مصطفى محمود.. والمسيخ الدجال
إذا كان الشاعر الإيطالي دانتي أليجييري مؤلف الملحمة الشعرية "الكوميديا الإلهية" قد تأثّر بكتاب "رسالة الغفران" لأبي العلاء المعري، وهي رسالة تصف الأحوال في الجنّة والنار والشخصيات هناك، فيبدو أنّ الكاتب المفكر د. مصطفى محمود قد تأثّر بالعملين معًا، إذ اتّبع النهج نفسه في كتابه "المسيخ الدجّال"، الذي هو عبارة عن مجموعة قصص، تتصدرها قصة المسيخ الدجّال، التي هي أقرب إلى أن تكون رواية قصيرة أو قصة طويلة. أثار هذا الكتاب إشكالية كبيرة، وهي إدخال مصطفى محمود الناس الجنة وآخرين النار، حسب مواقفه الخاصة من تلك الشخصيات.
قدّم المؤلف في مقدمة الكتاب تبريرًا لخطوته تلك، بأنه لم يكن في يوم من الأيام رجل دين، بل هو فنان دخل إلى رحاب الدين من باب الفضل الإلهي، ومن باب الحب والاقتناع وليس من باب الأزهر، "فما أنا بالعالِم، ويخطئ من يقرأني على أني عالم؛ بل أنا مجرد فنان محب ينتهي دوره عند إثارة حب الحق والحقيقة في قلب قارئه، وفي هذا فليحاسبني القراء والنقاد ولا أكثر"، ومع ذلك فإنّ النقاش عن المسيخ الدجّال لم ينته، وفتح حوارات عديدة حول إدخال الناس الجنة وآخرين النار.
الثابت أنّ الناس دائمًا ينظرون إلى من يحبّونهم بأنهم صالحون، وإلى من يبغضونهم أو لا تتوافق آراؤهم مع آرائهم بأنهم طالحون؛ حيث يعطي كلّ إنسان نفسه حقّ الحكم على الناس من منظوره الخاص، وينطبق هذا الأمر على مسألة "الترحّم" على الأموات؛ إذ يشدّد البعض بأنّ ذلك خطأ ولا يجوز، فيما يرى الآخرون أنّه لا بأس من ذلك، لأنّ المتوفى بين يدي ربه الآن، وهو أعلم به ولا نعلم بماذا خُتم له.
يبدأ مصطفى محمود قصته أو روايته "المسيخ الدجّال"، بداية سريعة لا يطيل في مكوث المسيخ في الحياة الدنيا، فهو كان عابدًا زاهدًا مختليًا في زاويته لا تهمه الدنيا ظاهريًّا في شيء، لكنه في داخله كان محبًّا للدنيا عاشقًا لها، وكان في علم الله السابق من الأزل أنّ الرجل فاسق، رغم صلاته وصومه وعبادته؛ لذا جاءه الشيطان فأغواه، وأجرى على يديه بعض الخوارق، فصار له أتباع كثيرون، حمل وزرهم يوم القيامة.
وتبدأ القصة بدخول المسيخ إلى الدرك الأسفل من النار، وفي رحلتهِ يلتقي بإبليس نفسه ويحاوره، ثم يلتقي ببعض الحكام الطواغيت مثل ستالين وغيره، ويتأمل أحوالهم في جهنّم ويقدّم الأسباب التي جعلتهم يدخلون النار، فإذا بالمسيخ يرى وجهًا مألوفًا لديه، ويسأل مالك خازن النار: أليس هذا صاحبُنا الذي بنى السد العالي؟ قال له مالك: "نعم إنه هو، وعندما افتتح السد قال في خطبته: اليوم نروي حقولنا دون انتظار لما تأتينا به السماء من مطر.
وجاء المشروع نكبة على الزراعة في مصر بما سلب من طمي وبما أصاب الأرض من نشع دائم.. وبما أصاب تيار النهر من ضعف عند مَصبِّه، فهجم الماءُ المالح على سواحل الدلتا، فأتلف ألوف الفدادين، وتآكلت الجسور وسقطت بسبب خفة الماء، واخفض منسوب النيل بسبب النخر الدائم للشطآن" ويقول له المسيخ: "كان زعيمًا قويًّا مهابًا، وأعلى من كلمة مصر"، وكان الرد: "بل أعلى من كلمة نفسه وقال أنا.. وسخّر مصر لهذه الأنا، وجمع حوله الجلادين والسفاحين، وقطع الألسن، وكمّم الأفواه، وألقى الأبرياء في السجون، وعذّب الخصوم حتى الموت، وضرب الطبقات بعضها ببعض، وأشعل الأحقاد، وانفرد بالكلمة آثمًا معتزًا بإثمه إلى أن مات".
ورغم أنّ فوائد السد العالي عديدة، وأنقذ مصر من الجفاف -كما ذكرت العديد من الدراسات- إلا أنّ مصطفى محمود واصل الهجوم على عبد الناصر من موقفه الشخصي، إذ انتقد تأمين قناة السويس ومجانية التعليم وتشغيل الخريجين التي طبّقها عبد الناصر، وقال على لسان مالك خازن النار للمسيخ: "مجانية التعليم دون توسع مناظر في عدد الفصول والمختبرات، معناها عدم التعليم، ومعناها تكديس الألوف دون أن تكون لأحد الفرصة في أن يفهم شيئًا.. وتشغيلُ الخريجين بدون إيجاد أشغال معناها البطالة لا العمالة"، وهكذا هاجم مصطفى محمود -على لسان مالك خازن النار- عبد الناصر في كلّ قراراته الإيجابية والسلبية، وهي المواقف المعروفة عنه؛ فقد كان الدكتور صديقًا مقرّبًا من الرئيس السادات الذي عرض عليه الوزارة مرتين إلا أنه رفضها، ورغم أنّ مواقف مصطفى محمود من الكيان الإسرائيلي والصهيونية كانت مشرّفة، وله الكثير من الكتب المقالات في هذا الجانب، إلا أنه لم ينتقد السادات في خطوته التي سُمّيت بالمبادرة وعقد صلح منفرد مع إسرائيل.
