إلى أين يمضي القارئ المعاصر؟

14 فبراير 2026
14 فبراير 2026

هل يمكننا النظر إلى حادثة تسريح قرابة 400 صحفي من جريدة واشنطن بوست الأسبوع الماضي بوصفها علامة بارزة ومفصلا حاسما من مفاصل عصرنا الراهن؟ ألسنا مدعوين لقراءتها في خضم بقية الأحداث والعلامات البارزة المعاصرة؟ فكيف أصبح الصحفيون، وهم المبشرون الأوائل بالتقنية وعصرها، أبرز ضحايا هذا العصر التقني؟ هل هذه بداية الافتراق بين الصحافة كما نعرفها، وبين محاولات شركات التقنية الكبرى تقديم منصاتها ومواقع بحثها للتحكم في المعلومات والأخبار وتوجيهها؟ في عصر يتفاقم فيه بشكل فاقع، ما كان يدعوه أنتوني لوينشتاين (رأسمالية الكوارث) حيث غدت الكوارث مصدر دخل واستثمار هائل، كما هي ممثلة ومتجسدة اليوم في مجلس سلام ترامب. 

جيف بيزوس نفسه هو الذي كان يفترض فيه أن يمثل التصالح بين مستقبل الصحافة ومستقبل التقنية، فهو نفسه صاحب شركة أمازون ومالك صحيفة واشنطن بوست، لكنه أصبح بالعكس هو الخصم الظاهري لكل أولئك الصحفيين المخضرمين المسرّحين، وبعضهم مراسلون في مناطق ملتهبة كأوكرانيا والشرق الأوسط، والذين فقدوا وظائفهم في المحصلة ليس بسبب ما يحرزه الذكاء الاصطناعي من تقدم، أو وعود بالقدرة على إحلال الحاسب الآلي محل البشر، بل كما يبدو في التحليل الأخير أن قرار التسريح لا مبرر له غير التزلف لسياسات عصر ترامب، الرئيس المشهور بمعاداته ومخاصمته ورفعه أكثر من قضية ضد الصحافة والإعلام؛ فإذا كانت صحيفة وشنطن بوست متهمة بخسائر تبلغ ٢٠٠ مليون دولار، فإن شقيقتها المدللة، شركة أمازون، لم تر غضاضة في إنتاج فيلم وثائقي دعائي بتكلفة ٧٠ مليون دولار عن ميلانيا زوجة ترامب قبل هذه الحادثة بشهر. 

لقد شكلت الصحافة بمختلف الوسائط في عالمنا المعاصر مؤشرا وضميرا للحقيقة وللوعي وللمبادئ الإنسانية، واستمدت قوتها من رهنية الحدث ومن جدية التحقيقات، ولا أدل من أن واشنطن بوست نفسها اشتهرت أول أمرها بتفجيرها فضيحة ووتر جيت، الفضيحة التي كشفت عدم مبالاة السياسيين والمتنفذين أمام كسر القواعد الأخلاقية والقانونية في سبيل مزيد من السيطرة والتحكم، وهذا ما يمثله اليوم العصر الترامبي باختصار. 

الحاسم اليوم في هذه المسألة أن ما بدأ في تسعينيات القرن الماضي مع انتشار الإنترنت وتوفيره لمناخ حريات إعلامية أكبر، وما دعي حينها بالإعلام البديل أو صحافة المواطن، يتم توجيهه اليوم لقتل الأب، أو الأم، أي لقتل الصحافة التي أنجبته من رحمها، فليست معركة الصحافة الطويلة مع رؤوس السلطة ورؤوس الأموال منذ بداياتها غير معركة أخلاقية تتعلق بالضمير الأخلاقي وبالشفافية والإفصاح، لكن في عصر المنصات الرقمية الكبرى يبدو أن هناك محاولة للسيطرة على السردية الصحفية، وتشتيت خط الالتزام الصحفي، وفي ذلك ما يتجاوز حالة صحيفة مفردة أو وسيلة إعلامية بعينها، بل هي حالة عامة يتم جر الإعلام العالمي المعاصر نحوها جرا. 

تلفت الحادثة أنظارنا إلى نقطة صدام لعلها ستتسع في هذا العقد والعقود المقبلة، بين اتجاه الشركات الرقمية التي يملكها أقلية، يتعاملون معها تعاملهم مع إقطاعيات إلكترونية، حسب تشبيه يانس فروفاكس، تحاول تعظيم مكاسبها وأرباحها عبر مزيد من السيطرة على مرتاديها الذين تعاملهم لا كبشر بل كمواد خام، وبين الصحافة التي سعت منذ نشوئها للانعتاق وللحرية من الهيمنة، أي لتأسيس أخلاقيات ومبادئ تخدم الإنسانية عامة، وليست تدخلات رؤوس السلطة والأموال ببعيدة عن الصحافة منذ نشوئها، ولا الصدامات مع الصحافة، منذ عصر الاستعمار وإلى يومنا هذا، والأمثلة أكثر من أن تحصر في مقالة كهذه. 

