No Image
عمان الثقافي

محطات

25 فبراير 2026
25 فبراير 2026

أمل المغيزوي -

المحطة الأولى:

الغريب أن ذاكرتي تحتفظ بالكثير من التفاصيل الدقيقة التي ترتبط بطفولتي، أتعجب أحيانًا من جميع تلك الذكريات التي تنبثق فجأة دون أي مقدمات، تأتي ممزوجة بطفولة بعيدة قضيتها بين المزارع والأشجار، بين فسائل النخيل المتراصة، بينما أجمع حبات التمر المتساقطة بعشوائية على امتداد بصري.

ولعل أجمل ما التصق بذاكرتي صورة قطرات الماء التي تنساب على علب الماء التي نضعها في البراد لتتجمد ونخفيها لاحقًا تحت مجموعة من الشجيرات، ونبحث عنها بعد عودتنا من رحلتنا المضنية وفوق رؤوسنا المتعبة نحمل ما جمعناه من تمور، وقد تحمل أيدينا كيسًا صغيرًا أو أكثر لا سيما إذا كانت التمور المتساقطة كثيرة إثر ريح عابرة مرت، أو في حال اكتشافنا لمجموعة من الأشجار في مزرعة بكر نائية لم تمسها الأيادي، ولم تدوسها الأقدام من قبل.

رغم الحر الشديد وحبات العرق التي تنساب بغزارة وتجعل ملابسنا تلتصق بأجسادنا النحيلة، غير أن محطة شرب الماء البارد وانتظار دورنا، ومراقبة تلك اللهفة التي تبرز من كل العيون المترقبة كانت تمثل لنا استراحة محارب انتصر في معركته، ورفع راية النصر عاليًا.

المحطة الثانية:

تغوص أقدامنا في التراب، وتترك الأكياس البلاستيكية خطوطًا حمراء في أيدينا المغموسة بالعرق والطين، ويبدأ الماء الذي شربناه قبل قليل بالتحول إلى قطرات كثيفة تتساقط من وجوهنا المتعبة على الأرض الجافة.

نقف أمام الشارع الأسفلتي تنتظر خلوه من السيارات المارة، العرق يتصبب على التراب المحيط بنا، قد نترك الأكياس فوق التراب؛ لنخفف من حدة الألم الذي ينخر جلدنا دون توقف، وعندما نسير على الأسفلت نحس بحرارته تنهش أطراف أصابعنا المعفرة بالطين والعرق، لا نلقي بالًا لحبات الرطب التي تتساقط على الشارع، نهرول بحركات مضحكة مخافة التعثر، نتنفس الصعداء ونحن نودع الشارع والسيارات وحبات الرطب التي فُقدت وتناثرت لتأكلها الشمس، وتدهسها إطارات السيارات المسرعة.

المحطة الثالثة:

تحت الماء المنسكب من الصنبور القديم نغسل أيدينا وأرجلنا ووجوهنا المتعبة، نحدق في الماء الذي يكتسب لونًا طينيًا مغبرًا، ونطيل النظر في كتل الطين الكبيرة التي تتساقط دون توقف، نحمل أثقالنا ونرتبها في «المسطاح» الذي احتل الجزء الخلفي من بيتنا.

نشعر بالزهو حين نلاحظ تكدس التمور بكميات كبيرة، ندخل إلى بيتنا نجد طعام الغداء وضع كالعادة في قلب الصالة المتهالكة، نتحلق حوله بسرعة، نأكل بشراهة، حتى يظهر بياض الصحن، وتختفي حبات التمر الملقاة بعشوائية فوق البساط البلاستيكي الشفاف، نتشاجر في تحديد الشخص الذي سيقوم بغسل الصحن البلاستيكي والكوب المعدني الكبير، ننهض والتعب بادي على وجوهنا الصفراء، وأيادينا ما زالت تحمل الخطوط الحمراء نفسها بلون باهت.

