بين التأويل الحر للمتلقي و شرح اللوحة من قِبل الفنان
سعود الحنيني: التجربة الفنية في أصلها تقوم على الإيحاء لا على الشرح
فهد المعمري: اللوحة الناجحة هي التي تمتلك طاقتها التعبيرية الخاصة
حارث الناعبي: المتلقي كان ولا يزال شريكا في إنتاج المعنى
شيخة الريامية: كثرة تفسير المعنى تميت التجربة الحسية
سليمان الجهوري: الفنان مطالب بمفاتيح تفسيريه لعمله وليس شرحا كاملا
****************
في سؤال طرحناه على مجموعة فنانين تشكيلين حول حدود مسؤولية الفنان في تفسير عمله الفني، أكد بعضهم أن اللوحة نص بصري مفتوح يكتمل بتعدد قراءاته، ومنهم من رأى أن التحولات المعاصرة ولا سيما حضور المنصات الرقمية واتساع جمهور غير المتخصصين، تفرض أحيانا تقديم مفاتيح قراءة أو سياق عام يساعد على فهم العمل. ومن بينهم من اعتبر أن دور الفنان لا يتمثل في فرض معنى نهائي، بل في بناء تجربة بصرية صادقة ومتماسكة تتيح للمتلقي حرية التأويل. واتفق الفنانون على أن الشرح، إن قُدم، ينبغي أن يكون إضاءة أولى لا تفسيرا قاطعا، حفاظا على جوهر الفن وما يمنحه من مساحة للحوار وتعدد في المعنى.
***************
مسؤولية نسبية
يرى الفنان التشكيلي سعود الحنيني أن مسؤولية الفنان التشكيلي في تفسير عمله اليوم أصبحت مسؤولية نسبية وليست مطلقة، وقال: "التجربة الفنية في أصلها تقوم على الإيحاء لا على الشرح، وعلى فتح مساحات للتأويل لا إغلاقها. كانت اللوحة تُترك سابقًا لحرية المتلقي، ليبني معناها وفق ثقافته وخبرته وحساسيته الجمالية، وكان هذا التفاعل جزءا أصيلا من اكتمال العمل الفني.
غير أن التحولات المعاصرة - من هيمنة وسائل التواصل، وتسارع الاستهلاك البصري، وتراجع الثقافة الجمالية لدى بعض الشرائح- جعلت الفنان أحيانًا مطالبًا بتقديم سياق أو مدخل يساعد على قراءة العمل، لا بوصفه شرحا نهائيا، بل كإضاءة أولى. وهنا يكمن الفرق: فالتفسير الذي يغلق المعنى يُضعف العمل، أما التفسير الذي يفتح أفقًا للفهم فهو امتداد للفن لا نقيض له".
وأضاف: "الفنان لا يتحمل مسؤولية تفسير كل تفصيلة في عمله، لأن العمل بمجرد خروجه إلى العلن يصبح كائنًا مستقلا، يعيش بتعدد قراءاته. لكنه يتحمل مسؤولية وضوح رؤيته، وصدق تجربته، وامتلاك أدواته الفكرية والجمالية. فإذا اختار الصمت، فصمته موقف. وإذا اختار الشرح، فشرحه ينبغي أن يكون إطارًا لا قيدًا. في النهاية، تبقى اللوحة مساحة حوار. والفن، في جوهره، سؤال مفتوح أكثر منه إجابة جاهزة."
مثلث التوازن
تناول الفنان التشكيلي فهد المعمري الموضوع من خلال ثلاثة محاور " الفنان - اللوحة - المتلقي"، وقال: "لقراءة الموضوع يجب علينا فهم إشكالية تفسير العمل الفني والتي تضع الفنان التشكيلي اليوم أمام مسؤولية مزدوجة وحساسة في آنٍ واحد. فمن جهة، يُنظر إلى العمل التشكيلي بوصفه نصا بصريا مفتوحا، يملك المتلقي الحق الكامل في تأويله وفق خلفيته الثقافية، وذاكرته البصرية، وحالته الشعورية. ومن جهة أخرى، يعيش الفن المعاصر في زمن السرعة والمنصات الرقمية، حيث يُطالب الفنان غالبا بشرح عمله، وتقديم مفاتيح قراءة مباشرة، قد تُضيق أفق التلقي بدل أن توسعه."
