No Image
عُمان الاقتصادي

الاقتصاد العُماني في مواجهة عدم اليقين

10 فبراير 2026
السياسة النقدية والقطاع المصرفي وسط اختبار المرونة الاقتصادية
10 فبراير 2026

حوار مع د. محمد بن راشد الجهوري _ حاورته : رحمة الكلباني  

تمتلئ صفحات الأخبار اليوم بعناوين صارخة حول الاضطرابات الجيوسياسية والصدمات الاقتصادية والتجارية والمالية، ولم يعد السؤال هو هل أو متى ستقع الصدمة؟ بل إلى أي مدى تستطيع الاقتصادات امتصاصها والتكيّف معها دون الإخلال بمسارات النمو والاستقرار؟ 

وهنا تبرز تجربة سلطنة عُمان بوصفها نموذجًا لاقتصادٍ اختبر خلال السنوات الأخيرة ضغوطًا استثنائية، من تقلبات أسعار النفط إلى تداعيات جائحة كورونا، وصولًا إلى موجات عدم اليقين العالمي المتجددة لكنه واصل في وجه ذلك كله تنفيذ إصلاحات مالية وهيكلية عميقة، أعادت ترتيب الأولويات وعزّزت أدوات الصمود الاقتصادي. 

وحول ذلك يفتح ملحق جريدة عُمان الاقتصادي حوارًا معمقًا مع الدكتور محمد بن راشد الجهوري نائب رئيس الإدارة الاقتصادية للاقتصاد والأسواق في البنك المركزي العُماني للوقوف على تقييمه لقدرة الاقتصاد الوطني على امتصاص الصدمات في هذه المرحلة وقراءة تطورات الاستقرار النقدي والتضخم، ودور السياسة النقدية والقطاع المصرفي في دعم النمو دون الإخلال بإدارة المخاطر. وهنا أهم ما جاء في هذا اللقاء: 

 في ظل تصاعد الاضطرابات العالمية، كيف تقيمون قدرة الاقتصاد العُماني على امتصاص الصدمات مقارنة بالسنوات السابقة؟ 

 أظهر الاقتصاد الوطني قدرة جيدة على الصمود في مواجهة تصاعد حالات عدم اليقين في الاقتصاد العالمي، وتجدُّد التوترات الجيوسياسية، وانعكاس كل ذلك على شكل تراجع وتقلب في أسعار النفط وخاصةً في العام 2025م. ولا شك أن النجاح الذي تمكنت الحكومة من تحقيقه من خلال تبنيها لبرنامج إصلاح واسع للوضع المالي خلال السنوات الأخيرة، قد عزز بشكل كبير من درجة المرونة والقدرة على التكيّف التي يجني الاقتصاد الوطني ثمارها اليوم. لقد أثبت النهج الحازم الذي تم تبنيه في مواجهة التحدي المالي الذي تصاعدت مخاطره بشدة خاصة في خضم فترة الوباء، إن منظومة العمل الحكومي في سلطنة عمان قادرة على إعادة ترتيب أولوياتها وتنفيذ برامج الإصلاح اللازمة عندما تقتضي الضرورة. وقد توسعت رقعة الإصلاحات لتلامس البنية المؤسسية بهدف رفع كفاءتها وتحسين درجة الحوكمة المتوفرة فيها مع الالتزام بتطبيق مؤشرات أداء تتصف بدرجة عالية من المصداقية والشفافية. وفي هذا السياق، جاءت المبادرة بالسماح بنشر تقرير صندوق النقد الدولي عن أداء وآفاق الاقتصاد الوطني كمؤشر آخر على السعي نحو ترسيخ نهج الشفافية والحرص على تعزيز الثقة المتبادلة مع مختلف الأطراف ذات العلاقة. 

