No Image
روضة الصائم

الإتقان في العمل المؤسسي وأثره النفسي

18 فبراير 2026
بدر بن هلال بن يحيى الإسماعيلي
18 فبراير 2026

لقد استخلف الله -سبحانه وتعالى- بني آدم في الأرض من أجل إعمارها، قال تعالى:"وَإِذۡ قَالَ رَبُّكَ لِلۡمَلَـٰۤىِٕكَةِ إِنِّی جَاعِلࣱ فِی ٱلۡأَرۡضِ خَلِیفَةࣰ"[سُورَةُ البَقَرَةِ: ٣٠]، وسخر لهم الموارد كلها من أرض وسماء، وجبال ووديان، وبحار وأنهار، وما تزخر به من خيرات وكنوز، وحثهم على السعي والعمل لكسب الرزق، قال تعالى:"وَقُلِ ٱعۡمَلُوا۟ فَسَیَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمۡ وَرَسُولُهُۥ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَۖ"[سُورَةُ التَّوۡبَةِ: ١٠٥]، وقال – عز وجل-:"هُوَ ٱلَّذِی جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ ذَلُولࣰا فَٱمۡشُوا۟ فِی مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا۟ مِن رِّزۡقِهِۦۖ وَإِلَیۡهِ ٱلنُّشُورُ"[سُورَةُ المُلۡكِ: ١٥].

وجاءت السنة النبوية موضحة لماهية هذا الإعمار، والنية المصاحبة لأي عمل، والمنهج الذي يسير عليه العاملون، حيث جاء عن النبي الكريم -صلى الله عليه وسلم - أنه رأى رجلًا يصلي، فلما انتهى الرجل من صلاته، قال له -صلى الله عليه وسلم-: «ارجع فصل، فإنك لم تصل» (أخرجه البخاري-757)، وهذا دليل على أن الإيمان مرتبط بالعمل، وأداء العمل مرتبط بإتقانه والقيام بحقه على أكمل وجه، وجاء إرشاد النبي الكريم للعاملين في أي عمل في قوله -صلى الله عليه وسلم-:« إن الله تعالى يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه» (أخرجه البيهقي-4929).

نستخلص من هذا أن الإتقان من لوازم أي عمل يقوم به الإنسان، سواء كان ذلك العمل من أجل الرزق أو في خدمة الآخرين أو عبادة يؤديها أو صنعة يقوم بها، ومن المعلوم أن النفس البشرية روح متحركة متفاعلة مع البيئة حولها، تؤثر على الآخر، وتتأثر به، كما أن هذه النفس تتأثر بما تقوم به من عمل سواء كان صالحا أو سيئا، وتؤثر هذه النفس بمخرجاتها على الآخر، ومن البيئات التي يقضي فيها الفرد جزءا كبيرا من وقته هي بيئة العمل، حيث يتفاعل الموظف في بيئة العمل مع مهنته ومتطلباتها والمعطيات المتوفرة، والمخرجات المرجوة، ويحصل جراء هذا التفاعل تأثير متبادل على مختلف الجوانب، ومنها الجانب النفسي الذي يتأثر إيجابا أو سلبا ببيئة العمل ومخرجات المهنة.

من أين يبدأ الإتقان

يبدأ الاتقان من العلم والخبرة والحرص على إنجاز العمل وفق الشروط المرسومة والمعايير العالية، فالموظف الذي يحمل هذا الفكر ويؤمن به حقا في إتمام مهامه هو الذي يسعى بكل جهده وطاقته، وبكل ما يتوفر لديه من إمكانيات وقدرات وسمات؛ ليسخرها من أجل إتمام العمل بجودة عالية، وضبط واضح محكم للتفاصيل، ودقة متناهية في الإخراج؛ لأن الإتقان في العمل هو فكر ومبدأ ينطلق منه العاملون، وعقيدة يؤمن بها الموظفون.

أثر الإتقان على مشاعر الموظف

الموظف الذي يسعى دوما لإتقان عمله وإنجاز مهامه على أكمل وجه يشعر بالراحة والاطمئنان في عمله، كما يشعر بالفخر والاعتزاز للنتائج التي يصل إليها، ويشعر أيضا بالرضا عن الخدمة التي يقدمها أو المنتج الذي صنعه، وهذا يعزز لديه مستوى تقديره لذاته، وتعلو عنده الثقة بالنفس، ويشعر بأهميته في هذه الحياة، ويشعر بالأثر الذي صنعه، والبصمة التي رسمها وتميز بها عن غيره، ويتدفق لديه الامتنان لله -سبحانه وتعالى- الذي وفقه لأداء عمله، ويشعر بالحب اتجاه نفسه ووظيفته، ويشكر كل من قدم له يد العون على إتمام مهمته.

سلوك الموظف المتقن لعمله:

يُعرف الموظف المتقن لعمله من سلوكه في بيئة العمل، حيث نجد فيه الاهتمام البالغ من أجل تحقيق المهمة على أفضل حال، ونجد فيه الصبر على الأداء، ولو أخذ منه ذلك الوقت الكثير والجهد الكبير، وما إن يغُصْ في دقائق عمله ومهمته حتى ينغمس فيها من شدة التركيز، وينقطع عن العالم الخارجي، ليدخل في عالم الإتقان، ويسلبه التدفق النفسي الشعورَ بمن حوله، ويغيب عنه إدراك الزمن؛ لأنه مشغول باللحظة التي لا تنتهي إلا بانتهاء مهمته، تراه ساكنا تارة وهو متحرك بروحه وعقله، وتارة أخرى تراه نشطا متحركا وهو مستقر على هدفه، لا تشتته الضوضاء مهما اشتدت، ولا تشده المغريات مهما قويت، ومن سماته الظاهرة سعيه المستمر نحو التعلم الذاتي لتطوير مهاراته وخبراته الوظيفية، وكذلك لا يألو جهدا في الاستعانة بكل ما يتوفر لديه من إمكانات وقدرات، ويسعى لطلب العون إن لم يتوفر لديه مورد من الموارد المكملة لتلك المهمة، ويتسم سلوكه دوما بالنشاط والحيوية والصبر والهمة العالية.

