هل يمكن أن تنضم سوريا ولبنان إلى «اتفاقات أبراهام»؟
09 فبراير 2026
ترجمة: أحمد شافعي
09 فبراير 2026
يمر الشرق الأوسط اليوم في إحدى أكثر لحظاته الحاسمة من الناحية الاستراتيجية هشاشة منذ سنين. ولا يتضح هذا في شيء بمثل وضوحه في الحدود الإسرائيلية السورية اللبنانية؛ حيث يتأرجح بندول العلاقات على نحو خطير بين التصعيد العسكري والفرص الدبلوماسية غير مسبوقة النظير.
ومثلما يتبين من بحثنا في منتدى كمبريدج للشرق الأوسط وشمال أفريقيا (MENAF) فإن هذا التذبذب الذي يتغير أحيانا في غضون دقائق لا يبين فقط هشاشة الأفق الراهن لكنه يبين أيضا الإمكانيات الاستثنائية لتوسيع إطار اتفاقات أبراهام إذا ما أديرت اللحظة بحساسية.
لماذا صمدت اتفاقات أبراهام؟
تتكشف في كل من سوريا ولبنان ديناميكيات لا هي بالخطية ولا بالقابلة للتوقع، لكنها تمثل تفاعلا متباينا بين الانتقال السياسي والردع ومحاولة الولايات المتحدة لإعادة هيكلة معمار الأمن والاقتصاد في المنطقة.
ويظهر في تقريرنا أن الاتفاقات الإبراهيمية قد تطورت من مبادرة دبلوماسية إلى معمار إقليمي صمد برغم حرب إقليمية استمرت سنتين، وردود فعل أيديولوجية محتدمة، ورفض واسع من الرأي العام. وجذور الدوام لهذه الاتفاقيات لا تكمن في المشاعر، وإنما في موقف موحد قائم على أساس المصالح الوطنية المرتبطة أساسا بالأمن.
فلو أن عنصرًا واحدًا هو الذي يمثل شرطًا جوهريًا لبقاء الاتفاقيات وتوسعها فهو عنصر الأمن. ويتبين من توابع الحرب أكثر مما عداها مركزية المعمار الدفاعي الخاص بالقيادة المركزية الأمريكية. فقد قال لنا المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي العميد إيفي ديفرين الذي سبق له العمل رئيسا لقسم العلاقات الخارجية: «إن التنسيق [مع نظرائنا في اتفاقات إبراهام ومصر والأردن] خلال الهجمات الإيرانية على إسرائيل كان مبهرا. كان مزيجا من العمليات الجوية والبرية والمخابراتية والرادارات وأجهزة الاستشعار إلخ. وقد تم في أبريل 2024، وفي أكتوبر 2024، ثم أطلقنا ضربتنا لإيران في يونيو 2025... وأعتقد أنه ما من تراجع بعد سنتين من الحرب».
غير أن السؤال الذي يثار الآن في أمريكا وإسرائيل وتركيا وسوريا ولبنان هو السؤال عما لو أن هذا المعمار قابل للتوسع. والإجابة البسيطة هي أن الأحداث الأخيرة تشير إلى أنه قد يتحول بسرعة في أي من الاتجاهين.
سوريا أقرب إلى اتفاق مع إسرائيل
يتذبذب البندول في الأفق السوري على نحو كبير؛ فمن جانب ثمة مصادفات عسكرية مسلحة من قبيل الهجمة الإسرائيلية على جماعة إرهابية في جنوبي سوريا في الثامن والعشرين من نوفمبر 2025 في سياق مبدأ منطقة الأمان الاستباقية، وهو ما يشهد بهذا التوتر. إضافة إلى ذلك ثمة توترات في فسيفساء الفاعلين المسلحين في سوريا، ومنهم فصائل هيئة تحرير الشام والجماعات الدرزية والقوات الكردية والموالين للعلويين، وهي توترات تفرز بيئة مشحونة للغاية.
لقد كان صعود الحكومة المؤقتة برئاسة أحمد الشرع في سياق تراجع النفوذ الروسي والإيراني، وتوسع نفوذ تركيا، ونهج إسرائيل المثير للشكوك سببا في مزيد من التشظي للدولة لا في ترسيخها. وعلى هذه الخلفية تضافرت التوترات بين القوى الإقليمية أي تركيا وإسرائيل ـ وبينهما الآن أزمة سياسة خارجية ـ مع الانقسامات الداخلية العميقة واشتداد الهشاشة العامة، فلم يبق إلا لحسن نية الولايات المتحدة وكفاءتها أن يفرضا الاستقرار على هذه البيئة.
غير أن صحيفة الشرق الأوسط تفيد بأن اجتماعا تم بوساطة أمريكية في سبتمبر بين نتنياهو والشرع في الأمم المتحدة تقدمت خلاله المحادثات إلى القرب من توقيع اتفاقية لفض النزاع برعاية أمريكية بما يبين أن كلا الطرفين منخرط في وساطة دبلوماسية مكثفة برغم تصاعد التوترات.