وعلى صعيد الإصلاح الهيكلي، تم الشروع في برامج وطنية تهدف إلى تحسين بيئة الاستثمار وممارسة الأعمال في البلاد وتعزيز القدرة التنافسية على جذب أنشطة الاستثمارات الأجنبية المباشرة خاصة في القطاعات الاقتصادية الواعدة مثل الصناعات التحويلية والخدمات اللوجستية والثروة السمكية وغيرها، ابتعادا عن أنشطة الريّع النفطي التقليدية المتمثلة في أنشطة التنقيب وإنتاج النفط والغاز. وبحكم دورها في الارتقاء بالكفاءة التشغيلية وتعزيز منظومة الابتكار، تم توجيه قدر جيد من الاستثمار في تقنية المعلومات والاتصالات وجهود التحول الرقمي. وحظيت الجهود المبذولة في ترسيخ منظومة الحماية الاجتماعية بأولوية في اهتمامات الحكومة في السنوات الأخيرة، وذلك في مسعى لبناء شبكة أمان اجتماعي فعالة تتصف بالعدالة والديمومة وتكفل التضامن والتماسك المجتمعي. وبالتأكيد، فقد أسفرت هذه الجهود عن وضع الاقتصاد الوطني على طريق الاستقرار المالي وتحقيق الاستدامة من خلال تعزيز وتيرة نمو الأنشطة غير النفطية (سجلت نموا بلغ معدله 3.4 بالمئة خلال الفترة يناير- سبتمبر 2025م، على سبيل المثال) وزيادة معدل صادرات البلاد من قطاعات الصناعة والثروة السمكية والزراعة والتعدين وغيرها. وبدأت البلاد في حصاد ثمار الجهود المبذولة من خلال تأكيد وكالات التصنيف الائتماني الرئيسية على استحقاق سلطنة عمان على درجة الجدارة الاستثمارية وتدفق المزيد من الاستثمارات الأجنبية المباشرة. ومن المتوقع أن يسجل نمو الناتج الإجمالي الحقيقي نسبة 3.5 بالمائة في العام الجاري (2026م) وفي المجمل، يعكس هذا النمو محدودية تداعيات التوترات التجارية والنزاعات الإقليمية على الاقتصاد العُماني. 

وعلى صعيدي المالية العامة والقطاع الخارجي، حافظت المؤشرات الكلية على قوتها رغم تراجع أسعار النفط، في ظل تحسن كفاءة إدارة المالية العامة، ونمو الصادرات غير النفطية، واستمرار تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر، وبناءً عليه نرى أنه بالرغم من تزايد حالة عدم اليقين والتطورات الجيوسياسية المتسارعة وانخفاض أسعار النفط، تستطيع سلطة عُمان الحفاظ على وتيرة الإصلاحات الحالية من أجل تعزيز القدرة على الصمود وتسريع وتيرة التحول الاقتصادي في البلاد. 

 سجل التضخم عامي 2024 و2025 في أدنى مستوياته في سلطنة عمان؟ فما العوامل التي أسهمت في تحقيق هذا الاستقرار؟ 

 ظلّ التضخم محافظًا على مستوياته الآمنة في سلطنة عُمان، رغم ارتفاع مستويات الأسعار بشكل طفيف إلى 0.9 بالمائة في المتوسط خلال الفترة من يناير إلى نوفمبر 2025 مقارنة بـ 0.6 بالمئة في عام 2024، إذ تم احتوائه بفضل الإجراءات المُتّخذة والتي أسهمت في انحسار الضغوط على الأسعار في معظم المجموعات السلعية. وقد أسهم إطار السياسة النقدية القائم على ربط سعر الصرف بالدولار الأمريكي في توفير ركيزة اسمية ذات مصداقية، مما ساعد في خفض معدلات التضخم واستقرارها والحد من انتقال الصدمات الخارجية للأسعار. كما لعبت الإجراءات الإدارية الموجهة، ولا سيما فيما يتعلق بأسعار بعض السلع الأساسية والوقود، دورًا داعمًا لاستقرار الأسعار. 

ونؤكد في هذا الشأن، بأن المستويات الحالية للتضخم والتوقعات المستقبلية تدعم استقرار الأوضاع النقدية وتعزّز الثقة في النظام المالي، كما أنها تسهم في تعزيز جاذبية الاستثمار، وفي ذات الوقت تحافظ على التوجهات نحو الادخار. 

