وعيٌ أكثر مما يحتمل: عن بطل ينسحب من العالم قراءة في رواية "ترف الانكفاء"
الاحتفاء بالرواية الأولى لكاتبها حدث مفصلي بحد ذاته، لكن حين تأتي الجائزة من وزن جائزة «أسماء صديق للرواية الأولى»، فإنها تضع الكاتب مباشرة في مرمى توقعات القرّاء ورقابة النقد. هذا ما حدث مع رواية «ترف الانكفاء» للكاتب السعودي وائل هادي الحفظي، الفائزة في الدورة الثالثة للجائزة من بين 355 عملا متقدما، والصادرة عن دار الآداب اللبنانية عام 2025، في عشرة فصول توزعت على نحو 150 صفحة، بطبعة من القطع المألوف في دار الآداب، ما يجعلني أنا شخصيا أشعر بالألفة مع أي اصدار من هذه الدار.
بين حذر القارئ المعتاد من التجربة الأولى، وبين الاحتفاء النقدي الذي رافق الرواية، يجد النص نفسه مطالبا بأن يعاد اختباره مع كل قراءة جديدة، كأن الرواية تولد في يد كل قارئ من جديد. ولعل هذا أحد أعباء النجاح المبكر.
حيث لا يمكن التعامل مع ترف الانكفاء كنص سردي تقليدي؛ فهو لا يستقبل القارئ بحكاية واضحة أو ببطل مألوف يمكن الإمساك به بسهولة. البطل بلا اسم، وبلا هوية جغرافية محددة، وقد أخرجه الكاتب من عزلته ليضعه أمامنا على صفحات روايته، بوصفه حالة إشكالية لا تدان ولا تبرّأ.
اختار الحفظي أن يجعل الشقة الضيقة عالم البطل الأساسي، لا بوصفها ملاذا، بل كاستجابة نفسية متأخرة لعالم استنزف طاقته. الجسد حاضر بوصفه امتدادا لهذا الانسحاب، بجسده العاري المثير بما يؤديه من تمارين رياضية محدودة، وألوان قاتمة حين يريد أن يستر عريه، حياة اقتصادية حدّية، مصدر رزق افتراضي يتلاءم مع مفهوم العزلة، وتواصل إنساني محدود مع شخصيات هامشية لا تصنع الحدث، لكنها تثقل المناخ وتمنح الانكفاء مبررات إضافية، وقد زاد الحفظي بعزلة بطله أمامنا، حين حرمه من اسم نناديه به خلال الرواية.
في هذا السياق، يمكن قراءة الرواية بوصفها تمثيلا عربيا لنمط نفسي سلوكي شائع في اليابان يعرف باسم هيكيكوموري (Hikikomori)، وهو انسحاب اجتماعي حاد وطويل الأمد، يختار فيه الفرد البقاء محبوسا في منزله لأشهر أو سنوات مع قطع شبه كامل للعلاقات الاجتماعية والعمل والدراسة. الهيكيكوموري ليس اضطرابا نفسيا قائما بذاته، بل نمطا يتقاطع مع القلق الاجتماعي والاكتئاب واضطرابات التكيف، وجوهره لا يكمن في الخوف من الناس، بل في رفض النظام الاجتماعي نفسه.
يظهر بطل ترف الانكفاء في نمط قريب من ذلك، مع فارق دقيق، ففي اليابان من يمارس الهيكيكوموري ينسحب ليبقى حيا، أما هنا فنحن أمام شخصية تنسحب لأنها لم تعد تعرف كيف تعيش في الخارج. الانكفاء بحد ذاته ليس كسلا ولا ترفا كما أسمته الرواية، بل أصبحت استجابة قصوى ومألوفة لعالم يشعر الفرد بأنه غير كافٍ مهما حاول. وما كان يوما ظاهرة يابانية بات اليوم سلوكا إنسانيا عالميا، خاصة بعد جائحة كوفيد-19، والتي أظهرت مفاهيم جديدة للعمل عن بعد، والعزلة الرقمية؛ غير أن اليابان فقط منحتها اسما، بينما يعيشها الآخرون حول العالم بصمت.
تعد جلسات العلاج النفسي الافتراضية من الحوارات القليلة المباشرة في الرواية. وهي بخلاف المتوقع لا تفتح أفق التعافي، بل تعمّق الأزمة الوجودية والنفسية للبطل. ورغم تحفّظي على الصورة القاتمة التي يرسمها النص للعلاج النفسي، إلا أن الرواية تذهب هنا إلى موقف واضح، بأن العلاج النفسي ليس وصفة خلاص مضمونة، بل أداة قد تنجح وقد تفشل، خاصة حين يكون الألم أعمق من أن يختزل في جلسات وأسئلة معيارية.
