No Image
عمان الثقافي

قراءة في كتاب «صورة المكان في القصة القصيرة العمانية» للباحث أحمد المعولي

25 فبراير 2026
25 فبراير 2026

ثاني جمعة الحمداني -

عندما نمعن النظر في المسار السردي العماني الحديث؛ فإننا نجد أن القصة القصيرة في سلطنة عمان قد أخذت المساحة الكبرى من الاهتمام والمتابعة، ويمكن أن ننظر إليها باعتبارها الأدب الأول في عمان وربما الأوسع كما ترى ذلك الدكتورة عزيزة الطائي في كتابها «الخطاب السردي العماني: الأنواع والخصائص (1939-2010) إذ تقول: «الراصد للرسم البياني لإنتاج القصة القصيرة العمانية منذ نشأتها حتى الآن يلاحظ بيسر أنها تتبوأ الرفوف الأولى في المكتبة العمانية، وتتمتع بالحضور الدائم في المجلات والملاحق الثقافية، والصيت المسموع في الندوات الأدبية؛ وتأتي في مقدمة الأجناس الأدبية، ذيوعا ورواجا».(1).

ومن هنا جاءت الدراسات التي توجهت إلى دراسة هذا الفن السردي. من هذه الدراسات تأتي دراسة الباحث أحمد المعولي «صورة المكان في القصة القصيرة العمانية» لتكون لبنة جديدة تضاف إلى الدراسات البحثية الخاصة بدراسة القصة القصيرة في سلطنة عمان، التي تتعلق بدراسة الجوانب الفنية والتكوينية.

وإذا كانت الدراسات السابقة قد ركزت على أدب القصة القصيرة سواء من خلال تكوينه التاريخي أو الاجتماعي أو الفني فإننا نجد أن دارسة أحمد المعولي قد ركزت على صورة المكان واعتباره العنصر الأهم بين مختلف العناصر الفنية الأخرى. يقول أحمد المعولي في إبراز أهمية الفضاء: «والمكان عنصر أساسي من عناصر العمل الأدبي لا يقل أهمية عن العناصر الأخرى كعنصر الزمن واللغة والشخصيات والأحداث».(2).

فالباحث لم يتناول المكان بكونه خلفية للأحداث أو مساحة تحتضن الأحداث، وترصد أدوار الشخصيات؛ ولكنه تمثل لديه باعتباره تكوينا سرديا يضمن اندماج مختلف العناصر، ويضمر تفاعلات يسرد من خلالها بناء الشخصيات، وحدودها الفنية. «إن النظام السردي قائم أساسًا على مبدأ القيمة، وهي بؤرة الغاية السردية: قيم استعمالية عارضة، أو قيم أساسية تخص الهوية وأشكال تحققها..»(3).

لقد تصور عدد من الدراسات في جعل المكان عنصرا يأتي بعد عنصر الزمن أو بعد عنصر الشخصيات فيكتفي بوصفه من خلال حضوره الذي يجمع خيوط الحكي، وبصورة واقعية للنص، وهذا ما يختلف عنه أحمد المعولي في دراسته؛ إذ يرى المكان بنية ذات دلالة سياقية وجمالية؛ فهو يجسّد المعنى والدلالة والمضمون الحكائي؛ فالقرية والمدينة والشارع والبحر والوادي والفلج والسكك كلها ذات واقع اجتماعي وتحمل أبعادا نفسية، وثقافية. فاكتفاء الأقصوصة بمكان وحيد غالبا على أنها تتبنى طوعا المغامرة الداخلية؛ حيث يهيمن التأثر واضطرابات النفس، ففضاء الأقصوصة يوحي به ما يعلن عن الخطاب من ديكورات وما يعرضه من أماكن مختلفة».(4).

تتجسد قدرة الباحث من خلال التغير المنهجي الذي يسلكه؛ فهو يبدأ مقدمته ضمن سياق المحاورة التي ينبني عليها الأدب العماني عامة وأدب القصة خاصة. ومن هنا ينطلق في رسم أبعاد المكان الخارجي، ثم ينتقل عبر وصف تحليلي إلى محاكاة الوظيفة الفنية للمكان ضمن سياق الخطاب القصصي. وعبر تساؤلات محورية. كيف جاء المكان؟ وكيف بنى القاص حدوده المكانية؟ ما الصور الممكنة التي استحضرتها ذاكرة الإنسان وذاكرة المجتمع... ومن خلال ذلك الترحال يقترب الباحث من الرؤية التي أشار إليها... فيتداخل الزمان والمكان ضمن مسار فني مشترك.