وإذا كان مصطفى محمود يجزم في كتابه بأنّ عبد الناصر في النار، فإنه احتار في مكان نجيب محفوظ؛ ففي جولته في جهنم، سأل المسيخُ مالكًا عن محفوظ، فقال مالك: "إنه رجل طيب ولكن مآخذنا عليه كثيرة.. فهو رجلٌ عجيب الأحوال، تراه في حياته يصلي ويصوم ويلتزم بالآداب والوصايا، ثم تقرأ كتبه فلا تجد أثرًا لوجود الله، وإنما تطالع عالمًا ماديًّا يأكل بعضه بعضًا، وغرق في ظلمة من الشرور والمظالم، ليس فيها بصيص نور. ففي روايته "الطريق" ترى الله عبارة عن أب وهمي لا وجود له، وفي روايته "أولاد حارتنا" يجلس العلم والعقل مكان الله.
ثم إنّ محفوظ يأخذ القارئ إلى دوامة من الانفعال الرافض بدرجة تدفع به إلى الغضب المبهم، وإلى الرغبة في تهديم كلّ شيء، ثم لا يفصح عن موقفه ولا يقترح حلًا ولا يعلن أيدولوجية معينة، وإنما هو يبدو دائمًا غاضبًا على كلّ شيء.. ووجهُ العجب في صاحبِكم وما يدعوني دائمًا إلى التساؤل كلما قرأتُه، إنه إذا كان يصلي ويصوم، وإذا كان اقتنع بالدين منهجًا وحلًا، لماذا لا يبدو هذا الحل في رواياته"؟ سأل المسيخ مالكًا: وماذا تظن آخرته؟! قال: "العبرة بالخواتيم، ولا نرى بماذا ختم له، ولعله تاب وأناب وأقلع عن هذه السكة الباطلة التي كان يسير فيها، ولعله في آخر مؤلفاته قد قال شيئًا آخر".
يقول مالك: "نجوم الدنيا ليسوا نجوم الآخرة.. وكم من نجم في الدنيا مشى خلف جنازته خمسة ملايين وبكاه الباكون وانتحروا على نعشه، ثم هو الآن نكرة لا ذكرى له ولا اسم، في أسفل سافلين.. وكم من ناس عاشوا لا يدري بهم أحد، وماتوا لم يمش خلفهم ثلاثة، وهم الآن في الجنة، لهم معراج وشفاعة". وإذا كان دانتي أليجييري في "الكوميديا الإلهية" -باعتباره نصرانيًا متعصبًا- يرى أنّ الرسول صلى الله عليه وسلم في قعر جهنم، فإنّ مصطفى محمود يرد على ذلك الزعم؛ فعندما يسأل المسيخ: ترى من هو نجم نجوم الجنة؟ فيجيب مالك: "هو محمد عليه الصلاة والسلام، العارف الكامل، والعبد الكامل، الذي كان كلما ازداد معرفة ازداد عبودية، ذلك هو شمس شموس الجنة، وله جنة خاصة به وحده هي جنة الوسيلة.. وله الشفاعة العظمى".
لم يخل الكتاب من بعض الحكايات الطريفة، فأم كلثوم مثلا قابلها المسيخ الدجّال بين الجنة والنار، لأنّ الله لم يبت في أمرها بعد، وعندما طلب المسيخ أن يرافق الرقاصة نجوى فؤاد والممثلة سهير زكي أو حتى المطربة شريفة فاضل، قال له مالك: لقد ظلمت الفتيات، وما يدريك ربما يكون الله قد ختم لإحداهن بتوبة وقبِل منها عملًا صالحًا تغيّر به مصيرها. هنا تذكّر المسيخ أنه رأى في الجنة المطربة منيرة المهدية وسأله عن ذلك، فقال مالك: "تلك المرأة استحقت من الله الرحمة، فقد عاشت إلى أرذل العمر، وانتكس حالها ففقدت صوتها وجمالها ومالها ودولتها وصبرت على بلاء الشيخوخة، وتابت إلى الله توبة نصوحًا.. والله يقبل توبة التائبين".
لقد عبّر مصطفى محمود عن آراءه الشخصية في شخصيات أثّرت على العالم، وكذلك رأيه في المذاهب والفلسفات المختلفة مثل الشيوعية والاشتراكية والوجودية، وكان بإمكانه -غفر الله له- أن يختار أسلوبًا آخر بعيدًا عن محاسبة الناس وإدخالهم الجنة والنار، فهذه من خصوصيات الله تعالى وحده.
ما يؤخذ على مصطفى محمود -عامة- هو ميله إلى التكرار؛ فكثيرًا ما يكرّر نفسه في بعض الكتب، حيث تتشابه الأفكار هنا وهناك، وهذا حدث مع كتاب "المسيخ الدجال"، إذ بقية القصص هي وعظ تكرر في أكثر من كتاب، ومع ذلك فإني أقول إنه بذل جهدًا كبيرًا في نقد الشخصيات والمذاهب -حسب رأيه وتوجهاته- ولا يعاب في شيء إلا في الحكم على الناس بالجنة وبالنار. والخطأ الذي وقع فيه، كلنا أو أغلبنا نفعله في ذوات أنفسنا، وإن كنّا لا نصرّح بذلك، ونسأل الله العفو والعافية.
