No Image
عُمان الاقتصادي

عودة الاختلالات العالمية

10 فبراير 2026
باري آيشنجرن - ترجمة - فاخرة بنت يحيى الراشدي
10 فبراير 2026

تولت فرنسا في الأول من يناير رئاسة مجموعة الدول الصناعية السبع، وستركز أجندة المجموعة على الاختلالات العالمية في فترة رئاستها، وبالتحديد فوائض وعجز حساب الصين والولايات المتحدة ودول أخرى، تشبه هذه الفترة الاختلالات العالمية التي كانت مصدر قلق في عام 2006.

من ناحية سياسية، يُعد هذا التوجه منطقيًا، وإن حدث وأن اتفق دونالد ترامب والقادة الأوروبيون على شيء، فسيكون اتفاقهم على أن فوائض الصين الاقتصادية تُمثل مشكلة عالميًا. إضافة إلى أن التركيز على الاختلالات العالمية ستصرف النظر عن المشاكل المالية لفرنسا، مما يتيح الفرصة للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إبراز دوره القيادي على الساحة الدولية.

أما من الناحية الاقتصادية، يحتاج الأمر للمزيد من البحث. حيث تُعد الاختلالات بين الولايات المتحدة والصين كبيرة، يقدر صندوق النقد الدولي عجز الحساب الجاري الأمريكي لعام 2025 بنحو 4.6% من الناتج المحلي الإجمالي، بانخفاض طفيف عن ذروته في عام 2006 البالغة 6.2%. وفي الجانب الآخر، انخفض فائض الصين بنسبة 3.3% من الناتج المحلي الإجمالي بعد أن كان 10% في عام 2006، رغم أن نسبة فائض الصين تبدو أقل مما كانت عليه عام 2006، إلا أن حجم اقتصادها أكبر بثلاث مرات تقريبًا، مما يُظهر قوة تأثير الفائض على الاقتصاد العالمي كما كان عليه قبل نحو عقدين.

وإن ركزنا على الاقتصادين اللذين يمثلان معًا 40% من الناتج الإجمالي العالمي، فإن الاختلالات فيها تكاد تكون بنفس حجمها في عام 2006، والتي تنبأت بحدوث أزمة مالية عالمية والتي اندلعت بعد عامين.

لم تكن الاختلالات العالمية السبب الجذري لتلك الأزمة، وإنما فرط المخاطرة، وضعف الشفافية والرقابة المالية. وتزداد اليوم المخاطر التي تهدد الاستقرار المالي، لا سيما في قطاعات الائتمان الخاص، والعملات المشفرة، والتدفقات المالية الدائرية المرتبطة باستثمارات مراكز البيانات والمواد شبه الموصلة، بالإضافة إلى ضعف الرقابة المصرفية في الولايات المتحدة.

ومع ذلك، لا تُعد هذه المخاطر أسبابًا للاختلالات العالمية، ولا نتيجةً لها، ففي قطاع الائتمان الخاص، تكمن المشكلة في نقص الشفافية، وفي مجال العملات المشفرة تتمثل المعضلة في ضعف التنظيم والرقابة، أما بالنسبة للإشراف المصرفي، يتمثل الخلل في الاعتبارات الايدولوجية ونفوذ جماعات الضغط في القطاع المصرفي.

لا يمكن الربط بين الاختلالات العالمية ومخاطر الاستقرار الاقتصادي إلا عند الاستثمار في مراكز البيانات والرقائق الإلكترونية، إذ شكّل هذا النوع من الاستثمار 80% من الزيادة في الطلب المحلي الخاص في الولايات المتحدة خلال النصف الأول من عام 2025. يعكس عجز الحساب الجاري الأمريكي الفجوة بين الاستثمار والادخار، يمعنى في حال انخفاض الاستثمار سينخفض عجز الحساب الجاري الأمريكي، مع ثبات العوامل الأخرى. وسيؤثر بالطبع على النمو الأمريكي، حيث أن هذا الانخفاض ليس لصالح أمريكا أو العالم.

