بمعايير الإبداع الراسخة في الوعي الجمعي والتي لا بد من ترسيخها أكثر من خلال العمل عليها وتجديد أدواتها، وإلا نسفت الهوية الثقافية كما تنسف الهوية البصرية والجغرافية التي تؤكد وجودنا وحضارتنا التي نعتز بها.

حسن عبدالموجود صحفي وقاص مصري