No Image
روضة الصائم

افتتاحية

18 فبراير 2026
د. سعيد بن راشد السلماني
18 فبراير 2026

مع إطلالة هلال شهر رمضان المبارك، تشرق على الأمة نفحات إيمانية تفيض بالرحمة والبركة، وتتوق النفوس لتجديد صلتها بخالقها وبالكون من حولها. رمضان ليس مجرد محطة سنوية للامتناع عن الطعام والشراب، بل هو مدرسة تخصصية عظمى، غايتها الكبرى الارتقاء بالذات البشرية إلى آفاق «الإتقان». إننا في هذا الملحق الرمضاني الذي بين أيديكم، لا نقدم مجرد معلومات عابرة، بل نطرح رؤية فلسفية وعملية متكاملة لواحد من أعظم مقاصد هذا الدين وهو الإحسان، والذي تتجلى مظاهره في الإتقان. 

إن الإتقان في المنظور الإسلامي ليس ترفًا ذهنيًا، بل هو «فقه الحياة» الذي افتقدناه في ثنايا العادة. يبدأ هذا الإتقان من أعماق النفس؛ من «إتقان النيات» التي هي بوصلة القبول، فالمسلم في رمضان لا يصوم بجوارحه فحسب، بل يصوم بقلبٍ حاضر يتقن استحضار القصد ليكون عيشه كله لله. ومن صميم هذا الإتقان الإيماني، تأتي علاقتنا بكتاب الله؛ فإتقان قراءة القرآن لا يقاس بعدد الصفحات المقلوبة، بل بمدى التدبر والترتيل الذي يحرك السواكن ويغير السلوك، ليكون القرآن منهج حياة لا مجرد أوراد للبركة. 

وتمتد ظلال الإتقان في رمضان لتشمل «إتقان العبادة» في أبهى صورها؛ فالمصلي يتقن خشوعه، والمزكي يتقن بذله، لتتحول العبادة من حركات مجردة إلى إحسان كامل، وهو أن تعبد الله كأنك تراه. ولأن هذا الدين لا يفصل بين المحراب والواقع، فإن «إتقان التعامل مع الناس» برز كاختبار حقيقي في رمضان؛ فإتقان ضبط النفس عند الغضب، وإتقان الكلمة الطيبة، وإتقان بذل المعروف، هي التجليات العملية لمعنى الصوم الحقيقي. 

إن هذا الشهر الكريم يدعونا لنبذ الشقاق وإتقان بناء الجسور بين المسلمين، فإتقان العلاقة مع الآخر ونبذ الخلافات هو «الزكاة المعنوية» التي تطهر الصف وتوحد الكلمة. ولا يقتصر الإتقان على الشعائر، بل يمتد إلى إتقان الأعمال والمهام الوظيفية والحياتية؛ فلا تعارض بين الصيام والإنتاج، بل إن الإتقان في العمل في رمضان هو عبادة مضاعفة الأجر، تستمد رصيدها من تاريخنا الإسلامي الحافل بصور الإبداع والمنجزات العظمى التي تحققت في هذا الشهر الفضيل، حينما كان المسلمون يربطون بين طهارة النفس ودقة الإنجاز. 

إننا ندعوكم عبر صفحات هذا الملحق لنتأمل معًا في «فلسفة الإتقان» كمنظومة أخلاقية وتنموية؛ ليكون رمضاننا هذا العام انطلاقة حقيقية نحو صيام رمضان إيمانا واحتسابا، وإتقان الإحسان، وبناء الشخصية المسلمة المعاصرة التي تجمع بين نجاعة الأداء ونزاهة المقصد. 

رمضان مبارك، وكل عام وأنتم إلى الإتقان أقرب.