في المقابل، يؤخذ على الرواية تحميل البطل كثافة من الحوارات الفلسفية والإحالات الثقافية والفنية التي لا تدعمها خلفية معرفية واضحة للشخصية، ما يمنح بعض المقاطع طابعا استعراضيا أقرب إلى صوت الكاتب منه إلى وعي البطل. ومع ذلك، يمكن قراءة هذه الحمولة بوصفها آلية دفاع نفسية؛ لغة يستعين بها البطل ليؤجل الانهيار الكامل. وبالحديث عن اللغة فقد جاءت بنبرة كئيبة حادة، وهو ما قد يعرضها لفخ النمطية، لكنها جاءت منضبطة وشاعرية دون افتعال، تخدم الحالة النفسية ولا تتباهى بها، وإن تكررت فكرة العزلة بأشكال مختلفة.
لا تتعامل ترف الانكفاء مع الاكتئاب بوصفه تشخيصا طبيا يمكن احتواؤه بتسمية واضحة أو خطة علاجية محددة، بل تنظر إليه كعرض أوسع لحالة اغتراب وجودي باتت سمة معاصرة لجيل كامل. البطل لا يشكو الحزن بمعناه الانفعالي المباشر، ولا يستدر تعاطف القارئ عبر البكاء أو الشكوى، بل يعاني من فراغ المعنى؛ ذلك الفراغ الأخطر، حين تفقد الأشياء مبرراتها الداخلية. العمل لم يعد يحمل قيمة تتجاوز تأمين البقاء، العلاقات تآكل صدقها وتحولت إلى أدوار شكلية.
لم تقع الرواية في فخ تقديم صورة وردية أو مطمئنة عن الاضطراب النفسي، ولم تغْرِ القارئ بوهم النهاية السعيدة أو التعافي السريع. هنا، المرض النفسي ليس مرحلة عابرة تنتهي بقرار شجاع أو جلسة ناجحة، بل حالة مركّبة قد تطول، وقد تفشل محاولات علاجها، وقد تترك صاحبها في منطقة رمادية بين الاستمرار والانهيار. هذا الوعي الصريح يمنح النص صدقه، ويخرجه من خطاب التنمية النفسية السائد، الذي يختزل المعاناة في وصفات جاهزة.
الاكتئاب في الرواية ليس انسحابا من الحياة بقدر ما هو فقدان القدرة على تبريرها. فبطل الرواية الذي يرى أكثر مما تحتمل روحه المتعبة، دون أن يمتلك أدوات إصلاح واقعه أو التكيف مع عالمه. وهنا الحفظي يحاول تقديم الاضطراب النفسي باعتباره مرآة اجتماعية وليست مجرد مسألة فردية، كاشفا عن خلل أوسع في منظومة القيم الاجتماعية، وفي تعريف النجاح، وفي الضغط المستمر لأن يكون الإنسان فاعلا أو منتجا مهما كان الثمن.
هذا الطرح غير المهادن يجعل ترف الانكفاء نصا نادرا في تعامله مع المرض النفسي، دون شيطنته، أو تجميله باعتباره فصلا عاديا عابرا من حياتنا، ولا يستخدمه كوسيلة درامية سهلة، بل يضعه في مكانه الحقيقي كمعاناة مفتوحة، لا تعد بالنجاة، ولا تطلب الشفقة، بل تكتفي بأن ترى كما هي.
جاءت النهاية صادمة ومفاجئة، دون تمهيد يتناسب مع البناء التأملي الطويل. هذه القفزة الحادة من الانكفاء الهادئ إلى الفعل العنيف قد تقرأ بوصفها انفجارا داخليا مؤجلا أكثر منها تتويجا دراميا. ورغم إرباكها، فإنها ترفض تقديم حل رومانسي أو موقف أخلاقي جاهز، وتترك القارئ في منطقة رمادية مقصودة، حيث لا إدانة ولا تبرير، بل مساءلة مفتوحة.
يحسب لوائل الحفظي جرأته في الابتعاد عن السرد المألوف بوعي تقني واضح. قوة الرواية تكمن في صدقها النفسي، وضعفها النسبي في الإيقاع والتحول الدرامي. ومع ذلك، فهي عمل أول ناضج بشدة لكاتبها، يطرح سؤاله دون إجابة: هل الخلل في الفرد الذي اختار أن ينعم بامتلاكه رفاهية الانسحاب أو في عالم لا يترك له خيارا آخر؟