في الفصل الأول يقترب أحمد المعولي من رسم القرية العمانية؛ إذ تتشكل صورة المكان من خلال وصف مكونات المكان القروي من البيوت الطينية والسكك الضيقة والنوافذ الصغيرة والأبواب ذات التشكلات الزخرفية وهذه الأبعاد الوصفية الخارجية تكمن وراءها أبعاد نفسية واجتماعية وثقافية وتصور العادات والتقاليد والتمسك بمبادئ الهوية العمانية التي بدأت في تتغير عبر الزمن وعبر التحولات المختلفة. فكانت القرية فضاء السكينة والهدوء والراحة التي تسعى إليها الشخصيات في حراكها اليومي.

فقد رصد الباحث ما يقارب ثلاثة عشر عملا قصصيا تميزت مختلف النصوص في مستواها وبنيتها السردية ونظرتها لمحور المكان المعني بالدراسة. فالمدونة قد شملت: مجموعة عبد الفارسي: «لا يفل الحنين إلا الحنين» ومجموعة محمد بن سيف الرحبي «وقال الحاوي»، ومجموعة «بركة النسيان» لمحمود الرحبي، و«صبي على السطح» لجوخة الحارثي، و«شمس النهار من الماء» لحمود الشكيلي، و«سغب الجذور» لفايزة اليعقوبي، و«غبار ورفرفة» لبشرى خلفان، و«لعنة الأمكنة» و«الرائحة الأخيرة» للخطاب المزروعي، و«عبد الفتاح المنغلق»، لسليمان المعمري، «وما بكى»، لنبهان الحنشي، و«الذاكرة ممتلئة تقريبا» لمازن حبيب، وأخيرا، «غيوم يقظة» لسميرة الخروصي.

من هنا يجسد التفاعل بين المكان الواقعي، والمكان الذي رسمه الباحث، ورصده عبر القصص المختارة؛ فصورة المكان هي ما يمكن أن تلاحظ ضمن سير الزمن وضمن تغيرات الواقع؛ فكأن الواقع يسعى لأن يكون مسارا للتغير أو صورة تشهد التغيرات التي يعيشها المكان؛ فيصبح تكوينا سرديا يكشف تلك التغيرات ويبني حدودا جديدة.

وفي الفصل الثاني يكشف الباحث عن صورة المكان في المدينة؛ إذ تتسع الرؤية الفنية وترصد أبعادا وفضاءات مختلفة للمكان تتجسد في الشوارع والبيوت الجديدة والمحلات المختلفة وحركة الواقع الفعلي للشخصيات فتتكون بعدية المكان من خلال التمازج بين حركة الشخصيات والذاكرة الجمعية التي تحاول من خلالها الشخصيات أن تعقد مقارنة بين صورة المكان في القرية وصورة المكان في المدينة. هذه الأبعاد الجديدة ترسم جملة من المشاعر الكامنة في الذات الساردة التي تبحث عن مستوى من التعايش والتآلف رغم صورة التشرد والاغتراب الظاهر في تخيلات الشخصيات وفي مفردات المدينة من الشوارع المكتظة بالحركة ومن التغيرات المصاحبة في العادات والانتماءات الاجتماعية والعلاقات بين أفراد المجتمع؛ لتغدو المدينة بصورتها الموحشة فضاء يحمل دلالات الوحدة والضياع.

ولهذا بدأت المدينة تركينا سرديا يحمل أبعادا فنية ذات شعور مضطرب مخفي في الشوارع ذات اللون الأسود يعكس أبعاد الشخصيات ويشعرها بالتيه؛ فصورة المكان ذات مستوى من التقابل والجدلية يتجاوز ذوات الشخصيات ويدخلنا عبر مساحات الذاكرة والتخيل والمقارنة.

في مستوى من التواصل نجد أن الباحث قد أظهر في بعده التحليلي بروز ما أسماه بثنائية المكان الأليف والمعادي؛ إذ منح هذه الثنائية بعدا إيحائيا تقوم الشخصيات بنسجه من خلال تواصل حكايتها ضمن الإطار المكون لها بين مسارين مكاني وزماني فمن خلال هذه الثنائية يمكننا أن ندرك أبعادها ومعانيها التي توحي إليها أن المكان في حقيقته -كما يؤكد شاكر النابلسي- يكتسب جماليته عبر حركة الإنسان، والمكان بدون الإنسان يتحول إلى قطعة من الجماد التي لا حياة فيها. وبذلك تتسع دائرة الإدراك بين الإنسان والمكان، وتتحول العلاقة بينهما إلى روحية وشعورية لا يكتفي الوصف الظاهر برسمها بقدر ما تخرج مسجلة وراصدة لما تحتويه مدونة الإنسان نفسه.

