دعاة وعيٍ شركاء مصير لمكافحة العنف والإرهاب
11 فبراير 2026
11 فبراير 2026
يُحْتَفى عالميا في الثاني عشر من فبراير من كل عام باليوم الدولي لمنع التطرف العنيف المفضي إلى الإرهاب.
وتنهض حكومات كثيرة حول العالم بمسؤولية وقاية دولها من تفشي التطرف ومخاطر الإرهاب عبر تدابير وقائية وأخرى علاجية تضمن تقليص تلك الظاهرة إن لم تدرك تطويقها تماما؛ ذلك أنه آفة مجتمعية وتهديد أمني، فلا تمرُّ الحوادثُ الإرهابيةُ مرّ السحاب، بل تمر تاركةً أثرا عميقا في الجميع، و «الجميع» هنا واقعيةٌ ليست مُتخيلة إذ لا يمكن نفي أو إنكار الأثرِ المتضمن ترويع الآمنين من البشر، ولا تجاوز تداعياته على كل مسارات التنمية وازدهار البلدان.
ولمّا كان للإرهاب أسبابه ومقدماته اقتضى الأمر تلمس تلك الأسباب ودراسة تلك المقدمات التي يفضي جلها إلى التطرف بأنواعه وصوره فكريًا واجتماعيًا ودينيًا.
ولما كان الأمر بهذه الخطورة انبرى المجتمع الدولي رافضًا للعنف، مجابهًا للتطرف بثقافة السلام والتعايش واحترام الاختلاف، بوعي مُشترَك حول الإنسانية وقيمة الحياة والأمان، بعيدًا عن المترسّب تراكميًا من تداعيات الخوف والقلق، بعيدا عن تشتيت الوعي بالقيم العليا المشتركة كالخير والشر، التعايش والتسامح، بعيدا عن تصنيفات الاختلاف فكرًا، أو دينًا، أو عرقًا، أو غيرها مما لا يمكن تخيلها منطقيا سببًا للقتل ورفض وتهميش المختلف إلا حين تدخل إطار توصيف وتبرير وتدوير التطرف أو التعصب المُفضي للعنف.
مع هذا الحراك العالمي، لم تقف سلطنة عمان موقف المتفرج، بل شاركت بفعالية متخذة تدابير بين تشريع قانوني وتثقيف وإرشاد فكري؛ محليًا عبر التحذير من مغبة الوقوع في شرك الجماعات الإرهابية بكل السبل، وعالميًا عبر حملات ومعارض ورحلات برية وبحرية هدفها الحوار والتعايش، مجلة دورية معنية بالتسامح، ومشروعيّ وزارة الأوقاف والشؤون الدينية (رسالة الإسلام 2010م)، تعزيزًا للحوار البنّاء بين مختلف الأديان والطوائف في العالم تمثلًا بتجربة سلطنة عُمان في التسامح الديني والتفاهم المشترك والتعايش السلمي، و(المؤتلف الإنساني 2019م) الذي يحمل شعار «نحو قيم إنسانية مشتركة، إضافة إلى اللجنة الوطنية لمكافحة الإرهاب، وهي هيئةً مختصة بالتعامل مع موضوعات مكافحة الإرهاب، حيث تقوم اللجنة بالإشراف على تنفيذ العقوبات المالية المستهدفة على المستوى الوطني، وتقدم التوجيهات والتعليمات معززة الوعي المجتمعي حول الإرهاب تأسيسا وتمويلا، سببا ونتيجة؛ وهو ما عززه التقرير الصادر عن المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات عام 2018م عن قوانين وإجراءات مكافحة الإرهاب في سلطنة عمان.
ولمّا كان سلام الإنسان وسلامته مبتغى عالميًا فعلينا إكبار كلَّ ما يُبذل من جهد مؤسساتي حكومي أو مدني لتجنيب المجتمعات ذلك الصخب الفكري، والقلق الانفعالي، والرعب الشعوري، والتشويش القيميّ؛ حينها نستشعر ضرورة حرصنا جميعا على حماية مجتمعاتنا من أي أفكار متطرفة قد تدعو للكراهية محرضة على عنفٍ أو إرهاب، حمايةً لأرواحنا، وصيانةً لأمنِ أوطاننا ومجتمعاتنا التي نأمل العيش فيها ومعها بأمانٍ وسلام.
فكيف يمكننا حماية مجتمعاتنا من أخطار الإرهاب؛ مقدماتٍ أو نتائجَ، شررًا أوليّا أو احتراقًا فكريًا كاملًا؟
كيف يمكن تحصين الوعي الجمعي بقيم التسامح وتقبل المختلف، قيم السلام والتعايش، قيم التكامل والتكافل مع الإنسان أيا كان دينه أو عرقه أو فكره؟
لم يكن الأمر هينا على كثير من حكومات العالم منذ عقود مضت حين تمثلت تنظيماتُ الإرهاب معسكراتٍ مُغلقةً مُستهدِفةً غسلَ أدمغةِ الشبابِ وشحنَها بالمأفون من الفكرِ والعاطفة.
