تمكين القيادات الشابة: قراءة في المفهوم
تبرز في أدبيات التنمية الحديثة مفاهيم منها «تمكين الشباب»، و«القيادات الشابة»، و«الكفاءات الشبابية»، في إشارة إلى رؤية القيادات السياسية لإدماج الفئات الشابة (كونها فئات اجتماعية حرجة) ضمن منظومات العمل التنموي.
يواجه تبني مثل هذه المفاهيم ـ في تقديرناـ عدة عتبات أساسية منها: إشكالية التوافق على المفهوم (من هي فئة الشباب التي نعنيها حقًا؟)، وإشكالية المقصود بمفهوم التمكين (ماذا نعني بالتمكين؟) وهل يقصد به الوقوف عند حدود تلقي برامج بناء القدرات، والتدريب والتطوير، أم الذهاب بعيدًا للمشاركة في قيادة عمليات التنمية والمشاركة السياسية الفاعلة؟
ومن الإشكالات كذلك سؤال (من يقود عمليات تمكين الفئات الشابة؟) هل تقاد بطريقة مركزية عبر مؤسسة محددة، أم هي استراتيجية وطنية تتناغم مؤسسات مختلفة في تحقيق مقاصدها، أم يجب أن تكون فلسفة عمل للدولة ومنسابة في مختلف مؤسساتها وهياكلها وخططها وبرامجها التنموية؟
ولعل السؤال الأهم في مثل هذه المفاهيم هو (ما الإطار الحاكم لتمكين الشباب؟) من يقرر البداية؟ وما شكلها؟ ومن يحكم أن برنامجًا معينًا أو مبادرة معينة بالفعل هي تعكس المفهوم الحقيقي لتمكين الشباب؟ وأين تنتهي نتائج هذا التمكين؟ ومن يحكم بنجاحها من عدمه؟.
غير أن السؤال الذي يجب أن ننتهي إليه كل هذه العملية هو (هل يرى الشباب أن ما يجري لأجل تمكينهم يمكنهم حقًا؟).
هذه أسئلة كبرى تواجه مختلف أدبيات وشعارات تمكين الشباب في مختلف الأجندة السياسية، وهناك أسئلة تفصيلية أخرى تعنى بنوعية البرامج، واستدامتها، ومساراتها، ووزنها، ودور المؤسسات الاجتماعية وتكاملها مع المؤسسات الرسمية في بناء منظومة التمكين المقصودة.
نركز في هذه المقالة على فكرة تمكين (القيادات الشابة)، باعتبارها أحد أوجه تمكين الشباب، ومؤداها مجمل تلك العمليات التي تجري لبناء الشخصية، والتدريب، والتأهيل، وإكساب المعارف والقدرات والتجارب والخبرات لفئة محددة من الشباب، مقرونة بالتوجيه، لتمكنهم لاحقًا من قيادة مؤسسات أو قطاعات أو تولي مسؤوليات القيادية بمختلف أشكالها.
وهذه العملية ذاتها محاطة بذات الإشكالات والتحديات التي ذكرنها أعلاه؛ غير أن هناك ما نسميه اللاءات الثلاث التي يجب الانطلاق منها في النظر إلى هذه المفهوم؛ وأولها أن تمكين القيادات الشابة لا يعني مجرد الاقتصار على التدريب والتطوير المعرفي، وأنه لا ينحصر في حدود التدرج السريع ضمن مؤسسة عمل أو قطاع محدد، وأن نجاحه لا يمكن أن يكون بجهد مؤسسة معينة في مرحلة زمنية محددة، بل هو ناتج لدورة حياة متكاملة لذلك الشاب من التأسيس الأسري وحتى التجارب المهنية.
لماذا من المهم تمكين القيادات الشابة؟ في الواقع تجمع مختلف الدراسات التي ناقشت المسألة على أن هناك خمس خصائص أساسية تتمتع بها هذه الفئة، وتتناسب مع ما تحتاجه المؤسسات اليوم في ظل ضغط الإنجاز السريع، وتوقعات الأجيال الجديدة من العاملين في هذه المؤسسات، والسعي المحموم نحو التنافسية، وهذه الخصائص الخمس (بحسب دراسات متعددة) هي: القدرة الأكبر على تقبل التغيير، الإلهام والتحفيز، الرغبة المستمرة في التعلم، القدرة على خلق ارتباط وظيفي عال للمجموعة من حولهم، تحقيق القيادة الرشيقة بدلًا من الجمود التنظيمي والاستراتيجي.
