No Image
روضة الصائم

الجنة على طريقة ميوكو كاواكامي

22 فبراير 2026
22 فبراير 2026

ليلى عبدالله / كاتبة عُمانية

ينتابك الذهول حين تفضي إلى عوالم السردية للروائية اليابانية « ميوكو كاواكامي» بل شعور بالعجز أيضا وأنت تحاول رصف انطباعات تجس رواياتها.

يحدث هذا حين تتورط عاطفيا مع نص ما، فتتلاشى منك الكلمات خلف قوة المشاعر الطاغية التي تنتزعك طوال قراءة الرواية؛ لذا لم يدهشني حين قرأت في حوار لها بأن شخصية «سنكلير» في رواية «دميان» لهرمان هيسه هو الشخصية المفضلة لديها؛ فهو شخص يميل للانطوائية وثقته بنفسه تكاد تكون معدومة. تماما كشخصيات كاواكامي. تقول على لسان بطلتها المحررة اللغوية والأدبية في روايتها «كل العشاق في الليل»: «خطر لي أنني في المكان الذي أنا فيه لأنني لم أختر شيئا» هذا تماما يمثل معظم شخصياتها. تشعر بأنهم معلقون، بينما تعبرهم الحياة بثقل هائل بل مهمة العيش ذاتها تبدو مستحيلة، فهم غير مؤهلين كأشخاص طبيعيين، تائهين في ظلمة ذواتهم وأي محاولة لدفع أنفسهم تبدو وكأنهم سيدوسون على لغم ما يفتك بهم ولو بعد حين!

تتلمسّ الشخصيات طريقها ببطء رغم أنها تعيش في مدن محتشدة بالناس، حيث كل شيء بالغ السرعة والدقة، يبدون منكفئين في شققهم الضئيلة المعتمة رغم الأنوار المشعة لبلد من أكثر دول العالم تحضّرًا واستحداثًا في مجال التكنولوجيا. لكن الصلات الاجتماعية للأغلبية من أفرادها يسودها في كثير من الأحيان المجاملات الباردة.

أول ما لفتني -شخصيًّا- إلى الروائية اليابانية «ميوكو كاواكامي» هي الربكة التي شعرتها من تباين تسميتها وفق الترجمات العربية الصادرة لروايتيها من ناشرين ومترجمين مختلفين، فهي تدعى «ميوكو» في ترجمة المترجمة العُمانية زوينه آل تويه في روايتها «الجنة» التي وصلت للقائمة القصيرة لجائزة مان بوكر العالمية، أما المترجم «أحمد جمال سعد الدين» فصدر اسمها على روايتها «كل العشاق في الليل» باسم «مييكو كاواكامي» الصادرة عن دار الآداب. لا أدري تماما أي اسم تحب أن تحمله ميوكو الذي معناه باليابانية كما فسّره لي الذكاء الاصطناعي في جوجل «الطفلة الجميلة» وهو اسم شائع لدى النساء في اليابان أما مييكو فتعني « عذراء الضريح» وهي الشابة التي تخدم في أضرحة الشنتو، تساعد الكهنة وتقوم بالرقصات المقدسة وترحب بالزوار. فبعض الأسماء تحديدًا أصبحت معضلة بحد ذاتها في اليابان لاسيما الأسماء المميزة منها، وصدر قانون صارم بمنع منحها للمواليد الجدد ومبعث هذا الحظر يعود إلى تعرض حامليها إلى نسبة أكبر من التنمر، حيث يتعرض 80% من الأطفال للتنمر، في بلد يُعرف بمثاليته الصارخة غير أنه هشّ كما ثبتت الدراسات بما له صلة بحقوق الأطفال؛ فقد انتحر ما يربو عن خمسمائة طالبٍ مدرسيّ بسبب التنمر؛ ويبدو أنه صار نهجًا لدرجة يعبر عنه في مجتمعاتهم بمصطلح دلاليّ يدعى «إجيمي»!

تصدّر «ميوكو» روايتها «الجنة» بجملة : « يجب أن نكون أصدقاء» وهي رسالة غامضة تلقاها مراهق في الرابعة عشرة من عمره من زميلته في الفصل تدعى «كوجيما». يعتقد الصبي -الذي لا يحمل اسما ولكنه يحمل صفة وهي مبعث تنمر زملاء الصف منه «الأحول» لكسلٍ في عينه اليسرى- أن الرسالة ما هي سوى مزحة ثقيلة من زملاء الفصل المتنمرين، لكن سرعان ما يتأكد بأنها من زميلته «كوجيما» وهي الفتاة ذات الرائحة الكريهة والمظهر الرثّ كما يراها المتنمرون، ومن هنا تحديدًا تتبرعم صداقة سرية بينهما عبر تبادل رسائل مفعمة بالتعاطف ومن خلالها يخلقان مساحة آمنة لحيّزهما الروحي المحطّم.

كان كلاهما ضحيّة سهلةً للتنمر لكمون في شخصيتهما الميالة إلى الهشاشة. ليتلقى الصبي وبشكل يومي صفعات على الظهر ولكمات على كامل الجسد، والسخرية من عينه بل يتماهى تنمرهم إلى حدّ إجباره على تناول الطباشير قسرًا والحبس لفترات طويلة في الخزائن وغيرها من الاعتداءات الجسدية المروعة.

