بنجلاديش فضحت مشكلة عميقة في الديمقراطية
11 فبراير 2026
11 فبراير 2026
زاهد حسين - توم فيلكس جوهنك - ترجمة: أحمد شافعي
قبل عام ونصف، بدت بنجلاديش كأنها تسير على الطريق إلى تحدي النمط العالمي للتراجع الديمقراطي.
فقد أدت مظاهرات حاشدة قادها جيل من الشباب المحبط اقتصاديا إلى الإطاحة بحكم الشيخة حسينة الاستبدادي الراسخ، وذلك في الخامس من أغسطس سنة 2024، لينهي ذلك أكثر من عقد من تقلص الحيز السياسي والحكم من خلال الترهيب.
أتاحت تلك اللحظة الأمل لا في بنجلاديش وحدها، بل خارجها أيضا؛ إذ كانت دليلا على أنه في العصر الذي تتعرض فيه الديمقراطية للضغوط، لا يزال بالإمكان إسقاط الأنظمة الاستبدادية والتجديد.
وسوف يكون التصويت الوطني اليوم الخميس هو أول اختبار انتخابي للتحول السياسي في بنجلاديش، لكن الآمال الكبيرة المعقودة على إعادة بناء الديمقراطية تلاشت.
فبدلا من فترة من التعافي، جاء بعد الإطاحة بالشيخة حسينة عنف مستمر، وإضرابات بيروقراطية وعمالية، ومظاهرات معيقة، واضطراب سياسي.
وكشفت التجربة حقيقة قاسية لها تداعيات واسعة، من العالم النامي إلى أمريكا في عهد الرئيس ترامب، وهي: أن تجديد الديمقراطية أمر بعيد المنال عندما تفرغ مؤسسات الدولة التي تقوم عليها الديمقراطية من مضمونها. وباتت بنجلاديش مثالا حيا على ذلك.
منذ أوائل تسعينيات القرن الماضي، تمحورت السياسة في بنجلاديش حول التنافس الشرس بين الشيخة حسينة، زعيمة رابطة عوامي، وخالدة ضياء من الحزب الوطني البنجلاديشي. وبرغم بساطة الاختلافات الأيديولوجية والسياسية بين الاثنتين، فقد خاضتا وحزباهما صراعا مريرا في الانتخابات لسنوات.
ومع ذلك، كان انتقال السلطة يجري بطريقة سلمية إلى حد كبير، بفضل حكومات تسيير أعمال غير حزبية كانت تتولى زمام الأمور مؤقتا لإدارة الانتخابات وتسليم السلطة. وتم إلغاء هذا النظام في عام 2011 مع تزايد نزعة الشيخة حسينة الاستبدادية، وبدأت فترة مخالفات انتخابية وانتخابات غير شرعية.
وتفاقمت المحسوبية والفساد، واستعملت حكومتها المحاكم والشرطة وغيرها من أجهزة الدولة لترهيب المعارضين. وكان ملايين البنجلاديشيين يرجون أن تفضي انتفاضة 2024 إلى استعادة الاستقرار والمحاسبة.
وكان من عوامل التفاؤل الأولى تعيين محمد يونس، الحائز على جائزة نوبل للسلام عام 2006 لإسهامه الرائد في مجال التمويل الأصغر، لقيادة حكومة انتقالية.
لكن يونس واجه مصاعب كبيرة في استعادة الهدوء والانضباط في دولة حادة الانقسامات السياسية؛ إذ تفتقر إدارته إلى تفويض واضح ودعم واسع من فاعلين سياسيين رئيسيين، وهو عاجز عن فرض سيطرة فعالة على مؤسسات الدولة من قبيل الشرطة ونظام العدالة الجنائية.
وقد ازداد تدهور هذه المؤسسات بعد سقوط حكومة الشيخة حسينة واستقالة كبار المسؤولين خوفا من الانتقام بسبب انتهاكات سابقة. وقد أثقل غلاء المعيشة وضعف نمو الأجور وغيرهما من الضغوط الاقتصادية كاهل العديد من الأسر منذ الثورة.
وقد أثيرت بالفعل شكوك حول مصداقية الانتخابات بسبب العنف السياسي، والاتهامات بشراء الأصوات، ومخالفات أخرى، فضلا عن حظر مشاركة (رابطة عوامي) في الانتخابات.
يأتي في الصدارة الحزب الوطني برئاسة طارق رمضان ابن خالدة ضياء التي توفيت في ديسمبر، إلا أنه لم تجر انتخابات عامة تنافسية حقيقية منذ عام 2008، فيصعب التنبؤ بالوضع الانتخابي.
يدلي جيل جديد من البنجاليين بأصواتهم - إذ تبلغ نسبة الناخبين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و37 عاما 43% - وتشير استطلاعات الرأي إلى أن حماسهم ينصب أكثر على قضايا عملية من قبيل الأمن والنظام، والوظائف، والتعليم، والرعاية الصحية، والحكم النزيه، لا على التنافسات الحزبية السابقة.