 كيف يوازن البنك المركزي بين الحاجة إلى توسيع الائتمان لدعم النمو الاقتصادي وبين المتطلبات المتعلقة بإدارة المخاطر؟ 

 يعتمد البنك المركزي العُماني نهجًا متوازنًا يهدف إلى مواءمة نمو الائتمان واتساقه مع معدلات نمو الناتج المحلي الحقيقي المستهدف. وفي هذا الشأن يُولي البنك المركزي العماني أولوية قصوى لمساهمة الائتمان المقدم في رفع جودة نمو الأنشطة غير النفطية. وعلى سبيل المثال، فقد قام البنك المركزي العُماني وتماشيًا مع التوجهات الوطنية بشأن القطاعات ذات الأهمية الاقتصادية، بإطلاق مبادرة رئيسية وفق التعميم رقم (1212) الصادر في 29 يناير 2025، تهدف إلى توجيه الائتمان المصرفي لقطاعات اقتصادية مُختارة وذات أهمية استراتيجية، مع تقديمه حوافز تنظيمية ورقابية، منها التدابير المتعلقة بتخفيف أعباء رأس المال، وتطبيق أوزان تفضيلية للمخاطر في حالات حدوث انكشاف في القطاعات المذكورة للمصارف التي تلتزم بالمستهدفات الواردة في التعميم. وبموجب هذه المبادرة، يُطلب من كافة المصارف المرخصة تقديم الائتمان وبنسب محددة لبعض الأنشطة كالزراعة، والتعدين، والتعليم، والرعاية الصحية، والنقل والخدمات اللوجستية، والسياحة، والتقنية، والطاقة المتجددة. ويتمثل الهدف الرئيس من هذه الجهود في مواءمة نشاط القطاع المصرفي مع أولويات التنمية الوطنية، وتحفيز خطط التنويع الاقتصادي، وزيادة فرص العمل للمواطنين. 

وفي المجمل، يدعم البنك المركزي العماني هذا التوجه عن طريق توظيف إطار رقابي احترازي يضمن الحفاظ على معايير السلامة المالية، بما يحد من تراكم المخاطر الائتمانية ويعزّز صلابة القطاع المصرفي. 

 كيف تقيمون جاهزية القطاع المصرفي في سلطنة عُمان لمواجهة أي تداعيات محتملة خلال السنوات القادمة؟ 

 لا يزال القطاع المصرفي يحافظ على مسار نمو قوي ويتمتع بمستويات جيّدة من رأس المال والسيولة وبمعدلات أعلى بكثير مما تفرضه المتطلبات التنظيمية، كما شهد القطاع المصرفي خلال عام 2025 انتعاشًا ملحوظًا في مستويات الربحية نتيجة تحسن صافي هوامش أسعار الفائدة. كما سجل إجمالي الائتمان نمواً مطردًا خلال العام المذكور بمعدل بلغ نسبته 8.8 بالمائة ليصل إلى 35 مليار ريال عُماني. كما تظهر البيانات أن الغالبية العظمى من المحفظة الإقراضية أي ما يعادل 82 بالمائة، وُجّهت إلى تمويل القطاع الخاص أفرادا ومؤسسات. ويتسق النمو القوي في معدل الإقراض للقطاع الخاص مع التحسن العام في أوضاع الاقتصاد العُماني. 

وفيما يخص جودة الأصول، ظلت نسبة القروض المتعثرة منخفضة، حيث بلغت 4.5 بالمائة من إجمالي التمويل الممنوح بنهاية سبتمبر 2025، وبلغ صافي القروض المتعثرة للقطاع المصرفي 1.4 بالمائة. الأمر الذي يعكس التغطية الجيّدة للمحفظة الإقراضية الحالية للبنوك ضد خسائر الائتمان من خلال مخصصات كافية مع نسبة تغطية بلغت 122 بالمائة من إجمالي القروض المتعثرة. كما تشير نتائج اختبارات التحمُّل إلى أن المصارف لا تزال تتمتّع بدرجة جيدة من المرونة في مواجهة مجموعة من الصدمات الشديدة التي تتعرض لها محفظتها الائتمانية. 