إن الشخصيات ومنها الشخصية الرئيسية تمضي إلى تصور دوائر متعددة بينها وبين المكان، ذلك أن ما ترسمه يعبر عن المكان؛ فالمكان المعادي ما هو إلا صورة تستدرجها العلاقة القائمة بين المكان والشخصية. وهكذا يكون المكان الأليف صورة أخرى تتعايش وفق مساحات من التواصل الفني والدلالي. وفي كل ذلك يظهر انعكاس الواقع الاجتماعي المعيش وترصد وظيفة المكان قوة العلاقة والمكنونات الداخلية والمشاعر الكامنة في الذوات المختلفة وبالتالي يزيد من عمق العلاقة ومظاهر التشارك والتوافق.

في مجال آخر تظهر لغة الوصف التي أبدعها المؤلف تمكنا في بناء الجملة اللغوية، فعلت ظاهرة الوصف المبني ببلاغة فنية وجمالية؛ فباللغة ينتقل الوصف إلى وسيلة تكوين أسهم اختيار المفردة في تجسيدها، وضمن توزيع الجمل والعبارة اختصار وكثافة في المعنى المراد مما شكل صورة مكانية ذات فرادة وتميز. نقرأ مثلا: «يرتحل هنا المتلقي إلى عالم مختلف عن عالمه الذي يعيش فيه إلى فضاء أسطوري روحي يرى في سحر الواقع ومستوى القص نفسه تندمج فيه شخصية السارد مع الواقع، ويعيش مع المكان في علاقة تفاعل متبادلة»(5).

وفي تصور جديد: فإن الأبعاد الأخرى التي رصدها الكتاب في بعده الاجتماعي والتاريخي عكست مستوى التوافق والاختلاف بين تشكلات المكان وصوره المتباينة؛ فقد تحولت القرية الجبلية البعيدة إلى ساحة من التمدن والظهور والتكيف مع الواقع الاجتماعي الجديد من خلال تفاعل جوانب التمكن والعيش والحياة المعاصرة، ودخول مختلف الظاهر الحياتية الجديدة، والوسائل المعينة التي نقلت فضاءات القرية إلى فضاء الحداثة والمعاصرة. فلم تعد صورة المكان في القرية كما كانت سابقا وإن ظلت مفردات التكوين الطبيعية مستمرة دون تدخل الإنسان؛ لكن تلك التي ظهرت على مستوى التغيرات الاجتماعية والعلاقات الداخلية التي كانت تعيش عليها القرى وتوارثتها عبر أجيالها الممتدة استحضرها الواقع السردي، وشكل عبر جوانب نفسية واجتماعية وجددت صورة الشخصيات أبعاد المتواليات المعيشية والتغيرات التي حدثت في واقع القرية سواء تلك المظاهر الخارجية التي تعنى بشكل البيوت والحارات أو بتلك الامتزاجات الاجتماعية والعلاقات الجديدة التي كان صداها ضمن اتصال انحناءات وتكوينات ومحاور اجتماعية ومجتمعية جديدة تأثر بها المكان وحكت صورة الإنسان.

تبرز قيمة «صورة المكان في القصة العمانية» في كونها تندرج ضمن سياق بحثي عام وموسع؛ إذ لا يمكن النظر إليه منفردا عبر مساحة البحث المنوط ضمن مدونة الكتاب أو ضمن مسارات التمثلات الواصفة لصورة المكان وأبعاده المختلفة.

من هنا يحيلنا البحث عبر مساحاته الدلالية إلى تصورات مختلفة بعيدة تشمل مختلف المظاهر السردية؛ لتغدو صورة المكان منحنى بنيويا يظهر الجوانب الفنية المتعددة التي تتجاوز أي نص سردي على اعتبار أن المتن المكاني يخرج دائما بجملة من السياقات الدلالية التي تعيد له مستوى من التفكير والتأمل بحيث تعطي المكان أهميته الفنية والسياقية متجاوزة في تشكلها العناصر القصصية المختلفة: كالشخصية والزمن والحبكة.

