التعليم بين تقليدية معايير التقييم وسلطة الأساتذة !
01 يونيو 2026
01 يونيو 2026
«أكاذيب ! لا شيء سوى الأكاذيب!» هكذا كانت تشتكي ابنة أخي -إن كنت أذكر بدقة- وهي تكابد مادة الاقتصاد التمهيدية في جامعة هارفارد، والتي كان يدرّسها آنذاك الراحل المحافظ المتشدد مارتن فيلدشتاين.
تجربتي أنا كانت أفضل. لم يكن الأستاذ ريتشارد جيل يأخذ نفسه على محمل الجد، وسرعان ما غادر جامعة هارفارد ليصبح باريتونًا جهوريّ الصوت في أوبرا متروبوليتان. أنا شبه متأكد أنني حصلت على درجة «A» من مساعد التدريس، ولم أُعِر الأمر اهتماما يُذكر.
في الواقع؛ كانت الدرجة السيئة الوحيدة التي أتذكر أنني حصلت عليها في هارفارد هي «C-» في اختبار منتصف الفصل في مادة التاريخ الأمريكي-«مقالة مكتوبة بشكل جيد جدًا، لكنها للأسف خاطئة في كل تفصيل» في ربيع عام 1972.
قررت هيئة التدريس في جامعة هارفارد الآن حصر درجات «A» في نحو 20% فقط من إجمالي الدرجات، وقد لجأ المحاضران الرئيسيان في مادة الاقتصاد التمهيدية جيسون فورمان وديفيد لايبسون مؤخرا إلى صفحة المقالات الافتتاحية في صحيفة نيويورك تايمز للترويج لهذا القرار.
ويدعو الاثنان «جميع المدارس» إلى أن تحذو حذو هارفارد، وأن «تتصدّى لتضخم الدرجات»، وأن ترفع «المستوى عبر مقررات أكثر تحديا وإثارة».
بحسب ما يذكرانه يدرّس جيسون فورمان وديفيد ليبسون نحو ألف طالب في هذه المادة كل عام. ويتم تصحيح الدرجات في مثل هذا المقرر عبر الحاسوب أو بواسطة مجموعة كبيرة من طلاب الدراسات العليا (المعروفين في زماني باسم «معيدي الأقسام»، وهم موجودون أساسا لفرض إرادة الأساتذة).
هذا النظام غير مُصمَّم لتعزيز البحث والاستقصاء، أو تقبّل المعارضة، أو توليد الحماس. وحسبما رأيت فإن المنهج الدراسي لهذين الأستاذين لا يتضمن شيئا عن كارل ماركس أو ثورستين فيبلين، ولا يقدم سوى صورة نمطية مبسطة عن جون ماينارد كينز. إنه محتوى سائد وتقليدي بالكامل من الألف إلى الياء.
هذا ما جاء في «الدليل غير الرسمي لجامعة هارفارد» عن مادة الاقتصاد قبل أن يتولى جيسون فورمان وديفيد لايبسون تدريسها: «إنها المقرر الأكثر تضخّما بشكل مبالغ فيه. تخيّل محاضرات مكتظّة إلى حدّ الاختناق، وجلسات نقاش تُعقد ثلاث مرات أسبوعيا، ويُدرّسها طلاب دكتوراه في الاقتصاد الذين قد يهتمون أحيانًا، لكن غالبًا لا يفعلون. وكان يقود هذا كله سابقا الاقتصادي الشهير عالميا إن. جريجوري مانكيو الذي كان يظهر في اليوم الأول من الفصل، ثم يقضي بقية الفصل في منزله في كيب كود.
لا نعلم بالضبط كيف سيغيّر هؤلاء الأساتذة الجدد المقرر، لكن يمكنك أن تطمئن إلى أن كتاب «مبادئ الاقتصاد» القديم لجريج الباهظ الثمن والمملّ بشكل فظيع سيبقى كما هو».
(ويُفترض أنه لحسن الحظ لم يعد كذلك).