تذكرنا هذه الحالة بمبدأ لوسون نسبة إلى نايجل لوسون Nigel Lawson، ثاني وزير للخزانة في عهد رئيسة الوزراء البريطانية مارغريت تاتشر، من وجهة نظر لوسون، لا يُعد عجز الحساب مشكلةً إذا كان يعكس ارتفاعًا في معدل الاستثمار لا نتيجة انخفاض الادخار، غير أن التجربة اللاحقة أظهرت أن العجز الناتج عن الاستثمار لا يعتبر خطرًا فقط إذا كانت الاستثمارات مُنتجة.

اليوم، تتزايد التساؤلات عن جدوى الاستثمار في الذكاء الاصطناعي، خصوصًا تلك المرتبطة بمراكز بيانات كثيفة الاستهلاك للطاقة، والمعتمدة على رقائق سريعة التلف أو التقادم خلال سنوات قليلة. تلجأ العديد من شركات التكنولوجيا إلى أساليب تمويل معقدة للاستثمار في هذه المشاريع، بحيث تفصل المخاطر والديون عن الشركة الأم ثم تعيد تجزئة الالتزامات وتبيعها للمستثمرين المؤسسين، في مشهد مُقلق يعيد إلى الأذهان أزمات اقتصادية كبرى سبقتها ممارسات مالية مشابهة.

بالنسبة للصين، لا تكمن المشكلة في ضعف الاستثمار، بل في الارتفاع المفرط لمعدلات الادخار، وعلى الرغم من أن المسؤولين الصينيين يؤكدون على ضرورة تعزيز الاستهلاك منذ 15 عامًا حين أُدرج كهدف أساسي في الخطة الخمسية الثانية عشر (2011-2015)، إلا أن الإقرار بشيء، وتحويله إلى سياسات وإجراءات فعلية شيء آخر.

تعاني الصين من مشكلات مالية نتيجة ارتفاع معدل الإدخار لشركات تستثمر في مشاريع ذات عوائد ضعيفة، إضافةً إلى مدخرات الأسر المُوجهة لسوق العقارات، ويدرك متتبعو الأوضاع المالية الحكومية المحلية وشركات التطوير العقاري هذه الحقائق، ورغم ذلك تمتلك الصين الموارد المالية الكافية لمعالجة هذه التحديات، ونظرًا لانغلاق نظامها المالي، فمن المستبعد انتقال هذه المشكلات إلى الاقتصادات العالمية الأخرى.

فلمَ القلق إذن بشأن فائض الصين التجاري؟ حسب "الصدمة الصينية" الأولى، التي كان فيها تأثير زيادة الصادرات التي سبقت الأزمة المالية العالمية متفاوت بين الدول، كما تعلمنا أن مثل هذه التأثيرات تُنذر بردور فعل شعبوية ضد العولمة والتعددية.

ومن المرجح اليوم أن تكون هذه المشكلة أكثر حدة مما كانت عليه قبل جيل مضى، فمع ازدياد القيود على دخول الصادرات الصينية على السوق الأمريكية، ستتجه هذه الصادرات إلى مناطق أخرى، وفي مقدمتها الدول الأوروبية والتي بدورها ستتحمل العبء الأكبر، في وقت تواجه فيه التعددية تحديات قائمة، أبرزها التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين، والذي سيزيد من حدة الضغوط على النظام التجاري العالمي.

يكمن حل هذه المشكلة داخليًا، فبإمكان الولايات المتحدة معالجة تراجع الادخار في القطاع العام برفع الضرائب وسد الثغرات الضريبية، ورفع مستوى الرقابة المالية التي تدفع شركات التكنولوجيا إلى الاستمرار في ضخ أموالها في الاستثمارات، وفي الجهة الأخرى يمكن للصين تعزيز الاستهلاك المحلي من خلال تقوية النظام الاجتماعي مما يقلل الإدخار الوقائي للأسر.

وهذه ليست توصيات جديدة، فقد طرحها صندوق النقد الدولي مرارًا وتكرارًا، لكن يبقى السؤال الحقيقي هل هناك من سيطبقها؟ فكما قال شكسبير:" العزيز بروتوس، الخلل ليس في الأقدار، بل في اختياراتنا نحن."