في التصور الذي يحركنا شعوريا أمام هذا المنجز البحثي ثمة ملاحظات هامشية لا تسري كونها جوانب نقدية بقدر ما هي بعد فني يضمن كمال العمل ويضيف أقواسا جديدة قد يعي بها دراسات قادمة؛ فالصورة التي خرج بها البحث كانت تستدعي جوانب ومظاهر تتعلق بحركة المكان والتصورات الذاتية للشخصيات مما كون علاقة أحادية بين الطرفين لم تتعد حدود الواقع الاجتماعي والنفسي على أن المضي إلى مظاهر فنية أخرى كالوصف السيميائي أو الفلسفي للمكان قد يمنح البحث خطوة جديدة ويقدم للقارئ تأملات وأفكارا متعددة تنبئ عن تطورات المكان، وترصد صورته المختلفة مما قد ساعد على تبني مقاربات جديدة، وتجارب بحثية وجمالية للمكان وتمثيلاته المختلفة.

رغم هذا فان البحث يكاد مكتملا لا تصيبه هذه الملاحظة بشيء من العطب أو التقليل من حضوره، وقيمته الفنية على المستويين المحلي والعربي.

في ختام هذه الوقفة الوصفية لكتاب صورة المكان في القصة العمانية للباحث أحمد المعولي الذي تجاوز في إعدادها وترصده التحليلي جوانب التكرار والنقل المباشر، فقد اختار مدونته بعناية وقارب بينهما في مسعاه بشكل يستطيع من خلاله تكوين صورة بحثية متسعة تشمل مختلف الجوانب وتعي أبعاد المكان وتمثيلاته المختلفة. فقد جدد المعولي تصورنا للمكان، وإنه ليس ذلك التكوين الفارغ الذي تحدث فيه الأحداث، ويشكل إطارها الخارجي فقط؛ ولكنه تكوين حكائي مصوغ بجملة من الأسربة الفنية والتشكلات الجمالية ورغبة ملحة في إعادة تفكيرنا في تلك المساحة الفنية، وأسكنها بأصوات البحث، وقدمها بصورتها المختلفة، وقارب بين دلالتها الفنية والاجتماعية والنفسية.

من النتائج التي نجدها في الكتاب أن ظهور القصة العمانية كان تحولا في الأدب العماني في ظل وضع الأدب العربي الحديث، كما أن ظهور النص القصصي في سلطنة عمان صار مسارا بين القديم السائد والحديث الناتج من خلال عملية التأثر، والتأثير وما ارتبط ذلك في تعدد مستويات السرد، واستعمال لغة فنية ذات مستوى من الدلالة والجمالية. كما أن ظاهرة توظيف التراث في البيئة العمانية لدى السارد المحكي المتمثل في أبعاده الأسطورية والعجائبية وتكويناته الاجتماعية والثقافية قد منح مستوى التلقي مساحة جديدة، ومختلفة. كما أكدت الدراسة اهتمام القصة القصيرة العمانية بالمكان، وصورت اختلاف البيئات، وقاربت بين حدود الواقع والتخييل، وسارت إلى عتبات وثيمات خاصة بالمكان المحلي كالأفلاج والمزارع والبحر والقلعة. وأخيرا تذكر الدراسة مقاربات بين البيئة المحلية، والهوية العمانية، وتأسيسها لتمثل مقاربة سردية وقصصية.

لقد تمكن من رسم صورة المكان وتجدد بعده العميق الذي يفي القصة حقها ويقدم محاورها الفنية التي لا يكتفي القاص حين يستدعي جوانب فضائه بالوصف العابر بل يؤثثه وفق رؤية فنية ويجسده عبر لغة منتقاة تفي بالمكانة الفنية لعنصر المكان الذي لا يقل حضورا من بقية العناصر. «تبدو البيئة العمانية الأصيلة حاضرة في ذاكرة القاص العماني، والمدن والقرى بكل تحولاتها وتطوراتها ماثلة في النفوس والبحر وخصوصيته عند العماني، كل هذه الأمور تقود في هذه الدراسة إلى أثر المكان في القصة العمانية لتكون مهدا تنطلق منه لدراسة الأمكنة التي تستند عليها القصة العمانية القصيرة»(6).

الهوامش:

1- عزيزة الطائي، الخطاب السردي العماني: الأنواع والخصائص، (11939-2010) المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، الطبعة الأولى، 2019، ص37.

2- أحمد عبد الله المعولي، صورة المكان في القصة القصيرة العمانية، دار بورصة، القاهرة، 2026، ص26

3- محمد القاضي، وآخرون، معجم السرديات، دار محمد علي للنشر، تونس، ط1، 2010، ص310.

4- سعيد بنكراد، الشرعية وسلطة المتخيل- دار الحوار للنشر والتوزيع، دمشق، ط1، 2016.ص 36.

5- أحمد عبد الله المعولي، صورة المكان في القصة القصيرة العمانية. ص127.

6- السابق، ص12.