وتابع: "أعتقد أن الفنان لا يتحمل مسؤولية تفسير عمله بقدر ما يتحمل مسؤولية بناء عمل صادق ومتماسك من حيث الفكرة والبناء البصري. فاللوحة الناجحة هي التي تمتلك طاقتها التعبيرية الخاصة، وتُغري المتلقي بالدخول إلى عوالمها دون وصاية. وعندما يتحوّل الفنان إلى شارح دائم لعمله، قد يفقد الفن إحدى أهم خصائصه: الغموض الجميل، والمسافة التأملية التي تسمح بتعدد القراءات. ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن تقديم سياق عام أو خلفية فكرية للعمل قد يكون ضروريا في بعض الحالات، خاصة في الأعمال المفاهيمية أو المرتبطة بسياقات ثقافية محددة. هنا يصبح الشرح ليس إلغاء للتأويل، بل جسرا أوليا يساعد المتلقي على العبور، لا على البقاء في الاتجاه الواحد.
وأضاف: "في النهاية، أرى أن العلاقة الصحية بين الفنان والعمل والمتلقي تقوم على التوازن: الفنان يُنتج عمله بصدق ووعي، واللوحة تتكلم بلغتها الخاصة، والمتلقي يمتلك حرية الفهم والتأويل. أما الشرح، فيجب أن يبقى خيارا توضيحيا لا سلطة تفسيرية تُصادر دهشة الاكتشاف".
توضيح السياق لا فرض المعنى
يؤكد الفنان التشكيلي حارث الناعبي على ارتباط الفن التشكيلي تاريخيا بحرية التأويل، حيث تُترك اللوحة مفتوحة لقراءة المتلقي دون تدخل مباشر من الفنان. وقال: "المتلقي كان ولا يزال شريكا في إنتاج المعنى، يستدعي تجربته وثقافته ليبني فهمه الخاص. هذا التعدد في القراءات لم يكن ضعفا، بل أحد أهم عناصر قوة العمل الفني.غير أن المشهد الفني المعاصر شهد تحولا ملحوظا مع انتقال الأعمال إلى المنصات الرقمية واتساع دائرة الجمهور غير المتخصص. ومع هذا التحول، تصاعدت المطالبة بأن يشرح الفنان فكرته أو يحدد رسالته، وكأن العمل لم يعد قادرا على التعبير بذاته. رغم ذلك، لا يمكن اعتبار تفسير العمل مسؤولية فنية ملزمة. فالعمل التشكيلي الجيد ينبغي أن يمتلك لغة بصرية قادرة على التواصل دون اعتماد كامل على الفنان. إلا أن ما يمكن اعتباره دورًا مشروعًا للفنان اليوم هو توضيح السياق لا فرض المعنى؛ أي الإشارة إلى التجربة أو الدافع أو المناخ العام للعمل، دون إغلاق باب التأويل."
وأضاف: "الإشكال الحقيقي يظهر حين يتحول الشرح إلى اختزال للعمل أو إلى وسيلة لتبرير ضعف بصري. في النهاية، تظل مسؤولية الفنان الأساسية هي الصدق وبناء تجربة بصرية حقيقية، بينما تبقى حرية القراءة حقًا أصيلًا للمتلقي، وجوهرًا لا يمكن التفريط به في أي ممارسة فنية أصيلة".
بين الشرح والحيرة
تجد الفنانة التشكيلية شيخة الريامية أن مسألة المعنى ليست شأنا فنيا خالصا، بل هو سؤال معرفي وأخلاقيّ يتفاعل فيه القصد، واللغة، والبيئة، والتلقي، والحدود الإنسانية للفهم. وفي الفن المعاصر. وقالت: "نجد هذا السؤال الدائم: هل يُطالَب الفنان بتفسير عمله؟ أم أن المعنى حقٌّ مفتوح للمتلقي؟ يرى بعض الفنانين أن المعنى ليس ملكا لصاحبه وحده، حيث إن العمل الفني لا يكتمل إلا بوجود المتلقي، فالمتلقي يشارك في إنتاج المعنى وليس متلق سلبيا فقط.