إن هذا التصور ليس مجرد تهيؤات ارتيابية معزولة عن سياقها، فواقع الحال اليوم أن مواقع البحث الإلكترونية مثل جوجل، بدأت تقلص بشكل كبير وتتحكم بالنتائج التي تظهر للمستخدمين والتي تحيل إلى الصحف أو المواقع الإعلامية المعتمدة، وهو ما أشارت إليه الدراسات الأخيرة؛ حيث انخفض خلال السنوات الأخيرة عدد المستخدمين القادمين للمواقع الإعلامية من منصات البحث، وذلك حسب تقارير رويترز للصحافة. كما أن منصات إلكترونية مثل تلك التابعة لشركة ميتا، فيسبوك إنستجرام واتساب، أصبحت تقلل من عرض المواد التي يشاركها المستخدمون من المواقع الصحفية، كالمقالات أو مقاطع الفيديو، وهذا ديدن أغلب المنصات الإلكترونية كإكس وغيرها، وهذا ليس توجها يحدث بالمصادفة، بل إن هذا حدث بالتزامن مع صعود تقنيات الذكاء الاصطناعي، ومع نوافذ الدردشة مع الذكاء الاصطناعي التي صارت توضع في واجهة المواقع، بما فيها مواقع البحث التي تستقطب أغلب المستخدمين على الإنترنت. 

وبالتالي، هناك توجه واضح للاستعاضة بنوافذ الدردشة تلك عن كل مصادر المعلومات الموثقة صحفيا وإعلاميا، وبالتخلي أكثر فأكثر لصالح سرعة الاستجابة، حتى عن البحث الدقيق، أو البحث الموثق. 

ولا ترى الشركات وراسمو سياساتها ضيرا في توفير معلومات مضللة أو مغلوطة لمستخدميها، ما دامت تلبي نهمهم للمعلومات، حتى لو كانت تلك المعلومات غير دقيقة. ومحصلة ذلك كله، هو الاستعاضة بمواقع البحث والمنصات عن الصحف وموادها؛ تلك التي يقف خلفها طواقم من المحررين والصحفيين المخضرمين، والذين يعملون وفق قواعد إعلامية صارمة، أساسها الصدق والمعلومة الموثقة؛ هذا فضلا عن الكتب التي هي المصادر الأساسية للمعرفة. 

يمكن اليوم لمتصفح أي موقع من مواقع التواصل أن يجد على شاشته سيلا من المعلومات والأخبار التي عليه هو أن يقوم بفلترتها والتمييز بين صادقها وكاذبها، خاصة في عصر فبركات الذكاء الاصطناعي؛ فقد تمدد ما كان يدعى بصور الفوتوشوب قبل عقد ليصبح لعبة فيديو يمكن من خلالها تصوير مشاهد مفبركة بالكامل وتصديرها للمستهلكين على سبيل اللهو أو الخداع، ويمكن أن يخدع المستخدم بها بسهولة، ويعتبرها واقعة بما أنه رآها بعينيه. 

والمحصلة أن العمل الذي كان يقوم به المحررون وهيئات التحرير الصحفية والإعلامية المختلفة، في اجتماعاتهم اليومية للتحقق من أهمية وصحة الأخبار وموضعها من النشرة أو الصحيفة أصبح وكأنه لا حاجة إليه؛ فالسعي اليوم ليس إلى تأسيس قارئ، بل إلى تكوين متابع، وهذا التابع ليس عليه سوى أن «يتفاعل» مع كل ما يقدمه «المتبوع»، وحتى هذا «التفاعل» محدد بتفاعلات محسومة سلفا: أعجبني، لم يعجبني ..الخ، وتلك بيئة في شكلها العام لا يبدو أنها تسعى لتحرير الأفكار وتغذيتها بالمعرفة المفيدة أكثر من سعيها لإبقاء المستخدمين أطول فترة داخل المنصات الإلكترونية، وبالتالي تغذية مراكز بياناتها وذكائها المصطنع بالمزيد من البيانات لفهم المستخدمين وتحليلهم، وبالتالي السيطرة على عاداتهم وتوجهاتهم أكثر. 

أخيرا ليست هذه الحادثة سوى جرس إنذار آخر، ويفترض أن الصحفيين أنفسهم قد خبروا اللعبة وهم يرون آثارها بوضوح، ولكن الأهم أنه إنذار لجماهير القراء المعاصرين، وللأجيال الجديدة منهم تحديدا، فما ينتظر القراء الجدد ذوي الحس النقدي والوعي من خلال إدمان مواقع التواصل الإلكترونية لا يعد بمزيد من اتساع الرؤية والأفق وترسيخ النقد والوعي بقدر ما يهدد بإغلاقها، وانغلاقها، واليوم تكبر المسؤولية على الفرد المتلقي نفسه، في أن يختار بين التعامل مع المعلومة كلعبة إلكترونية لتزجية الوقت، أو التعامل معها كبناء معرفي.