هذه الخصائص تختلف من شخص لآخر، كما أنها تختلف حسب السياق الذي يتم فيه تمكين هذه الفئة؛ ففي القطاعات التي تتسم بحاجة أكبر للتجديد والابتكار المستمر يكون أكثر القيادات الشابة أكثر وضوحًا، من تلك القطاعات التي تتسم بالتنظيم الاستراتيجي الصارم والعمليات الثابتة.
حاولنا عبر دراسة استمرت لعامين فهم العوامل الأكثر تأثيرًا في بناء قدرة القيادات الشابة ذاتها وقابليتها للتمكين، واستخدمنا مجموعة من المقارنات في الأدبيات التي ناقشت المسألة، ومجموعة من المقابلات الموسعة والمكثفة مع فئات قيادية مختلفة، بالإضافة إلى استبيانات محكمة، وكان من أبرز النتائج التي نعتقد أنها تستوجب التركيز عليها في هذه المسألة ثلاث نتائج؛ الأولى أن الدور الأهم في مختلف أدوات وبرامج ووسائل التمكين هو (رفع ثقة الفرد في القدرة على الإنجاز)؛ هذا العامل الأهم الذي وجدناه مشتركًا في مختلف نتائج تقييم الأدوات والبرامج والوسائل التي خضع لها المستهدفون بالعينة ضمن مسارات التمكين التي تعرضوا لها.
النتيجة الأخرى هي أن شخصية القائم بالتوجيه أو التمكين سواء كان مربيًا في المنزل، أو معلمًا في المدرسة، أو مدربًا في مؤسسة قيادية كلما كانت تتسم بـ (الاستقلالية) بشكل أكبر، كانت تلك السمة الأكثر تأثيرًا في مسارات وسلوك القادة الشباب لاحقًا في بيئاتهم المهنية.
والنتيجة الثالثة المهمة هي أن برامج التمكين التي احتوت على مشروعات تطبيقية (حقيقية وليست محاكاة فقط) كانت تأثيرها في إكساب السمات القيادية الجديدة للأفراد أكثر بنسبة 20% من تلك البرامج التي ركزت على أنماط المحاكاة والجوانب النظرية.
إن عملية تمكين القيادات الشابة إذا ما أريد لها النجاح فإنها يجب أن تتحول إلى فلسفة عمل للدولة، يُكسب الآباء والمربين أدواتها ويثقفون بآلياتها في المراحل الأولى للتربية، ويوجد لها المناخ التربوي الملائم في بيئات التعلم بما في ذلك التعلم القائم على قيادة المشاريع، والتعلم التطبيقي.
وفي مؤسسات العمل لا يكتفى فقط بالتدرج الوظيفي بل بالتعرض المستمر لمهام متنوعة وبشكل أفقي؛، فجزء أساسي من نجاح العملية إنما يحتكم لسعة ومدى المعارف والتجارب والخبرات التي تعرض لها الفرد، وكيف تصرف في المواقف المختلفة، وكيف تعامل مع النجاحات والإخفاقات في مهام متباينة.
كما أن البرامج الموجهة في هذا الشأن يستوجب أن تكون ممنهجة، وقائمة على التخصيص أكثر من كونها شمولية، ولا تحصر ذاتها في خلق أنماط متشابهة من القادة، بل تركز على بناء ثقتهم بأنفسهم من أجل القيادة وعمل التحول.
ومن المهم الانتباه إلى «تأثير عدوى القيادة»، فكلما كان الفرد في محيط تتنوع فيه القيادات النموذجية واحتك بها بشكل أكبر وعايشها كان ذلك طريقًا أنسب لتمكين القيادات الشابة.
مبارك الحمداني مهتم بقضايا علم الاجتماع، والتحولات المجتمعية فـي سلطنة عمان