وما كان لأحد أن يتصور مثل هذه الاتفاقية قبل سنة واحدة، لكنها اليوم أقرب إلى المنطق. ومثلما يتبين من بحثنا فإن المنطق الدافع لهذا التغيير هو الإنهاك الاستراتيجي، وهلاك المحور الإيراني، وظهور إعادة الإعمار الاقتصادي بوصفه حافزًا مركزيًا لجميع الأطراف. غير أن الكثير يبقى غامضا، وفي هذا الأفق الناشئ قد تصبح سوريا إما ساحة لفض النزاع لأسباب برجماتية أو شرارة لتصعيد إقليمي قادم.
سياسة إسرائيل المزدوجة تجاه لبنان: محاربة حزب الله، والتعاون مع بيروت
ويتساوى المشهد اللبناني في تشعبه مجسدا الديناميكية البندولية في أجلى صورها؛ ففي الثالث والعشرين من نوفمبر سنة 2025 اغتالت إسرائيل رئيس أركان حزب الله، فكان ذلك من أشد الاغتيالات حسما منذ وقف إطلاق النار في نوفمبر 2024. ولم تكن هذه الغارة واقعة منفصلة، ولكن جزءا من جهود إسرائيلية مستمرة قضت على أكثر من ثلاثمائة وسبعين من عناصر حزب الله وفككت أكثر من خمسمائة موقع في جنوب الليطاني منذ وقف إطلاق النار في 2024. فإسرائيل جوهريا تنفذ شق «المطرقة» من البندول أي عدم التسامح المطلق والتقليل العنيف لقدرات حزب الله العسكرية وإعاقة فرصه لإعادة بناء نفسه في وقت السلم.
منذ حربه الكارثية مع إسرائيل في خريف 2024 لا تزال قدرة حزب الله العملياتية وشبكاته المالية وموقفه السياسي مضارة ضررا كبيرا. ومع ذلك يبقى وكيل إيران الأساسي سافر التحدي معيدا بناء ما يستطيعه ومعيدا نشر عناصره عبر لبنان كله. وقد قال زعيم حزب الله نعيم قاسم متحديا: «لن نضع أسلحتنا» برغم الضغط الهائل عليه للقيام بذلك من فئات أخرى في المجتمع اللبناني. وبسبب هذا الموقف تبقى الأزمة على حافة سكين، ويبقى الاحتمال كبيرا للتصعيد العسكري.
ومع ذلك في تناقض واضح قبل أسابيع قليلة التقى مسئولون إسرائيليون ولبنانيون في الناقورة في أول اتصال رسمي من نوعه. وكان ذلك الاجتماع ـ الذي تم عبر قنوات أمريكية ـ بادرة على أنه وإن استمر حزب الله فاعلا في إفساد العلاقات، فإن الرئيس اللبناني جوزيف عون ورئيس الوزراء نواف سلام يتحسسان بحذر طريق التقدم إلى فض النزاع والتقارب.
والتناقض بين اغتيال إسرائيلي في يوم واللقاءات الدبلوماسية في آخر ليس بشذوذ. إنما ينطوي على حقيقة بنيوية يكشفها تقريرنا وهي أن التقارب والتصعيد ليسا متعارضين، ولكنهما يتزامنان في فضاء ضيق شكله المحور الإيراني، وشروط الاتفاقية الإبراهيمية المتزايدة، وإعادة ترسيخ الدولة اللبنانية.
إطار الاتفاقات بين التوسع والانهيار
يكشف الاقتران بين التصعيد والتقارب عن ثلاث رؤى. أولها أن المثلث الإسرائيلي السوري اللبناني لم يعد محددا بثنائيات بسيطة. على مدار عقود، كانت تفاعلات إسرائيل مع سوريا ولبنان تتراوح بين الحرب والجمود، لكن الحركة اليوم تمضي في سلاسة بين الحرب والتفاوض، حتى في دورة العمليات نفسها.
والثانية مثلما يرى تقريرنا هي أن إطار اتفاقات أبراهام يقوم أساسا على وساطة الولايات المتحدة؛ فبغير الدبلوماسيين الأمريكيين وعملهم رعاة ووسطاء وضامنين يظل البندول يميل إلى الاضطراب.
والثالثة هي عناصر التوسع؛ فنحن نرى أنه في حال انضمام سوريا ولبنان إلى إطار اتفاقات أبراهام ـ حتى ولو جزئيا ـ فإنهما قد يكملان المنحنى، ويجعلان من محور الاتفاقية إطار عمل رئيسيا في المنطقة.
هذه اللحظة الحساسة التي نشهدها نادرة تاريخيا؛ فشروط توسع الاتفاقات قائمة الآن قيام أسباب قد تنكص بالمنطقة إلى الحرب في غضون دقائق. وقد صادفت المنطقة مثل هذه الرياح المعاكسة في الماضي، لكن ذلك لم يحدث قط في مثل الخلفية السياسية القائمة بضعف إيران التي بات دوام نظامها الحاكم موضع سؤال مفتوح، وتشظي سوريا وانفتاحها للاستثمارات من خلال الحوافز، وتماثل لبنان للشفاء ببطء ومطالبته حزب الله بالسيادة، ومتانة إطار الاتفاقيات الذي صمد بالفعل أمام حرب إقليمية. ميل البندول إلى السلام أو إلى الحرب يعتمد على حكمة الولايات المتحدة وإسرائيل وتركيا وسوريا ولبنان في تحويل الفرص التكتيكية إلى اتفاقيات استراتيجية.