أثر إتقان العمل في نفوس الآخرين

المخرجات المتقنة في المنتجات أو الخدمات التي تصل إلى الآخرين، توفر لهم سبل الراحة والرضا وتضفي عليهم البهجة والسرور، ويشعر المستفيد بالاطمئنان لتلك الجهة التي علم عنها الإتقان في الأداء والصنعة، ويدعو غيره لتجربة منتجاتهم أو الاستفادة من خدماتهم، وكلما كان صاحب الصنعة يؤدي عمله بإتقان شعر أفراد المجتمع بالأمانة في الخدمات والمنتجات التي تقدم إليهم، وعلموا أن ما يدفعون له عرق جبينهم هو حقا يستحق ذلك المال أو تلك التكلفة، ومن الأثر الطيب الذي يتركه إتقان العمل أو الصنعة شعور المستفيد من ذلك المنتج بالإعجاب والتقدير والود اتجاه العامل والصانع المبدع المتقن لعمله، ويمتد هذا الأثر عبر الزمان ما بقيت هذه الصنعة، حين يرى الناظر إلى تلك القلعة أو ذلك المنسوج أو الوعاء المصنوع أو تلك الآلة يجد نفسه تقف وقفة تأمل وإعجاب لهذه الآثار، يتجول بين زواياها الجميلة، ويركز في النظر إلى تفاصيلها الباهرة، يستمع إلى ذاكرة الأجداد المبدعين، ويستنطق الصنعة باستفهام وتعجب: كيف صنعت؟! وما العلم والقواعد المستخدمة؟ وكم من الوقت والجهد بذل لهذا الإنجاز؟ وما أجملها، وما أروعها من صنعة! يستغرق الناظر وقتا في التعجب والدهشة والإعجاب مشدودا بهذا الإتقان، ثم يغدو بروحه نحو السكون والاستمتاع والاسترخاء، ولا يترك هذا الأمر إلا ونفسه قد انغمست في عمق الإيجابية والحيوية والروح الطيبة. ولله المثل الأعلى؛ فالناظر في هذا الكون الفسيح الشاسع، يرى صنع الله الذي أتقن كل شيء، قال تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ وَإِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾

(البقرة: 117)، فسبحان الله العظيم خلق السماوات والأرض بإتقان وإحكام وإبداع، وخلق الإنسان في أحسن تقويم ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [سُورَةُ التين:4]. فله الحمد وله الشكر أبدا.

ضرورة الإتقان في العمل

عندما يعين الموظف في مؤسسة ما ترسم له المؤسسة أهدافا محددة من أجل إنجازها، ويكون هذا الإنجاز وفق شروط ومعايير معلومة على أثرها يخطو الموظف خطواته نحو إتمام المهمة، وحين ينجز الموظف تلك المهمة وفق الشروط والمعايير المرسومة يعد الموظف متقنًا لعمله مُجيدًا في إنجازه، وعليه يسير العمل المؤسسي وفق الخطط المرسومة للموظفين حتى ينتهي المطاف إلى النتائج المرجوة، وبهذا ترقى المؤسسات في سلم إنجاز الأعمال وتوفير الخدمات بالجودة العالية، وتحصل على رضا المستفيدين.

الإتقان أساس الهوية المهنية

حين يعمل الإنسان في مهنة ويصل به الأمر إلى حد الإتقان، فإنه يتميز بها بين الناس ويوسم بتلك المهنة أو تلك الصنعة حتى يشيع أمره، ومن شدة الإتقان والإبداع في إخراج المنتج تغلب جودة الصنعة أحيانا على اسم الصانع حتى ينادى صاحب الصنعة باسم المهنة كالعطار والصائغ وغيرها، ونرى في عصرنا الحديث كم من علامات تجارية اشتهرت بين الناس بجودة الصنعة وتميز المنتج عن غيره من المنتجات، وتتعدى حدود الهوية المهنية من دائرة صاحب المهنة أو الشركة صاحبة العلامة لتعزى تلك المنتجات المتقنة إلى الموقع الجغرافي مثل: الصناعات الميكانيكية اليابانية والألمانية في العصر الحديث، والمنسوجات التركية والإيرانية، وكذا في العصور السابقة، مثل السيوف اليمانية والحرير الصيني.

الخلاصة: شريعة الله توصي العباد بالإتقان في العمل، ويبدأ الإتقان من العلم بالشيء والخبرة في مزاولته والحرص على إتمامه بإحكام وإبداع، وللإتقان أثر طيب على الموظف؛ إذْ يشعر بالرضا والفخر والثقة بالنفس، ويمضي في عمله بكل همة وحيوية ونشاط، ويمتد أثر الإتقان إلى المستفيدين من تلك الصنعة أو الخدمة، حيث يشعرون بالإعجاب والتقدير والود اتجاه الموظف المتقن، ويتعدى الأثر الطيب للإتقان حدود المتقن والمستفيد ليصل إلى المجتمع والوطن والعالم.