ومن خلال الرسائل يتبدى وعي «كوجيما»، فهي حالة مستعصية على الوصف، تستعذب الألم لدرجة أنها تهمل عمدًا نظافتها الشخصية وترتدي ملابس قذرة وحذاء باليًا، كما يغطي شعرها المجعد وجهها الدبق إمعانا لخلق صلة من نوع غريب وغير مألوف مع أبيها المعدم الذي كان فقره باديًا على مظهره الشخصي؛ فمن خلال مظهرها تحديدًا رغبت في أن تصنع علامتها الخاصة، فتراها الطريقة المثلى لتخلق تعاطفا من نوع استثنائي مع أبيها الذي هجرته أمها لأنه خسر وظيفته لتتزوج من رجل ثريّ. لكنها نبذت زوج أمها وماله واختارت أن تبدو كأبيها رثّة الثياب ومهملة لذاتها؛ فهي امتداد لأبيها، هي ابنة أبيها.

كان لـــ«كوجيما» رؤية فريدة ومتوجسة في آن للأمور من حولها، كما أنها الوحيدة التي أسرت بجدية ناعمة للصبي بأنها تحب شكل عينه وتراها علامة ينفرد بها وحده، في الوقت الذي جاهدت فيه لتخلق علامتها التي تميّزها بدورها. فهما أيقونتان نادرتان ولديهما ما يميّزهما وهذا تحديدًا هو مبعث عدائية الآخرين نحوهما» وعندما يميّز شيء في العالم يخافونه، فيسعون إلى تدميره، إلى الخلاص منه».

وبالنظر إلى الوضع الاجتماعي لكليهما، يتبين أن الصبي الضعيف يعيش مع أبيه الغائب وزوجة أبيه، بينما تعيش «كوجيما» مع أمها وزوجه الثري، وطوال الرواية يظل ذهنك منشغلاً بدور العائلة في حمايتهم، رغم الحذر الذي ينتهجه المتنمرون بمهاجمتهما بطرق لا تترك أثرًا، كانوا يمارسون تنمرهم عليهما بحرفيّة عالية!

لكن في يوم وحين يقتادون الصبي إلى ملعب رياضي فارغ ويجبرونه على وضع كرة متشققة في رأسه لركلها وعلى أثره يتعرض لنزيف في أنفه ليبدو ضررًا ظاهرًا للعيان في مكان معروف كالمدرسة، حيث حشد من طلاب آخرين ومعلمين وإداريين وحارس أيضا. يتحاشاهم الصبي متكئا على «كوجيما» التي تحاول إسعافه عبر طريق خلفي لحائط المدرسة إمعانًا في الفرار من أي مساءلة من قبل أيٍّ كان. ونحو محاولة خلق أسباب أخرى لهذا الانتهاك الجسدي المفرط لمراهق يعاني من وضع اجتماعي وجسدي مخلخل. ما يضاعف التعاسة في قلبك كقارئ!

تستشعر من الرواية أن الكبار من حولهم غير معنيين بأوضاعهم، كما يفتقدون لصلات عائلية تحتويهم، ليس لانفصال الوالدين فحسب، بل كما ذهبت إحدى الدراسات التي نشرتها الكاتبة المصرية «إيمان عارف» في جريدة الأهرام بعنوان «أطفال اليابان والسعادة المفقودة» فهي تمعن في تتبع ظاهرة التنمر بين المراهقين، مما يوقع أكثرهم ضحايا للانتحار، بأن أهم الأسباب يعود لتراجع الدعم العائلي؛ فالأطفال في الماضي كانوا يحظون في ظل أسر متعددة الأجيال تعيش معا في بيت واحد على الاحتواء اللازم من الجد والجدة في حال انشغال الآباء بأعباء العمل والحياة، بينما في ظل الحياة المستقلة التي تنأى نحو الفردانية؛ يجد هؤلاء المراهقون أنفسهم معرضين لضغط هائل دون أي احتواء. حتى في المدرسة لم يعدّ المعلم مع تضاعف أعباء العمل يجد متسعا من الوقت لتقويم سلوك الطلاب أو تقديم التوجيه الملائم. ما يسفر عن جيل يجد مشقة في عبور سنوات الدراسة التي يفترض أن تكون مفعمة بالذكريات العذبة والطموحات المتوثبة لتستحيل إلى تجربة كابوسية في بيئة غير صحيّة وعنيفة تفتعل دمارًا ذاتيًّا لمعظم عابريها، ليفروا إلى فخ الموت كضحايا منبوذين لعلهم يجدون خلاصًا أبديًّا وفق معتقداتهم المتنافرة.

هي رواية مشحونة بالصدمات النفسية والظروف الجارحة التي تطبع ندوبًا يعوزها زمنا مديدًا لتلتئم. تُجبرك على التفكير في الأوقات التي كنتَ فيها شاهدًا على عوجٍ ما ولم تسع لتليينه، كما كان يمكن لطبطبة حنون على كتف منهار أن تخلق فارقًا حسيًّا من نوع ما.

رواية فلسفية للغاية. لا تناسب أولئك الذين وشم التنمر طفولتهم ونجو بطريقة ما...