ما الهدف من تشديد الدرجات في فصل «سلطوي» مثل مادة مبادئ الاقتصاد في هارفارد؟ من المؤكد أن ذلك سيزيد من ضغط الطلاب. ومادة مبادئ الاقتصاد مقرر إلزامي؛ وبالتالي فهي القناة المثالية لفرز غير المتوافقين، وأصحاب التفكير الحر، والمعارضين.
الهدف هو تعزيز سلطة الأساتذة. ويقول جيسون فورمان وديفيد لايبسون ذلك بصراحة؛ فهم يزعمون أن درجاتهم يجب أن تكون على المدى البعيد أكثر أهمية من «صقل المقال الشخصي». فمع تراجع قيمة مهارات الكتابة بسبب الذكاء الاصطناعي؛ لماذا نكترث بمثل هذه الممارسات أصلا؟ الأفضل ببساطة هو الاختبار والتقييم وفق منحنى توزيع الدرجات.
أعترف أنني أيضا أستاذ جامعي رغم أنني أدرّس فصولا صغيرة نسبيا -كان الحد الأقصى لدي 90 طالبا عبر ثلاثة مقررات في الفصل الدراسي. أقوم بكل التدريس بنفسي، ولا أستخدم كتابا دراسيا، ويمارس طلابي الكتابة عبر مقال قصير أسبوعيا، أعلّق عليه بتعليقات بدلا من الدرجات.
وماذا عن الذكاء الاصطناعي؟ أقول لهم ألا يستخدموه، وأثق بهم. تخيّل ذلك. وبمجرد أن يدركوا أنهم لن يتعرضوا لعقوبة بسبب كتابة غير متقنة لا يبقى هناك حافز للغش. (قد أكون مخطئا، لكنني أعتقد أن معظمهم يكتبون بأنفسهم).
أتبع هذه الطريقة؛ لأن الجائحة جعلتني أكثر راديكالية.
فقد أدركت أكثر بكثير مما كنت أدركه من قبل أن الطلاب هم بالغون في طور الانتقال، ولديهم حياة معقّدة وأحيانا مُجهدة. وهم أيضا مختلفون جدا عن بعضهم البعض. إنهم يحققون أداء أفضل، ويتعلمون أكثر عندما يُعاملون كأشخاص يريدون التعلم، وسيتعلمون فعلا إذا أُتيحت لهم الفرصة.
لكن لتحقيق ذلك يجب على الأستاذ أن يرتقي بمستواه هو أيضا.
لذلك أملأ مقرراتي بكمّ كبير من المادة مع إدراكي أن بعض الطلاب سيتشربون أكثر من غيرهم، ثم أتعامل مع كل طالب وفق مستواه الفردي من الاستعداد وسرعة التعلّم. ومع كثرة القراءة والتعليق لم أعد أضيّع الوقت والطاقة في الاختبارات؛ فمعيار التقييم لديّ ليس مدى إتقان الطلاب لمقرر ثابت، بل مقدار ما يحققونه من تقدّم (بالنظر إلى ما كانوا يعرفونه سابقا)، وما إذا كانت مهاراتهم وثقتهم بأنفسهم تتحسن.
وبإلزامهم بكتابة شيء كل أسبوع فإن معظم طلابي يقومون بمعظم القراءات. ويبدؤون بالاهتمام بالنصوص الأصلية التي يطّلعون عليها خلال الطريق بما في ذلك آدم سميث، وجوزيف شومبيتر، وجون ماينارد كينز، وكارل ماركس، وثورستين فيبلين. ويتعلمون المفاهيم، والأهم من ذلك أنهم يفهمون أن علم الاقتصاد الحقيقي يدور حول صراع الأفكار التي تتشكل داخل جدالات كبرى حول السياسات العامة. وكثير منهم يشاركون في النقاش داخل الصف، وبحلول نهاية الفصل يكون مستوى كتاباتهم أفضل مما كان عليه عند بدايته.
وفي النهاية أمنح عددا كبيرا من درجات «A». ورأيي هو أنه إذا قمت بعملي على نحو صحيح فإن الطلاب يستحقون التقدير. إنها مهمة كثيرة العمل، لكن لا بأس بذلك؛ فلم يقل أحد: إن الجامعة يجب أن تكون سهلة.