وهو اليوم أكثر تعقيدًا وأكبر مَشقة إذا استحضرنا طفرةَ وسائل التواصل الاجتماعي، والذكاء الاصطناعي؛ وهنا يمكن وضع ما لا يمكن حصره من وسائل وأساليب متمثلة في حملات التضليل والتحريض الفكري، الهجمات السيبرانية، تجنيد الأعضاء عبر وسائل التواصل الاجتماعي والألعاب والتطبيقات الرقمية التي منحت هذه التنظيمات المتطرفة ميدان عمل أوسع بحراك تنظيمي أو حتى عشوائي أسرع.
بات استهدافُ الشباب أسهلَ خصوصا مع الوصول للمعلومات الشخصية عبر الشبكات الرقمية، استغلال منصات الألعاب الجماعية (مثل ألعاب القتال أو المحاكاة) للتواصل مع الشباب. استخدام غرف الدردشة داخل الألعاب لتجنيد أو نشر الفكر المتطرف، وتحويل الفكر المتطرف إلى تحديات ومهام داخل اللعبة جذبا للمراهقين (Gamification). التشفير داخل الألعاب باستخدام رموز أو خرائط وسيلةً لنقل رسائل سرية، مستهدفين -بوعي ممنهج - الفئة العمرية من 13- 25 سنة ممن لديهم قابلية التأثر والبحث عن الانتماء والاستعداد للتمرد.
لن تصل مكافحة تلك الوسائل مبتغاها إلا بتطويقها بالأساليب المعاصرة ذاتها من إصدار قوانين واضحة تلزم شركات الألعاب بمراقبة المحتوى ومنع التعديلات (Mods) التي تحتوي على رموز أو رسائل متطرفة، وإلزام المنصات بتطبيق سياسات صارمة ضد غرف الدردشة المُستخدمة للتجنيد ونشر الفكر المتطرف، واستحداث شراكات أمنية بين الحكومات وشركات الألعاب الكبرى لتطوير أدوات كشف السلوكيات المشبوهة، واستخدام الذكاء الاصطناعي لرصد الكلمات المُفتاحية والأنماط السلوكية التي تشير إلى التطرف، وتنظيم حملات توعية وطنية تسعى لإطلاق برامج توعية للأهالي والمعلمين والشباب حول مخاطر الألعاب الرقمية وأساليب التجنيد، وتوفير خطوط ساخنة للإبلاغ عن السلوكيات المشبوهة في الألعاب الرقمية وغرف الدردشة، وإدراج التثقيف الرقمي في المناهج التعليمية لتعزيز وعي الشباب.
إضافة إلى تعزيز التعاون الدولي في تبادل المعلومات ودعم إنشاء مراكز بحثية متخصصة في الأمن الرقمي ومكافحة الإرهاب الإلكتروني، لا بد من تأسيس وعي فكري مجتمعي قيمي وقائي مع عدم إغفال التوجيه والتأهيل النفسي الفكري السلوكي علاجيا ما أمكن.
نستحضر هذه التحديات المُحدقة والمخاطر المُحتملة في اليوم الدولي لمنع التطرف العنيف المفضي إلى الإرهاب، مستشعرين مسؤوليتنا في حماية مجتمعنا العماني الآمن، متكئين على ثقافة رسخت تاريخيًا التسامح والتعايش السلمي وتقبل المختلف، إلا إنها مرتكزات أولى ينبغي حمايتها والذود عنها.
ولن يتأتى ذلك بالاطمئنان إلى ثبات الجذور رغم تحديات العواصف، واجبنا جميعا حماية مقدراتنا الثقافية توخيا للحذر، وأخذًا بأسباب الحيطة احترازا من التأثر بموجات العنف والتطرف العالمية، والسماح لها بالتأثير على نسيجنا المجتمعي المتناغم.
ومع الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الإرهاب بسلطنة عمان التي استوعبت الحكومة خلالها ضرورة التعاون والشراكة محليا ودوليا لاستئصال هذه الآفةِ المستهجنةِ المُقَوِضَةِ أمنَ أي بلاد، مقلقة راحةَ العباد، ورغم وجود وفعالية هذه الاستراتيجية، لا ينبغي أن نركن في مسؤوليتها على القائمين عليها وحدهم، بل ينبغي لنا جميعا المشاركة بإخلاص ووعي في حماية أرضنا وأماننا من شرور التنظيمات الإرهابية أيًّا كان منبعُها، وحيثما سارت مَصبَّاتُها، آمنين مؤمنين بأننا لن نُهزم ونحن عصبة حافزها الإنسان، ومبتغاها أمانُه وسلامته.