وقد أكد الفنان Jeff Wall أن المعنى ينبغي أن ينبثق من البناء الشكلي وتفاعل المتلقي الذي تعددت مرجعياته الثقافية. ويمكن أن نؤيد هذا بقول جلال الدين الرومي: (المعنى بحرٌ، واللفظُ شاطئه)، فالمعنى أوسع من أن يُحتوى في لغة أو شرح". وأضافت: "يعد بعض الفنانين أن الغموض ليس نقصا، بل يضيف جمالا إلى المعنى، حيث إن كثرة تفسير المعنى يميت التجربة الحسية، ويحول الفن إلى خطاب تعليمي. ومن أشكال هذا التعدد في تجليات المعنى، أن فنّانا مثل Gerhard Richter اختار الصمت التأويلي واتخذه موقفا أخلاقيا، معتبرا أن الشرح قد يقتل العمل. هذا الموقف له أصل فقهي صريح في القاعدة: (السكوت في معرض البيان بيان)، أي أن عدم الشرح قد يكون أبلغ من الشرح.
وفي هذا المقام، يقول فريد الدين العطار: (ما لا يُدرك بالشرح، يُدرك بالحيرة)، فالغموض هنا ليس فراغا دلاليا، بل حالة خصبة يتولد فيها المعنى بالتجربة لا بالشرح. ويعبّر حافظ الشيرازي عن هذا التفاوت بقوله: (لكل أحد من كأس المعنى نصيب)، فالمعنى لا يُسكب بالتساوي، بل يُدرك بقدر الاستعداد والذوق".
وخلصت الريامية إلى أن إشكالية المعنى ليست صراعا بين فنان ومتلق، بل هي علاقة تفاعلية يتكون فيها المعنى عند تفاعل القصد، والعمل، والتجربة، والبيئة، والمتلقي. وقالت: "مسؤولية الفنان المعاصر لا تكمن في شرح عمله أو الصمت عنه، بل في خلق أفق دلالي جمالي يسمح للمعنى أن يُدرك، لا أن يُفرض. ويكمُن سرّ إدراك المعنى الذي يتعدّد بتعدّد القرّاء والمتلقين، في العمل الفني نفسه الذي يرفع سقْف الإدراك إلى مدارج عليا يتيه في سراديب معانيها المفكرون والنقاد والفلاسفة والفنانون... وبذلك يكون المعنى تجربة تُعاش وتتجدد وتتعدّد بتعدُّدِ المتلقّين ومستوياتهم الإدراكية، أكثر مما هو خطاب يُشرح".
تفسير جزئي
ويرى الفنان التشكيلي سليمان الجهوري أن العمل الفني لا يتم شرحه كونه عنصر جمالي قائم على التفسير الحر، ومن هنا تبنى العلاقة بين العمل الفني وبين المتلقي الذي يجد في اللوحة ما يستثير مشاعره جماليا ويتفاعل مع العمل الفني حسيا من خلال رسالة العمل الفني ودلالاتها، وقال: "اليوم ومع تداخل الأساليب الفنية وإضفاء طابع الرمزية على بعض الأعمال الفنية فإن الفنان التشكيلي مطالب بإعطاء مفاتيح تفسيريه لعمله وليس شرح كامل له حتى لا يتحول العمل الفني من فضاءه الحر إلى عمل فني فاقد لقيمة ثراء تعدد القراءات كونه قائم على التفسير الحر والغوص فيه من قبل المتلقي وما يعكسه هذا من صدى على روحه وفكره ومشاعره .. من هنا نقول أن الفنان يتحمل تفسير اللوحة وعمله الفني عموما جزئيا لا كليا حتى لا تتحول اللوحة إلى عنصر مغلق فاقدة أمام ذلك إلى التفاعل الحر معها كأحد أركانها الأساسية".