وتمثل القوى الإسلامية عاملا آخر مهما؛ فبعد تهميشهم لفترة طويلة من الحياة السياسية في بنجلاديش ذات الأغلبية المسلمة، استغلت هذه القوى الفراغ السياسي والمؤسسي الحالي لتصبح أكثر نفوذا، مما يثير تساؤلات حول التزامها بالعلمانية، أحد المبادئ الأساسية للدولة.
وقد أشار استطلاع حديث للرأي إلى أن 37% من الناخبين للمرة الأولى يعتزمون التصويت لمرشحي الجماعة الإسلامية، وهي أكبر حزب ديني سياسي في بنجلاديش.
ويتبنى هذا الحزب نسخة معتدلة نسبيا من الإسلام، وحظي بدعم واسع بفضل انضباطه التنظيمي وكونه بديلا للاحتكار السياسي الثنائي الذي فقد مصداقيته.
غير أن جماعات إسلامية متطرفة أخرى دعت منذ عام 2024 إلى تطبيق قواعد الحشمة النسائية، ومعاقبة التجديف بالإعدام، بل وإقامة خلافة إسلامية.
بنجلاديش تحاول إعادة بناء مؤسساتها الديمقراطية؛ ففي نوفمبر، قضت المحكمة العليا بإعادة العمل بنظام الحكومة الانتقالية السابق في الانتخابات المقبلة، وإن لم ينطبق ذلك على هذه الانتخابات.
وسوف يتضمن اقتراع اليوم الخميس استفتاء على ميثاق وطني جديد يلزم الدولة رسميا بضمان نزاهة الانتخابات، واستقلال القضاء، وتقييد سلطة السلطة التنفيذية.
ولسوف يكون ترجمة هذه المطامح إلى واقع، أمرا صعبا؛ إذ يعارض الحزب الوطني البنجالي بعض بنود الميثاق الأساسية، ومن ذلك تقييد سلطة رئيس الوزراء، ومنح الهيئات الرقابية مزيدا من الاستقلالية.
كما أبدت أحزاب عديدة أخرى اعتراضاتها، وفي حال إجازة الاستفتاء، سوف يتطلب تطبيق الميثاق تشريعات وتعديلات دستورية، ومستوى من التعاون السياسي المستدام يبدو مستبعدا في الوقت الراهن.
وإذن الرهانات كبيرة في بنجلاديش؛ ففي الماضي، أسهم النمو الاقتصادي السريع والتجارة في التخفيف من الآثار السلبية للاضطرابات السياسية في البلد. لكن الاقتصاد ضعف بعد الانتفاضة، وبرغم ظهور بوادر استقرار، سوف يواجه القادة الجدد بيئة عالمية أقل تسامحا يسمها تصاعد الحمائية العالمية، وتشتت سلاسل التوريد، وتفاقم ضغوط تغير المناخ.
وبرزت أيضا توترات مع الهند، التي تعد أهم حليف إقليمي لبنجلاديش. فقد لجأت الشيخة حسينة إلى الهند بعد الإطاحة بها، مما أثار غضب القادة المؤقتين والمتظاهرين في بنجلاديش الذين يطالبون بمحاكمتها في الوطن، واتهمت الهند دكا بالتقاعس عن كبح العنف ضد الأقلية الهندوسية في بنجلاديش. وامتدت التوترات بالفعل لتشمل تعليق التأشيرات وتعطيل التجارة. والدروس المستخلصة من انتفاضة بنجلاديش تتجاوز حدودها كثيرا؛ فمن الربيع العربي في العقد الثاني من القرن الحالي إلى الاضطرابات الأخيرة في سريلانكا ونيبال وأمريكا الجنوبية وغيرها، أعادت التعبئة الشعبية فتح المجال السياسي، لكن المكاسب ضاعت أو لا تزال هشة في ظل غياب مؤسسات دولة نزيهة قادرة على قيادة التحولات الديمقراطية.
وفي الولايات المتحدة نفسها، تهدد أفعال إدارة ترامب بتقويض أعمدة الديمقراطية الأمريكية تدريجيا، وذلك بزج المحاكم والسلطات القانونية والوكالات الحكومية في صراعات حزبية، والتشكيك في نتائج الانتخابات.
صحيح أنه يمكن الإطاحة بالطغاة، لكن إصلاح الضرر الذي تسببوا فيه قد يكون التحدي الأطول أمدا أمام الديمقراطية.
زاهد حسين: كبير الاقتصاديين السابق لشؤون بنجلاديش في البنك الدولي.
توم فيليكس جوهنك: خبير اقتصاد سياسي ومراسل سابق في بنجلاديش لمجلة إيكونوميست.
الترجمة عن ذي نيويورك تايمز
