No Image
روضة الصائم

جلال برجس ومدينته الغريبة في "نحيل يتلبَّسه بدينٌ أعرج"!

19 فبراير 2026
حسن عبد الموجود
19 فبراير 2026

يشيِّد الكاتب الأردني جلال برجس في مجموعته "نحيل يتلبَّسه بدين أعرج" مدينة كاملة للغرابة، ليس فيها إنسان عادي يشبه الأفراد الذين يعيشون معنا ونعيش معهم. صحيح أنه يمنح هؤلاء الأشخاص أسماء وملامح وأبناء وتاريخاً ممتداً أحياناً، وصحيح أنه قد يسرِّب لنا بعض عناوين الدكاكين أو أسماء الشوارع لكن تلك حيلته فقط ليبقينا على الأرض، أو ليقول لنا إننا لا نزال في الواقع، أو ليحاول إقناعنا بأن ما نراه عادي، وهو ليس عادياً، فمنذ القصة الأولى أنت إزاء عالم يدعوك لأن تلصق ظهرك بالجدار حتى لا تتعرض لعضة أحد الغرباء!

في تلك القصة الأولى، أي "مدينة العيون المتلصصة" يفاجأ البطل - مثلي ومثلك - بأن كل سكان هذه المدينة، ذوي العيون الأوسع من المعتاد، يهوون التلصص على الآخرين بشراهة. في كل خطوة يخطوها يجد فرداً يتلصَّص على آخر، سكرتيرة على موظف، موظف على آخر، فرد أمن على المارة، أما المارة فيتلصصون من دون انقطاع على كل شيء!

إن نجوت من العيون المتلصصة كالبطلين العاشقين ستكون على موعد مع "صانع الشواهد" وهذه المرة فإن الغرابة تحضر مكسوَّة بالشؤم، فهذا المشغل، مشغل شواهد القبور، ارتبط في أذهان الناس منذ افتتاحه بحادثة تعثُّر رجل سبعيني قبالته ومن ثمَّ موته. ولكي يكمل جلال برجس المشهد السوريالي يجعل مكان المشغل بين محلين أحدهما يبيع فساتين العرائس والآخر صالون كوافير حريمي، وبذلك يمكنك أن تشاهد في نفس اللحظة عروساً محمولة على بتلات الورد أو شاهد قبر يجاهد أحد الرجال في رفعه. إذا أردت أن تقلِّد البطل وتواجه مخاوفك وتظن أن بإمكانك التغلب على نذير الشؤم فعليك أن تذهب إلى الدكان وتدر حواراً مع صاحبه، لكنني أحذرك من النهاية، ولا تنخدع بصوت أم كلثوم الرائع وأنت تخطو داخله. إنه الفخ يا صديقي!

أنت محظوظ كذلك لأنك لا تشبه إنسان قصة "مساحة فارغة". إنه يحدق يومياً عبر نوافذ مراحيضه إلى مساحة خالية في الأفق ويلوح له طارئ ما عليها، كأن تنهض عمارة فيها، فيكتشف أنه كان معطوباً لزمنٍ وها هي قدرته على الإدراك تعود إليه رويداً رويداً: "تمتم في سره: متى توقفت روحي عن رؤية نفسي؟ متى توقفتُ عن رؤية الأشياء حولي وهي تتبدل؟ لا بد أن حدثاً ما جمَّد ذاكرتي عند لحظة معينة! أو أن يداً امتدت وأوقفت شريط الصور، تماماً كما يفعل عامل السينما الذي يشغِّل البكرة ويوقفها عند الاستراحة. يبدو أن حياتي توقفت عند مشهد واحد، بينما الحياة في الخارج تمضي بطريقة متسارعة"!

لا تستلم شخصيات المجموعة لمصائرها الصعبة. في قصة "ناي الأكتع" يعود ذلك الرجل من الحرب بلا يدين، ومع ذلك يطلب من زوجته أن تضع له ناياً - اعتاد العزف عليه من سنين - فوق إفريز النافذة، ثم يطلب منها أن تحرك الناي في اتجاه الريح، وينتظر شهوراً حتى تأتي الريح وتعزف بأصابع العدم لحناً اشتغل عليه طويلاً قبل الحرب!

الآن عليك أن تتحرك بعيداً عن البنايات، فثمة كلب يلتهمها كأنها قطعة بسكويت طرية "قصة عادة سرية"، وأن تشاهد ذلك الرجل الغريب الذي يخرج بالمكنسة إلى الشوارع وينهمك في تنظيفها "قصة فوضى"، وعليك أن تحاذر النظر في مرايا تلك المدينة، فعبرها قد يطل وجهك ويسدد إليك بصقة قوية "قصة مرايا غير نافذة".

أحاذر في تلك المساحة الصغيرة أن أحرق قصص المجموعة، وحتى مع سردي لطرفٍ منها، فإنها تظل غنية بطبقاتها وغرائبيتها وقدرتها على الإقناع برغم اللعب والشطح والجنون. قصص المجموعة مكثفة ومع ذلك تبدو كل واحدة منها في ثقل حجر البازلت، منحوت بطريقة ذكية تجعل نسيانه أمراً صعباً، فمن بإمكانه أن ينسى إنساناً بعينين واسعتين أكثر من المعتاد يسير خلفه في الشوارع ويجلس في مواجهته بالمقهى ويستقل معه المصعد ويحدق فيه طوال الوقت؟! لن تستيقظ لتجد نفسك صرصاراً مثل جريجوري ثامثا في "المسخ" لكنك ستصبح ذلك الإنسان غريب الأطوار الذي يكتشف فجأة بعد عمر طويل أنه لا يعلم إلا أقل القليل عن نفسه.

قصص مغزولة بحرفية، وقطع فنية فريدة، فيها الكثير من المرارة والخيبة والألم، لكنها لا تفتقر إلى حرارة الصدق وقوة التجربة وجمال الروح.