 هل تعتقدون أن القطاع المصرفي سيظل المحرك الرئيس لتمويل الاقتصاد، أم أن أدوات تمويل بديلة ستبرز بشكل أكبر خلال المرحلة المقبلة؟ 

 بالنظر إلى حجم الوساطة المالية السائد، والذي يُقاس في المتوسط بنسبة التمويل الممنوح للقطاع الخاص والقطاع الحكومي والقروض الشخصية إلى الناتج المحلي الإجمالي، فقد ظل مرتفعاً في سلطنة عُمان مقارنة بنظيراتها من البلدان الأخرى، وذلك نظرا لأهمية النظام المصرفي والدور الحيوي الذي يلعبه في النهوض بالاقتصاد الوطني عن طريق توفير خدمات الوساطة المالية وتوفير سُبل الادخار لمختلف شرائح المجتمع. وبالرغم من ذلك، تتوافر فرص مواتية لإيجاد قنوات بديلة من خلال تعزيز التكامل والشراكة بين القطاع المصرفي وأسواق رأس المال والتي من المأمول أن تسهم في ضمان استمرار توفر تدفقات ملائمة من الائتمان الممنوح من قبل القطاع المالي تكفل تسريع وتيرة النشاط الاقتصادي في البلاد، ويمكن كذلك تشجيع مصادر التمويل غير المصرفي من خلال تطوير سوق الأوراق المالية وسوق الدين المحلي الأمر الذي من شأنه أن يسهم في تنويع مصادر تمويل الأنشطة الاقتصادية وتحفيز دور القطاع الخاص والشركات الصغيرة والمتوسطة. 

 أخيرًا، في إطار توجهات البنك المركزي العُماني نحو تعزيز دوره في مجال البحث العلمي وترسيخ مسؤولياته، ولا سيما في تقديم المشورة للحكومة، كيف تأتي استضافة البنك المركزي للمؤتمر السنوي الخامس للشبكة الإقليمية للبنوك المركزية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وأفغانستان وباكستان متسقة مع هذه التوجهات؟ 

 يولي البنك المركزي العماني أولوية قصوى لبناء وتعزيزات الطاقات المتوفرة لديه، وذلك من خلال العمل على ترسيخ منظومة مؤسسية متكاملة في هذا الإطار تتمثل في أركان ثلاثة هي: أولا: إيجاد أنظمة بيانات ومعلومات شاملة تتيح للمحللين وصناع القرار نفاذية عالية وآنية لكافة التعاملات الاقتصادية والمالية والنقدية سواء تلك التي تتم في الاقتصاد المحلي أو تلك العابرة للحدود، ثانيا: القدرة على استقطاب الكوادر والكفاءات الوطنية المتميزة مع الاستثمار في صقل مهاراتها وتوسيع مداركها وتنويع خبراتها من خلال برامج التأهيل العلمي وفرص الاحتكاك المهني مع أصحاب الخبرات سواء داخل البنك أو في المؤسسات المالية الدولية والمنظمات النظيرة، وثالثا: تسريع وتيرة الإنتاج البحثي التطبيقي المستند على تقنيات بحثية رصينة والهادف إلى تقديم تشخيص ممنهج للتحديات الراهنة وبلورة حلول تتناسب مع معطيات الواقع وتتوافق مع استقراء آفاق الاتجاهات الاقتصادية المحلية والدولية. 

وتأتي استضافة البنك المركزي العماني للمؤتمر المذكور في إطار التزامه الاستراتيجي الهادف إلى صقل قدرات الباحثين والمحللين العاملين في البحث العلمي التطبيقي في سلطنة عمان وتعزيز دوره البحثي على المستويين الإقليمي والدولي، وترسيخ مكانته كمؤسسة تحرص على إنتاج المعرفة الاقتصادية وتبادل الخبرات. كما تعكس هذه الاستضافة حرص البنك على دعم دوره باعتباره مستشارًا للحكومة من خلال الإسهام في بناء وتطوير سياسات اقتصادية ومالية مبنية على نتائج البحوث والدراسات العلمية، بما يواكب مستجدات وتحديات العصر ويسهم في دعم اتخاذ القرار القائم على الأدلة والشواهد العلمية. 

وفي هذا السياق، تبرز أهمية إيلاء مزيد من الاهتمام لتطوير منظومة البحث العلمي والتطوير، من خلال تخصيص موارد كافية من الموازنات الحكومية لدعم البحوث والدراسات التطبيقية، لما لذلك من أثر إيجابي في تعزيز القدرة على صياغة سياسات استباقية أكثر فاعلية، وتحسين جودة القرارات الاقتصادية، ودعم تحقيق نمو اقتصادي مستدام وشامل ومولد لفرص العمل للشباب.