رغم التعب لا ننام، نضع رؤوسنا المتعبة على وسائد مهترئة خيطت من أماكن عدة، وأضيفت لها قطع مختلفة من الأقمشة المتباينة، فظهرت بألوان مضحكة غير متناسقة.

نظل نثرثر عن رغبتنا في الذهاب مرة أخرى لمزرعة بعيدة نسبيًا غير أنها تحوي الكثير من أشجار النخيل، نركز على المزارع التي لا تحتوي على سياج، والتي أهملت وتركت منذ فترات زمنية متفاوتة.

وفي داخنا ينمو أمل كبير فضفاض بالمبالغ التي سنحصل عليها في نهاية الموسم، أحلامنا كانت تكبر وتصل لتعانق النخلات الطويلة التي نمر بجانبها، والتعب يتحول لذكرى عابرة تشبه سحابة صيف مرت ثم رحلت بكل خفتها.

المحطة الرابعة:

نشعر بأننا نسير على قلوبنا، الأكياس الفارغة التي نحملها بين أيدينا والأوعية التي نضعها فوق الرؤوس كلها تصبح أحمالا خفيفة أمام الكنز الذي ينتظرنا في المزرعة البعيدة، خطواتنا تصبح أكثر اتساعًا كلما اقتربنا من حدودها، شهقاتنا جاءت متحدة بعد أن أبصرت أعيننا كمية الرطب المتساقطة على الأرض الطينية، نما في داخنا الأمل بالحصول على رزق وفير، بدأنا دون تفكير في التقاط التمور، كانت فرحتنا تتصاعد من داخل صدورنا وتصل إلى الأفق الرحب المحيط بنا، بينما أحاديثنا تعلو ممزوجة بغبطة واضحة لا نهاية لها، في غمرة أحاديثنا وأصواتنا العالية ندت صرخة عالية من حنجرة أخي الصغير، الارتباك الذي حدث منعنا من معرفة سبب صراخه، غير أن حركة الثعبان الكبير الذي مر بسرعة خاطفة، وزرع كمية هائلة من الخوف والفزع داخل قلوبنا الصغيرة، ورؤية قدم أخي التي بدأ التورم يغزوها، والدموع التي تسيل مع مخاطه الكثيف، ثم صوت نشيجه الذي تحول إلى سياط تجلدنا، دفعنا للامساك به والركض بسرعة.

تركنا كل شيء خلفنا، ركضنا وكأن كل وحوش الدنيا تجري خلفنا، كل المعالم التي تحيط بنا تغيرت، وحده الخوف كان ينسج حباله حولنا بتصميم غريب، كعنكبوت جائع عزم ألا تهرب فريسته من بين يديه مهما كان.

كانت المسافة طويلة، والتعب يهاجمنا في لحظات كثيرة لا سيما بعد الشعور بالإنهاك والعطش الذي صار يغزونا دون رحمة، بكاء أخي وتألمه الشديد يدفعنا لمواصلة الركض، قطعة القماش التي لُفت به قدمه لم تعطِ مفعولا، كان صوت نشيجه العميق يتحول في كل لحظة إلى خناجر تُغرس في صدورنا المتعبة.

وصلنا إلى منطقة الشارع، كان علينا أن نعبره بسرعة، حُمِل أخي الصغير بعد أن عجز عن السير، لونه أصبح أكثر شحوبًا من الفانيلة الرثة التي يرتديها، أنفاسنا كانت متقطعة نتيجة التعب والإجهاد.

في المنزل ترافقت صرخاتنا مع صرخات أمي المتصاعدة، حُمِل أخي، كان جسمه ذابلا وصوته يتقطع مصدرًا كلمات مبهمة، وصدره يعلو ويهبط في حركة تلقائية، التورم امتدت مساحته وكبرت، وأصبح لون المنطقة أكثر سوادًا، في تلك اللحظات جلسنا وكبر في داخلنا الشعور بالندم. نسينا كل شيء، المزرعة والتمور والربح ما عدا أنين أخي الذي كان يزداد خفوتًا، وصرخات أمي التي تزداد عمقًا واتساعًا.

أمل المغيزوي قاصة عمانية